مونبلييه: مهرجان أرابيسك مختبر للاختلاف والتعدد

مونبلييه: مهرجان أرابيسك مختبر للاختلاف والتعدد

مونبلييه – المعطي قبال

       منذ الثامن من هذا الشهر، تعيش مدينة مونبولييه بالجنوب الفرنسي على إيقاعات أرابيسك، التظاهرة الثقافية والفنية التي أقفلت عامها العشرون. واختيار أرابيسك عنوانا لجمعية UniSons وتعني «لنتوحد»، أو «الالتفاف من حول الصوت»، يعكس رغبة حبيب الدشراوي مدير المهرجان في وضع التظاهرة في قلب المدينة وروح المتوسط. ويشير في كلمة تقديمه للمهرجان بانه «في عالم تخترقه الانشراخات، الانكفاء على الذات، والتخوفات، رغبنا في أن تكون هذه الدورة 21 دعوة إلى التقارب الإنساني. ذلك أن المتوسط والذي ندافع عنه ليس بحدود بل مرورا حيا ما بين الثقافات، اللغات والذاكرات…».

  لهذه التظاهرة وتعددية المعنى التي تطبعها خيط متصل ورفيع بين ما هو استيتيقي وما هو سياسي. ولكأن هذه التعددية مرآة عاكسة إلى تباين وزخرفية الكيان المغاربي بفرنسا. وهذ ما يلاحظه المرء عند حضوره أو مشاركته في أحد أنشطة أرابيسك، من الموسيقى إلى السينما مرورا بالندوة أو العرض التشكيلي حيث يتعايش المغربي، الجزائري، التونسي، الإفريقي ضمن مجمع واحد.

هذا العام ثمة ظرفية سياسية تعيشها فرنسا تتمثل في الهاجس الذي ينتاب الفرنسيين من وصول التجمع الوطني التيار الذي تتزعمه مارين لوبان إلى زمام السلطة، وهو الحدث الذي قد يغير كل المعادلات.

علاوة على ذلك تعيش فرنسا وضعية تفقير مستدام  لشرائح اجتماعية عريضة من الفرنسيين جراء الأزمة الاقتصادية، كما تتواجد تحت سيادة وسلطة وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. بكلمة تعيش فرنسا وضعية خاصة بل استثنائية قد تؤثر على التوجهات السياسية المستقبلية لمجموع أوروبا. ينأى جواب بل أجوبة أرابيسك عن السياسة بمعناها الضيق، للتأكيد على الجانب الإبداعي في مجالات الفن والثقافة بصفتهما أحد أشكال السياسة.

الحديث عن الهجرة، تاريخها، عوائقها السوسيولوجية والثقافية هو موضوع سياسي بامتياز عاشه جيل الشيبانيين ثم الجيل الرابع والخامس من أبنائهم وهم اليوم باحثون وأساتذة في المعاهد والجامعات الكبرى يعيدون طرحه ومعالجته بناء على رؤى ومناهج جديدة.

تتقاطع التيمات من حول قضايا الهوية، الاندماج في الجسم الفرنسي، الذاكرة ووظائفها بين التذكر والامحاء، الغربة والغرابة الخ…

في هذا الإطار نظمت ندوة في عنوان «ذاكرة حياة. تاريخ رواد الهجرة المغربية بفرنسا». ساهم فيها كل من إدريس اليازمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، هاجر أزل روائية عالجت مسار بعض المهاجرين ، من بين رواياتها الصادرة عن دار غاليمار للنشر، «مقصد الفرار»، سندس الشرابي المشاركة الثانية والتي أشرفت على تسيير هذا العمل. تتقاطع هذه التيمة مع تيمة «الموروث العربي، الهوية الفرنسية: من يكتب سردياتنا؟» بمساهمة كل من عالم السوسيولوجيا مغربي الأصل مروان محمد والمخرج المسرحي والسينمائي محمد الخطيب.

كان المهرجان مناسبة لإقامة احتفالية تكريم للكاتب المغربي إدريس الشرايبي في مناسبة الذكرى المئوية لولادته وكان الكاتب أحسن شاهد على معاناة المهاجرين في ديار الشتات. ساهم في هذه الندوة كل من قاسم باسفاو، المخرج السينمائي أحمد المعنوني، إدريس اليازمي.. رئيس مجلس الجالية بالخارج،  وسيرت اللقاء الصحافية والكاتبة نادية حتروبي صفصاف.

انفتح المهرجان في دورته 21 على كفاءات إبداعية وفنية عربية مثل استضافته للكاتبة هدى بركات، تكريم للفنان الجزائري رشيد طه، للروائي مجيد الشرفي، لفرقة كناوة ديفيزيون، كريستين زايد، تكريم للشاعر محمود درويش من خلال صور إرنست بينيون إرنست.

وقد خصص المهرجان لفنانات الموسيقى حيزا مميزا بحضور كل من سعاد ماسي، كاميليا جوردانا، أمال مثلوتي، ياسمين حمدان، زينة الداودية  الخ…بحضورهن خلال حفلات موسيقية بديعة جلبت جمهورا عريضا من كل الفئات والأعمار. وفي فقرة الفن الهزلي – الساخر، التف من حول الفنان عبد القادر السيكتور، أمين الراضي، مروان بن العزار، جمهور غفير صفق لاسكيتشاتهم القادحة للعائلة وبالأخص لسلطة الآباء ، لتعاملهم الساذج مع المعاش الأجنبي، لعودة الأبناء خلال العطل إلى البلد الأصل والشعور بالفصامية بين أحضانه.

لمدة 12 يوما تناوبت على منصات العروض والقاعات كلا من إفريقيا، العالم العربي، فرنسا، لعرض وتقديم فنونها، آدابها، ثقافاتها المركبة مبرهنة بذلك على أن هذه الثقافات ولدت من رحم التعدد، الاختلاف والتصاهر وذلك نكاية بالطروحات الاختزالية للمتشددين من أنصار اليمين المتطرف.

شارك هذا الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!