انزياحات وانعراجات السرد في رواية «مجمع الأسرار» لإلياس خوري

انزياحات وانعراجات السرد في رواية «مجمع الأسرار» لإلياس خوري

 مونبولييه – المعطي قبال:

حضور الغائب 

       وكأنه لم يرحل، لم يودع بيروت التي تماهت مع تفكيره وكيانه لتصبح مكانا للمقاومة، للكتابة والذاكرة. يوم وفاته، الموافق للخامس عشر من سبتمبر من عام 2024، استحضر معارفه وأصدقاؤه والمقربين منه  ذكراه أو بعضا من شذراتها الأليفة: فنجان قهوة بأحد مقاهي باريس، كأس نبيذ معتق، جولة بأزقة باريس أو نيويورك لما يحل بهذين المدينتين، أو الإنصات لمداخلته في أحد الندوات الخ…، ولما يلتحق بالفندق، نتصوره يتابع قراءة كتاب أو يعكف على كتابة مقال أو فقرة من رواية جديدة أو كتابة مقال للقدس العربي. ذاك إيقاع الكاتب الأصيل المسكون بأسئلة الوجود. كان جمال الدين الغيطاني من هذه العينة الأصيلة التي تمنح كثافة للمكان والزمان الذي يعبره أو يرحل في أرجائه. شخصيا، أذكره دائما نزيل الحجرة البسيطة بنجمتين بفندق يصر على النزول به بالحي اللاتيني بباريس. يعتبر هذه الغرفة امتدادا لفضائه المصري. الفارق بينه وبين إلياس هو أن هذا الأخير يضيف لمسة حداثية لتواجده ولإبداعه الروائي والفني ولرؤيته للعالم: فرانكوفوني، أنغلوساكسوني، إيطالي وفلسطيني بالكامل. كانت باريس بالنسبة له محجا يستعيد فيه ذكرى الإقامة والدراسة.  كصحافي يبقى على بينة، بآخر النقاشات والإنتاجات الأدبية والفنية سواء في العالم العربي أو في الغرب. كان على علم بالجوانية الفكرية للغرب. لكن الغرب الذي يتعامل معه ويميل له إلياس خوري هو الغرب النقدي والمنتقد لذاته، المفكك لتصوراته المركزية والنمطية. الغرب الذي يترك حيزا للآخر، الأجنبي، المهاجر، الغريب، الغرب الذي تخلص من الوعي الشقي تجاه المسألة اليهودية

ثمة محطات رئيسية تعرف بإلياس خوري ونتاجه: يقارب هذا النتاج العشر روايات ترجمت جميعها إلى أكثر من لغة أجنبية. علاوة على كونه روائي، فإلياس خوري ناقد ومحلل سياسي، كاتب مسرحي. تواقيعه الصحفية امتداد لمواقفه السياسية. أشرف على الملحق الأدبي لجريدة النهار وكانت له زاوية للتحليل السياسي بجريدة القدس العربي. لما عاد من الأردن بعد أيلول الأسود، استقر بباريس ليعد دبلوم الدراسات العليا عن الحرب الأهلية بلبنان لعام 1860. عام  1972 كان أول انتماء ثقافي له بالمشهد الأدبي العربي حيث أصبح عضوا في هيئة تحرير مجلة “مواقف” إلى جانب أدونيس، هشام شرابي وفيما بعد الشاعر محمود درويش. تحمل مسؤوليات بمجلة «شؤون فلسطينية» ومجلة «الكرمل»، ثم مديرا ثقافيا بجريدة السفير. كما أعطى دروسا بجامعة كولومبيا، بالجامعة الأمريكية لبيروت وجامعة نيويورك. شارك بعد عودته إلى لبنان في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. فقد على إثرها مؤقتا البصر

جميع روايات إلياس خوري متساوية القيمة. “كلها مفيد، ولا شيء فيها عديم الفائدة”. من هنا صعوبة بل حيرة القاريء الناقد أمام نتاج مكتمل، متميز ومثير للسؤال والمتعة. من هنا صعوبة الاختيار. في البداية فكرت في تقديم ومناقشة رواية «الجبل الصغير»، الصادرة عام 1977 في بيروت والمترجمة إلى الفرنسية عام 1987 لدى الناشر آرليا. وكانت الرغبة عارمة في إجراء مقارنة بين هذة الرواية الأولى وأحد النصوص الأخيرة التي تندرج ضمن ثلاثيته الروائية «باب الشمس» الصادرة عام 2023 لدى سندباد. الهدف من هذه المقارنة هو الوقوف عند التحولات التي مست إنتاجية إلياس خوري. ويلاحظ أنه على مدى خمسة عقود، عرف هذا النتاج تغيرات أساسية على مستوى معالجة المواضيع، على مستوى الأسلوب ونوعية السرد والتعامل مع المتخيل  وهي تحولات تساير وترتبط بشكل وثيق  بالوضع السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي للبنان وللشرق الأوسط وبخاصة لفلسطين. وتبقى الحرب الخيط الرفيع الذي يربط حلقات الحكي والسرد الروائي

