الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية (3)
المختار عنقا الادريسي
المحطة الرابعة: حزب الأصالة والمعاصرة… موقع الثقافة داخل “تغيير المسار”؟
استهلال أولي:
حين يكون تغيير المسار سياسياً واجتماعياً… فهل بإمكانه أن يكون ثقافياً أيضاً؟
إذا كان التجمع الوطني للأحرار قد أتاح لنا أن نقرأ الثقافة من داخل ثنائية “الفرصة والكرامة”، فإن حزب الأصالة والمعاصرة يقدم لنا مدخلاً مختلفاً للمساءلة. فهو يدخل الاستحقاق التشريعي لسنة 2026 بشعار مكثف، اختار له كعنوان “من أجل تغيير المسار”. وقد ارتأى أن لا يقدم هذا الشعار، وفق برنامجه السياسي، باعتباره مجرد عبارة انتخابية، بل باعتباره تعاقداً سياسياً والتزاماً بتغيير اتجاه التدبير وإعادة توجيه البوصلة نحو ما يعتبره أولويات حقيقية للمغرب والمغاربة. مؤكداً على أن مواثيق البرنامج الخمسة ليست إجراءات منفصلة، وإنما هي رؤية واحدة لإعادة التوازن والتماسك داخل المجتمع. ومن هنا تبدأ مساءلتنا الثقافية له، معتبرين أن المسار ليس اقتصادياً فقط، ولا اجتماعي فحسب، ولا هو مؤسسات فقط. لأن للمجتمع مساراً ثقافياً أيضاً، ينبغي الانتباه إليه.
ومن ثمة فإن السؤال الذي نضعه أمام برنامج الحزب لا ينحصر في البحث عن موقع ورود كلمة ثقافة في البرنامج، بل: [إذا كان الحزب يريد تغيير المسار العام، فأي مسار ثقافي يريد تغيره؟ وإلى أي مسار ثقافي يريد أن ينقل إليه المغرب؟]
1- تغيير المسار، هل يشمل طريقة نظرنا إلى الإنسان؟
قد تبدأ قوة هذا الشعار من كونه يرفض الاكتفاء بإدارة الواقع القائم، فـ “تغيير المسار” يعني في دلالته السياسية، أن هناك مساراً بلغ حدوداً لم يعد معها الإصلاح الجزئي كافياً. وهنا ينبغي أن نستحضر الرأي القائم على أن التغيير الحقيقي لا يبدأ دائماً من الأرقام. لأنه يقوم على الصورة التي نرسمها للإنسان، فهو:
- مواطن قبل أن يكون مستهلكاً.
- منتج قبل أن يكون طالب شغل.
- صاحب حق ثقافي قبل أن يكون مستفيداً من أي خدمة عمومية.
- كائن قادر على التفكير والاختيار والإبداع، وليس مجرد عنصر في معادلة النمو.
وهذه جميعها محطات ليست بالبعيدة عن البرنامج الحزبي، بل هي كامنة في مفهوم “إعادة التوازن” الذي يجعل منه الحزب أحد مداخل برنامجه الانتخابي. ومن هنا يمكن القول بأن الثقافة هي إحدى الاختيارات الخفية لذاك التوازن المنشود. فالمجتمع الذي يملك طرقاً ومستشفيات ومدارس، ولا يملك فضاءات للفكر والفن والقراءة والإبداع، لن ولا يمكنه أن يحقق التوازن الكامل.
2- ميثاق إدماج الشباب وموقع الثقافة في “الأفق”؟
يضع برنامج الحزب “إدماج الشباب” ضمن اولوياته الخمس، ويقترح مسار إدماج موحد للشباب خارج التعليم والتكوين والشغل، مع تشخيص فردي ومواكبة اجتماعية وعقد للإدماج، ويستهدف مساره ذاك 300 ألف شاب سنوياً عند بلوغ سرعته القصوى. كما يربط معالجة الانقطاع الدراسي بإعادة الشباب إلى الدراسة أو التكوين أو الشغل. وهذا توجه يستحق التقدير من زاوية السياسة الاجتماعية. لكن مساءلتنا الثقافية تبدأ من سؤال آخر:
فهل يحتاج الشاب (ة) إلى الشغل فقط، أم يحتاج أيضاً إلى أفق آخر؟
علماً أن الأفق ليس الوظيفة فقط. فقد تكون الوظيفة شرطاً أساسياً للحياة الكريمة، ولكنها لا تعني -وحدها- معنى الحياة ومتطلباتها. فالشباب (ة) يحتاج إلى: المعرفة… الفن… الكتاب… الرياضة… الفضاء العام… التعبير… الانتماء… القدرة على الحلم… وغير ذلك كثير. ولذلك فإن أي إدماج تنقصه الطاقة الثقافية والإبداعية، يظل إدماجاً ناقصاً. لأن الذي لا يجد مكاناً ليعبِّر فيه عن نفسه، قد يجد مكاناً في سوق الشغل، لكنه لن يجد مكاناً مناسباً له في المجتمع. وعطفاً عليه تبرز الثقافة باعتبارها أفقاً للشباب، وليست مجرد مهنة لبعض منهم/هن.