في الأخير وقع اختياري على رواية «مجمع الأسرار » الصادرة عن دار الآداب ببيروت عام 1994

مجمع الأسرار: لا يتعلق الأمر هنا بكراس يتضمن نصائح دينية تهم الوعظ والإرشاد، كما هو الشأن في كتاب «مجمع الأسرار في أدعية وأوراد السادة الأخيار»، وهو مؤلف لكاتب مجهول جمعه محمد بن عبد الله بن محمد بن زين الحبشي، بل يخص رواية لا علاقة لها بالدين وتعد من بين الروايات الهامة في نظري لأنها تستشرف مجريات الحرب الأهلية، تقف عند تفكك لبنان وانحلال العلاقات الاجتماعية. تزج بنا في أحضان لبنان، بنياته الأبيسية أو الباترياركية، وذلك من خلال ثلاثة مصائر تتقاطع فيما بينها. مصير رجلين وامرأة. الرجل الأول يمثله إبراهيم نصار الوافدة عائلته من بلدة حوران بسوريا والذي استقر في أحد القرى بالجنوب قبل أن يعقد العزم على الرحيل إلى بوغوتا بكولومبيا وهو رحيل لم يتم.  الرجل الثاني هو حنا السلمان، صديق-عدو إبراهيم نصار. أما المرأة فتشكل العنصر الثالث الذي يمثل حلقة الربط والفصل بين الرجلين ألا وهي نورما عبد المسيح المومس التي تتنقل وتتأرجح بينهما.  

بدأت الحكاية في السادس من يناير 1976، وهو اليوم الذي توفيت فيه السيدة سارة نصار، البالغة من العمر 80 عاما. كان موتها متوقعا. وحده إبراهيم نصار البالغ من العمر 54 عاما أصيب بالذهول حيث بقي مصعوقا أمام جثمان عمته وهو يذرف الدموع

 عاش هذا الأخير وحيدا مع أخته وابنه الوحيد، بعد وفاة زوجته على إثر إصابتها بالسرطان. كان يملك متجرا لبيع الفواكه في بيروت ويعيش في بيت عتيق بأسقف عالية عششت بها العناكب. بني هذا البيت عام 1889 من طرف جد إبراهيم نصار على تل معزول يطل على نهر بيروت. اعتبر سكان القرية، بأن الرجل مجنون باختياره العيش وسط ابن آوى التي تملأ المكان

دامت الحكاية ثلاثة أيام. توفي إبراهيم نصار في اليوم الثالث وعثر على جثته بعد ثلاثة أيام لما جاءت نورما عبد المسيح لتدق بابه. ولما لم يجب أحد، دفعت الباب العتيق الذي انفتح في الحين

اتهمها حنا سلمان المالح  بالسرقة لما اندفع إلى البيت رفقة مجموعة من الرجال لإسكاتها بعد أن أطلقت صرخاتها المتلاحقة.   

في الغد وقفت نورما وسط الشارع تشتكي وتنتف شعرها أمام بعض المارة الفضوليين الذين كانوا يتوقفون، يهزون أكتافهم قبل أن يتابعوا السير. لم تكف نورما عن الصراخ وتصيح بحجة أن إبراهيم فظ بكارتها وتوفي قبل أن يفي بوعده بالزواج منها

في اليوم العاشر اختفت نورما. حنا سلمان كان آخر من رآها. كان قد اقترب ليتأكد من أنها نورما بالفعل. وهي في الخامسة والخمسين تغيرت المرأة بسرعة. كانت ذات قامة متوسطة، بثديين كبيرتين مترهلتين، بشعر اسود طويل، بعينين صغيرتين وبأيدي تكسوها عروق واضحة. لما مارس معها الجنس لأول مرة منذ خمسة وثلاثين عاما، قال لها حنا سلمان أنه لا يحبها. غادرت السرير بتركها على الإزار الأبيض بقعة دم رمزا لعذريتها

أقامت نورما علاقة مع الرجلين، حنا السلمان وإبراهيم نصار. علاقة شاذة وغريبة لامرأة مع رجلين. سرت الإشاعة بأن حنا قتل إبراهيم انتقاما لشرفها. فيما يؤكد البعض الآخر بأن الاغتيال تم بسبب الذهب المخفي بالبيت والذي أراد حنا الاستيلاء عليه بالتواطؤ مع نورما

اليوم بما أن الحكاية انتهت بموت أبطالها، فإن سر نورما يطفو على السطح كما لو تعلق الأمر بإعادة صياغة صورة هذه المرأة وحكايتها بين الرجلين

لا يفي هذا الملخص بثراء وقوة السرد والهندسة المتشعبة للنص. كان هدف الكاتب هو وضع القارئ في مشهد افتتاحي قبل نقله من موقع إلى آخر، من وضعية إلى أخرى وكأنه يرغب في «تشتيت» القاريء وإرغامه على إعادة قراءة النص من جديد حتى يثبت الشخصيات والوقائع. لذا فإن مسألة التكرار في هذا العمل، بصفته إعادة كتابة ومسح لما سبق مسألة ذات أهمية قصوى. وتنطبق على التقنية التي يستعملها خوري تقنية «الانزياح» أو «وضع في متاهة». mise en abyme لنتابع إضاءة فصول الرواية

   لكل واحد من الرجلين، حنا سلمان وإبراهيم نصار، حياة خاصة بأسرارها وغرائبها. كان إبراهيم يعيش لوحده مع عمته التي عرفها دائما سيدة عجوز، تشتكي من التهاب المفاصل وتخاف من الموت. منذ البداية ورث إبراهيم الموت على غرار وراثته لمحل بيع الفواكه والخضر. لم تكن له رغبات أو نزعات تجاه الجنس الذي كان يمارسه كواجب، ولما تطلب منه نورما الزواج منها يلقي عليها نظرة فارغة كما لو رأها لأول مرة ويأمرها بأن تخفض صوتها كي لا تسمعها عمته سارة التي كانت تسهر على ضوء الشموع. كانت العجوز تقضي الليالي تتجول في غرفتها، تجر رجليها على البلاط الأرضي. وعد عمته بأن يتزوج لكنه تملص من ذلك دوما. أخبر إبراهيم نورما بان يحضرا إلى الساحة لمتابعة شنق حنا السلمان قبل عقد الزواج. لكن شخصان آخران شنقا مكان حنا. من جهته نظم لحنا استقبال بطل في حيه، لكنه خرج من السجن مفجوعا تماما. ثم اختفى من الحي موضحا أنه سيصبح رجل أعمال، لكنه انتهى كصالح أحدية

يستدعي إلياس خوري حكي الليالي (ألف ليلة وليلة) ليضعنا في المشهد العام والذي تسترسل فيه الأحداث والوقائع. وتعطي لازمة «بدأت الحكاية» شارة الانطلاق. هي عبارة عن استهلال وتعرف هذه اللازمة بالفرنسي Incipit . تتكرر وتتردد الصيغة على مدى النص.  لتعيد صياغته من جديد وإعطاء صيغة مغايرة للصيغة الأصلية.  

هكذا بدأت الحكاية. في هذا اليوم الممطر من يناير 1976، استيقظ حنا السلمان باكرا. كانت له زوجة وبنت. ركض في اتجاه الصراخ الذي قاده إلى بيت آل النصار ليجد حشدا من الناس يغطون بإزار أبيض جثة إبراهيم نصار المنتفخة. لكن لحظة دفته، لم يجدوا مكانا له بالمقبرة

تقع مقبرة آل نصار على الخط الأخضر الذي يفصل بيروت عن بيروت خلال الحرب الاهلية. عام 1976، كان من الصعب بلوغ المقبرة لأنها تقع على خط المعارك، تحت رقابة المقاتلين. هكذا وجد إبراهيم نصار نفسه من دون قبر. بموت إبراهيم، وجد حنا نفسه في ورطة .        

 لا تحمل الرواية فصولا ولا أرقام فصول، بل هي عبارة عن حكاية تسترسل وتتناسل قبل أن تخرج من أحشائها في كل مرة،  شخصية ما وبالأخص فرد من أفراد العائلة. ويعود بنا الكاتب في كل مرة، إلى ماضي الطفولة لسرد شذرات متفرقة.

حلم نورما هو أن تتزوج من إبراهيم نصار وتمارس الجنس بين الفينة والأخرى مع حنا سلمان

 في كتابة إلياس خوري، نستشف بعضا من أجواء ومناخات وشخوص روايات أمريكا اللاتينية وبالأخص نصوص بورخيس، غابريال غارسيا ماركيز أو روا دوس باستوس، دون تهميش تأثير الكاتب الأمريكي  بول أوستر الخ…وهي مناخات مثخنة بالمراوغة، بازدواجية الهوية والذات مع استعمال الدهاء والتلفيق كأساليب سردية. ويمكن الحديث تبعا لآراغون عن “الكذب الحقيقي“. 

العشائرية في هذه الرواية وباقي روايات إلياس خوري هي من بين العناصر الأساسية التي ينسج من حولها المتن الروائي. ينتج عن هذه العشائرية النزاع والنزاع المسلح، سطوة الفحولة والرجولة، وهي وقود المتخيل الروائي .    

فعلا اندلعت الحرب الأهلية عام 1958 وعاش إبراهيم أجواء طالما حدثه عنها والده لكنه لم يتذكر منها سوى النذر اليسير. شذرات تتعلق بالهجرة من سوريا إلى لبنان ثم الاستقرار ب كسروان مكان الإقامة و “الاستقرار“.

بعد وفاته، استقرت نورما ببيت آل نصار بحجة أنها زوجة المرحوم إبراهيم. ثم جاء نسيم جاهل ابن عم الميت لطردها من البيت. كانت نورما جزءا من إرث إبراهيم. والإرث يؤدي في هذه العائلة اللعينة إلى الموت. عائلة آل نصار أصلها من حوران السورية قبل أن تستقر بالجنوب

الرواية وثيقة أنثروبولوجية وسياسية عن بنية وانغراس العنف في المجتمع اللبناني: من العنف ضد النساء باسم فحولية بدائية، إلى العنف لإجبار الآخر على التخلي عن ديانته مرورا بالعنف بين أفراد العائلة الواحدة من حول الإرث والأرض والتقاليد العائلية التي تتحكم في الزواج والحياة اليومية. وحدها الموت تجمع بينهم. العنف الخام الذي يجد تجسده في الاختطاف، السطو على الأراضي والماشية، الاغتصابات، وكيف يصبح الضحية مجرما. إعتناق الإسلام وما نتج عنه من مشاعر الحقد والعزل تجاه المعتنقين الجدد. دفن النساء مع أسوارها الذهبية والأطماع التي تجلبها. كانت نورما تطلب من إبراهيم مرافقتها إلى المقبرة للبحث عن الأسوار . قال لها بأن أسماء ومواقع القبور لربما وجدت في صندوق والده. لكنه لم يتجرأ على فتح الصندوق إلا مرة واحدة ليشتم بداخله رائحة الموت

الموقع الخاص للمرأة 

للمرأة في نتاج إلياس خوري موقع خاص. هي الأم، الزوجة، العاشقة، الصديقة، العدوة. المبدعة الخ… لا يمكن تصور عمل روائي من دونها. في البداية كانت نورما المرأة الوحيدة في المشهد. تركزت عليها الأنظار، أصبحت موضوعا للنقاش، يتقاسمها جنسيا كل من إبراهيم نصار وحنا السلمان. ثم تدخلت إيفا التي تزوجت من أحد أمراء الخليج. ثم جوليا والدة إيفا… ليس من أفق مهني للنساء سوى العمل كخادمات منازل، أو مومسات.    

زوجة حاتم وزوجة حنا يشعران بأنهما غير متزوجتين. فرجل الأولى غائب يدرس اللغة العربية بحوران بسوريا، ولما يزور العائلة لا يصرف ولو مليما واحدا، بل بالعكس تتكلف زوجته بكل شيء وتمده بالنقود لدى عودته إلى حوران. أما سامية زوجة حنا، فلا تشعر أنها متزوجة لأن « زوجها » يقضي معظم وقته بين أحضان نورما.

تحضر المرأة بكثافتها، قوتها وتميزها وأيضا ضعفها أمام سلطة الرجل بل سطوته في روايات إلياس خوري. منها المومس ( وهن حاضرات بكثافة في أعماله)، منهن الخانعات أمام جبروت الرجل. منهن المقاومات من الأمهات والجدات والعاشقات. يسلط خوري أضواء كاشفة على مكانة وموقع المرأة في مجتمع متفكك، فريسة للحرب والتناحر. غير أن الاتجاه العام هو لصالح استعباد المرأة ومعاملتها كأمة. أغلب النساء في روايات إلياس خوري يحافظن على الصمت، يكتفين بالبكاء في حالة فاجعة أو مشكل ما، مثلما هو الحال في رواية «الوجوه البيضاء» لما يقتل أحمد وتحافظ والدته على صمتها أمام أب صامت بدوره إلى أن يأخذ معطفه ويهيم على وجهه. لما عثروا عليه رجعوا به داخل صندوق للموتى. الصمت هنا هو من علامات الاكتئاب والانهيار النفسي. بعد وفاة أحمد، انفصمت العلاقات بين خليل أحمد جابر وزوجته نهى. غير أن نها بقيت تحافظ على توازنها عكس زوجها الذي انهار بالكامل. حتى في الحالات التي تهمش فيها، فإن المرأة تتواجد في النصوص الروائية كشخصية رئيسية.   

حكاية اعتقال حنا سلمان على إثر الجريمة التي اقترفها،  وتعذيبه المنهجي على إثر اتهامه باغتيال المومسين أنطوانيت وإيميلي تبقى موضع تساؤل: هل هو القاتل أم الشخص الذي يسكنه؟ يقدم لنا خوري أشكال التعذيب وأصنافه البدائية. السجن الذي نزل به ليس ككل السجون. بل سجن عثماني يمارس فيه التعذيب بشكل وحشي بحيث يخضع السجين لستة أنواع من التعذيب، الهدف منها قتل الجاني أو الأسير ببطء وبفن وحشي. اقتلاع الأظافر، الغطس في الماء المتسخ الملئ بالمخلفات البشرية، إرغام السجين على أكل كلغم من الملح مما يؤدي إلى انتفاخه و تحول وجهه إلى اللون الأبيض

ستة أصناف من التعذيب إلى أن يعترف الأسير ولو كان بريئا، بصنيعه

في المجتمع المصغر لحي مثل حي فرنيني الذي تقيم به شخصيات الرواية، للإشاعة سلطة هدم وتحطيم بالغة. وتتدخل الإشاعة ورديفتها النميمة في كل شيء: في الحياة والممات.  توفيت سارة عمة إبراهيم. قيل أنه خنقها. توفي المعلم، توفي إبراهيم… في كل مرة يسقط شخص ويبقى موته الغريب من بين الأسرار المحيرة. وفي كل مرة تنسج الإشاعة خيوطها الخفية ليصبح القيل والقال سلوكا للفكر والتخاطب. في زمن الحرب، تصبح للإشاعة قوة بالغة

حين زارت نورما حنا سلمان بالسجن، وسلمت له علبة سجائر أمريكية، قال لها أن الحراس وإدارة السجن تلبي رغباته بتسليمه كل ما يحتاجه. لأن الناس يحبون الموتى أو من هم على أهبة الموت وبالأخص منهم من ينتظرهم حبل المشنقة. شيء رائع ان يكون الانسان محكوم عليه بالموت. خلال حديثهما، أشار لها بأنه يوم شنقه، ستوزع الحلويات على الحاضرين وترتفع زغاريد المومسات. على أي فجميع النساء مومسات قال لها حنا.

في زمن الأزمات يتغير الناس، يتضاعفون،  تتمكن منهم ازدواجية الشخصية، يصابون  بتروما، (صدمة) حادة. هكذا أصبح حنا شخصا آخر. هيمن بالداخل حنا الثاني على حنا الأول، طغى عليه بل مسح معالمه الشخصية. إننا نحمل في أعماقنا إنسانا آخر. البديل المعاكس لما نحن عليه. شخصيات الرواية مرضى نفسيون. ولذلك أسباب منها المخلفات السيكولوجية للحرب، البنية التاريخية لمجتمع متفكك الخ…  بماذا يفكر الناس لما يفقدون علاقتهم بالواقع؟ يفكرون في الهجرة

الهجرة، إلى أين؟ 

يهاجر الناس في زمن السلم إلى ما يسمى بالخارج إما لكسب حياة أفضل وإما للإفلات من ظروف القمع والاضطهاد، لكن في حالة لبنان يتعلق الأمر بفرار إلى أمكنة خالية من رائحة الموت. فالهجرة هنا هي نتيجة للحرب. كل اللبنانيين جربوا الحرب ثم جربوا الهجرة ليجدوا أنفسهم في وضع شتات أي في وضع التفرق الذي يؤدي إلى تحلل الروابط مع الأرض، مع المحيط العائلي والاجتماعي والنفسي. ترسم روايات إلياس خوري هذا الاجتثاث بصفته اقتلاعا عن الأصول. لكن وحتى مع الشتات تبقى جنة عدن بعيدة المنال. لما يغادر المهاجر من لبنان إلى بلد آخر، (هنا كولومبيا)،  لما يغير اسمه باسم آخر، بدل يعقوب، يلقب بساتتياغو، يبقى مع ذلك عرضة للتحرش العنصري وللملاحقة. لذا يبقى المهاجر في وضع نزوح وانزياح دائمين

الخوف هو الذي حال بين إبراهيم ورحيله إلى كولومبيا. الخوف من أن يترك عمته وحيدة، أن يترك نورما، يترك أيضا حنا وحي فرنيني. كما  لا يمكنه التخلي عن ميدان سباق الخيل، إذ لا حياة له من دون رهانات الخيل التي يشرف عليها إيميل الزغبي، من دون صراخ أم نديم لما يدخل زوجها مخمورا وسط الليل ويلقي عليها كوب ماء…هذا العالم يشغل حياة إبراهيم ويمنعه من اتخاذ قرار بالهجرة

توفي إبراهيم وحيدا ونجهل من قتله. هل تم اغتياله؟ أم توفي على إثر نوبة قلبية؟ هل إبراهيم هو الغريب أم نورما الواقفة وسط الشارع… يخاف ابراهيم إن هو هاجر من أن يعرف نفس مصير سانتياغو نصار الذي اعتقد الكثيرون أنه إسباني أو مختلط الأصول مثل ملايين الأشخاص بأمريكا اللاتينية. كانت عائلة يعقوب نصار (المكونة منه، من سارة، وابنه إبراهيم) على أهبة الهجرة إلى كولومبيا لما تلقت رسالة  وفاة يعقوب

آل نصار يحملون موتهم معهم حتى إلى الخارج

يوضح الكاتب للقاريء بأن إبراهيم نصار ليس بفكرة وحكايته ليست بحكاية. بل هو خبر في قضية الحياة والموت ولا يمكن نقل هذا الخبر كاملا. لم يكن إبراهيم نصار غريبا لكنه مات مثل غريب

ناس بسطاء من وضع اجتماعي : مالك محل تجاري، سباك، لحام، حرف تشجع على النميمة مثل أبو يحيى الذي يعرف كل شيء عن الجميع. الكذب جزء من العلاقات الاجتماعية للحي

الهجرة موضوع هوس يشغل شخوص الرواية. لكن هذه الهجرة المزعومة إلى جنة عدن، تبقى أفقا تراجيديا سواء كان البلد كولومبيا أو كندا التي شرعت في توزيع التأشيرات على اللبنانيين، لكن لا حنا ولا إبراهيم راغبان في مغادرة البلد وبلدتهم.  

تتداخل الحكايات ولا تساير تصميما أو هندسة منسقة ومرتبة بل تتركب وتتراكب من خلال مقاطع سيرة هذه الشخصية أو تلك. بمعنى أن الكاتب لا يسلم للقاريء مفاتيح القصة المتصلة، الخطية والمسترسلة للشخوص بل يقسمها، يوزعها على عدة محطات ومحكيات كي يبقي على نبضها وفاعليتها في حقل الواقع. يستلهم إلياس خوري هذه التقنية من فنون الحكي بألف ليلة وليلة ومن المونتاج السينمائي. ونجد نفس التقنية لدى بول أوستر.  

في بلدة لا يزال فيها النساء يمارسن السلطة على ابنائهن وذلك باختيارهن للزوجة كما هو شأن سارة التي اختارت لأخيها يعقوب زوجة فيما بقيت هي من دون زوج. زوجته من مريم لينجب إبراهيم. وبدات العلاقات بينه وبين ابنه في التفكك: فيما ابتعد عنها، لزمت هي الصمت. لكن بعد الولادة تكلفت هي بإبراهيم. قربها مرض مريم بالسرطان من أخيها يعقوب. ثمة شخصيات هلامية تعرضها علينا الرواية: من هو عبد الجليل ذاك الشخص الذي توفي لمرتين، مرة في بيروت ومرة ثانية بالقرية

هناك سلوك شاذ يتمثل في« سفح المحارم » لما يمارس الأخ الجنس مع اخته. ثمة انصهار بين سارة ويعقوب. على أي لم تر سارة في يعقوب يوما بأنه رجل، بل امرأة تعيش معها في البيت !

يعرض علينا إلياس خوري قصة عائلات وعشائر لا تتذكر تاريخها وإن تذكرته تسرده على شكل شذرات أو أطياف مضببة. هذا التاريخ مدموغ بالمجازر، بالتناحرات والقتل والثأر. تاريخ ينطوي على أسرار لم يتم التعرف عليها وفكها. الكل مورط في هذه المجازر حتى رجالات الدين والقساوسة ساهموا في اقترافها. «يقال أن قسيسا من عائلة نصار هو الذي دبر مجزرة ابو عامر وأنه اختفى في هذه الصبيحة الملعونة…» ما هو مصدر هذا الموت الجماعي؟ لا أحد بقادر على تقديم جواب لهذا السؤال. فذكريات يعقوب، ذكريات والده لا تنفعنا في شيء. كان الكل يرغب في الهجرة. امتلأت البواخر بمهاجرين وافدين من زحلة، جبل لبنان، البقاع الغربية، بواخر متجهة أولا إلى مارسيليا ثم إلى أمريكا اللاتينية.    

توفي إبراهيم عام 1976 ولم يهاجر بسبب رغبته في تقاسم كنز المقابر. لو غادر لما عاين المجازر التي وقعت في عين قصرين عام 1983 والتي كانت أعنف وأشرس من مجازر 1860.  

في هذه الرواية، نحن بصدد حكايات صورية  simulacre قد تكون وقعت وربما لم تقع وهو مبعث للشك والحيرة. هل نصدق ما جاء في الرواية عن حياة وموت أزيد من عشرين شخصية بين نساء ورجال، عاش بعضهم حقبا من الحرب فيما جرب البعض الآخر شتى المحن و نال أغلبهم  نصيبهم من الموت والتعذيب، كل ذلك في سياق تاريخ مثخن بالمجازر، الحروب، المعارك العشائرية او الإثنية. جاءت شهادات التاريخ  وكأنها صور ضبابية لمرآة غير صقيلة. تحيل هذه المرآة على البلد وعلى تاريخه المفعم بالكذب.  

الطرس

هو طرس الرسائل التي لم يعثر عليها إبراهيم نصار الذي كان على يقين بأنه رآها داخل الصندوق مكتوبة بأحرف إسبانية. هؤلاء الأشخاص عناصر سكيزوفرينية: تقتل ولا تتذكر أنها قتلت ثم تعترف بتقطيعها للأجساد ورميها في أكياس الفحم

من إيقاعها المتقطع وتداخل أزمنتها وحقبها كتبت هذه الرواية على فترات. ثمة روايات يستجمع فيها الكاتب كيانه لكتابتها بنفس متلاحق. هنا نحس أن إلياس خوري كتبها على فترات وفي حقب متفاوتة

 وهكذا بدأت الحكاية 

« في ذلك الزمان جاءت نورما الى حبس الرمل. كانت في الثالثة والعشرين، حنطية اللون، كبيرة النهدين، في عينيها ماء يشبه دموعا تكاد تسقط. تنتعل سكربينة سوداء بكعب عال كي تبدو اطول من قامتها قليلا، تلبس فستانا اصفر، وتحمل جزدانا اسود.

في ذلك الزمان، جاءت نورما الى الحبس، وطلبت مقابلة حنا السلمان. حصل هذا، بعد صدور حكم الإعدام بأسبوع، وكانت نورما تعلم ان لا احد يأتي لزيارة حنا. كانت تريد ان تفهم لماذا ارتكب حنا هذه الجرائم. كانت نورما هكذا تحب ان تفهم الاشياء…».

هكذا بدأت الرواية بلازمة تتكرر عند كل فقرة لتلعب دور مستهلات وأرقام. لتزج بنا في عالم هو ما بين الحلم والحقيقة. كباقي روايات خوري، يستعصي تلخيصها. لأن الكاتب يدس الوهم، الاستيهام والكذب في مسارات الأشخاص. يجد القارئ نفسه في عالم الاحتمالات والممكنات. نحن إذا بصدد تداخل للسرد، ذوبانه بعضه في البعض. إن كانت الليالي حكاية متصلة تروي وقائع متراصة فيما بينها، فإن إلياس خوري يمسك بها ليعيد تركيبها وتوليفها مثل لعبة مكعب روبيك، بحيث تختلط المعطيات والمباديء المتحكمة في اللعبة.  ويضيع أو يتيه القاريء في هذه الدوامة. في إحدى الفقرات تم التزاوج بين ما كتبه الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز في «قصة موت معلن» واغتيال سانتياغو نصار وما كتبه خوري عن عائلة يعقوب نصار في لبنان التي كانت تستعد للهجرة إلى كولومبيا أو المكسيك. أشار غابريال غارسيا ماركيز إلى هذا الاغتيال. هل علم بما وقع ليعقوب الملقب بسانتاياغو نصار أم أرسلت الرسالة بمحض الصدفة؟  وبقيت العائلة تتساءل عن فحوى ومضمون الرسالة

كاتب في دوامة الحروب المستدامة 

لا يعتبر إلياس خوري من « كتاب الحرب »، من أمثال إرنست همنغواي، صاحب رواية “وداعا للسلاح”، أو من أمثال دوس باسوس، أو إيريك ماريا ريمارك مؤلف « في غرب ما ليس هناك جديد »، بل وحتى أندريه مالرو وغيرهم الذين جاءت الحرب في كتبهم لتجمع ما بين الشهادة والتحقيق الصحفي، بل الحرب في نتاج خوري شخصية قائمة الذات، هي المنية التي تحصد النفوس والأرواح من دون أن تزرع شيئا. لم يكن إلياس خوري إذا المحقق الصحفي على الجبهة بل كان المشارك المتورط في براثينها: وهو بالأردن، شارك إلى جانب الفلسطينيين إلى أن غادر مع اندلاع أيلول الأسود، كما شارك في حرب لبنان…رافق كتابة وعن كثب حروب لبنان المستدامة. لكن يبقى التزامه ووفاؤه للقضية الفلسطينية الثابت السياسي الذي لم يتملص منه أو يعيد فيه النظر. لذا يمكننا القول بأن إلياس خوري كان دوما محاربا على الطريقة الفلسطينية.  ولذا فإن الحرب تشكل أحد مكونات مخيله الروائي والإبداعي. تلتصق بجلد شخصياته الروائية. حتى وإن لم تساهم هذه الشخصيات في مجريات الحروب فإنها مع ذلك تصطدم بدمارها وخرابها الشامل. في أغلب رواياته تحضر الحرب كثيفة، وحشية بلا وجه وبجسد ضاغط

هناك الحروب الكبرى: حرب 1860، 1976 … ثم هناك الحروب الصغرى التي سببها النعرات العشائرية أو نزعات الثأر الخ…لكنها على مختلف أنواعها وأشكالها تبقى حروبا مدمرة للبنيات الاجتماعية، الاقتصادية والنفسية. تبقى الحرب إذا سيدة الحكي.  

في رواية « الوجوه البيضاء » (دار الآداب 2003) عثر في إحدى القمامات على جثة خليل أحمد جابر. لماذا اختفى الرجل لأسابيع قبل العثور على جثته؟ من يكون هذا الشخص؟ حاول الصحافي جمع معلومات وعناصر لمعرفة الحقيقة. لذا طرح أسئلة على عدة أشخاص. من خلال شهاداتهم وقف عند الخسارات الفادحة التي لحقت بيروت وبسكانها. اعتمد خوري الأسلوب والتقنية البوليسية في تحري الحقيقة. وبما أن الحرب وما تنتجه من قتل، إصابات، دمار الخ… يبقى الأسلوب البوليسي الأمثل لرسم المشاهد والشخصيات والمؤثرات. رحى الحرب معلنة أيضا وعلى أشدها في روايات «الجبل الصغير» (نُشرت في عام 1977). تدور أحداث الرواية خلال الحرب الأهلية اللبنانية،. نلتقي بالحرب في روايات « الرجل الصغير والحرب» (1995)، في رواية «باب الشمس» (2002). أيضا الحرب حاضرة في رواية «كأنها نائمة».( 2007)  ميليا لها القدرة على رؤية الماضي في الأحلام والتنبؤ بما سيقع في المستقبل. خلال ثلاثة أيام يستعيد حلمها قصة الحب مع منصور ما بين بيروت والناصرة، يستعيد أيضا ذاكرة عائلتهما. لم يجعل الكاتب من الحرب هاجسا يسكن مخيله بل حولها إلى تحفة فنية، وذلك على غرار الرسام غويا الذي حول  في عمله الإعدام إلى وثيقة فنية وذلك في اللوحة التي تحمل عنوان « إعدام ليلة الثالث من مايو » التي رسمها عام 1814

غادرنا إلياس خوري ولم يتسن له معاينة نزيف الإبادة الذي ألحقته إسرائيل بكل من فلسطين ولبنان، لكن رواياته تبقى شاهدة على خسارات ومحاولات المسح النسقي للهويات الناهضة في وجه الأنظمة  المستبدة. وهي بذلك تبقى روايات رؤوية تنير لنا ظلمة وانعراجات المسارات والمسارب.

شارك هذا الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!