3- إن “صفر انقطاع عن الدراسة” لا يقوم مقام الانقطاع عن الثقافة
إن “صفر انقطاع عن الدراسة دون حل بديل” الذي يرفعه الحزب شعاراً، يبقى شديد الدلالة. خاصة وأن الانقطاع عنها يعتبر رافداً أساسياً لفئة الشباب خارج منظومة التعليم والتكوين والشغل، وعندما يقترح -الحزب- رصد المنقطعين وربطهم تلقائياً بمسارات العودة إلى الدراسة أو التكوين أو التدرج المهني. ويتحدث عن مدرسة عمومية “تربي وتكون وتهيئ للمستقبل”. ومن هنا فإن مساءلتنا الثقافية تلتقط عبارة شديدة الأهمية -في نظرنا- نوجزها في أن المدرسة تربي وتكون وتهيئ، فنقول: إذا كانت المدرسة تقوم بذلك، فما معنى التربية عندها؟ هل هي:
- التربية على السلوك والانضباط؟
- بناء ورعاية الحس الجمالي والفني؟
- القدرة على طرح السؤال والحوار؟
- التمكن من القراءة والفهم والإبداع؟
فعبارة التهيئ للمستقبل تصبح ناقصة إذا كان المستقبل المقصود هو سوق الشغل فقط. لأن المستقبل -كما نفهمه- هو مجتمع ومواطنة وهاوية وذاكرة وإبداع وقدرة على العيش مع الاختلاف والتعايش. ومنه نخلص إلى القول: لا يكفي أن نمنع الانقطاع عن المدرسة، بل علينا أيضاً أن نمنع الانقطاع عن الثقافة، بالإعتماد على كل السبل المساعدة على تحقيق ذلك.
4- ميثاق المواطنة واقتراب الثقافة من قلب برنامج الحزب
إذا كان ثمة موضع يبدو فيه السؤال الثقافي أكثر وضوحاً، فهو ميثاق المواطنة. فالبرنامج يضع ضمن هذا الميثاق المدرسة والرقمنة والأمازيغية وغيرها من المكونات. ويؤكد على أن اللغة والثقافة الأمازيغيتين مكوِّن أصيل للهوية المغربية ويربط تكريس رسميتها بالمواطنة، ويقترح صندوقاً خاصاً لدعم استعمالها والانتقال الرقمي بقيمة ملياري درهم، إلى جانب تفعيل اللجنة الوزارية الدائمة لتتبع تنفيذ القانون التنظيمي المتعلق بالأمازيغية. وهنا تصبح الثقافة أقل ظهوراً كقطاع مستقل، وأكثر حضوراً كجزء من تعريف المواطنة ذاتها. وهو أمر مهم، فإذا كانت المواطنة تعني الانتماء والمشاركة والمساواة والاعتراف، فإن اللغة والثقافة ليستا هامشاً فيها. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا اكتفى البرنامج بالتوقف عند الأمازيغية، وتناسى الحسانية والتراث الصحراوي؟ ومع ذلك يمكن أن نحصر سؤالنا في: [هل اختزال الثقافة في بعدها الهوياتي واللغوي يكفي لبناء سياسة ثقافية للمواطنة؟] بالتأكيد سيكون الجواب “لا”. فرغم أن الهوية هي إحدى مكونات الثقافة، فإن الثقافة تعني أيضاً: الإبداع، الفكر، الفن، القراءة، الذاكرة، الإعلام، التراث، المعرفة، الحوار. ومن هنا فإن قوة حضور الثقافة في هذا الميثاق ستظل مرتبطة بقدرة الحزب على الانتقال من حماية المكوِّن الثقافي إلى بناء الحياة الثقافية.
5- هل هناك مغرب ثقافي يسير بسرعتين؟
من المفاهيم التي حضرت بقوة في خطاب الحزب، مفهوم رفض “المغرب بسرعتين”. مع التشديد على تقليص الفوارق بين المدن والقرى والمجالات الجبلية. وقد ربط ذلك بالعدالة المجالية في الصحة والتعليم والنقل والماء والكهرباء والسكن. غير أنا نقترح ضرورة إضافة سؤال لم يحظ بالمكانة التي يستحقها: فهل نحن أمام مغرب ثقافي يسير بسرعتين؟ مغرب تتوفر بعض مدنه على: المسارح… المتاحف… قاعات السينما… المراكز الثقافية… المكتبات… المهرجانات… الفضاءات الفنية… ومغرب آخر لا تجد فيه الطفولة سوى المدرسة، التي تكون -في الكثير من الأحيان- بعيدة جداً عن التجمعات السكنية، وبعض المناسبات الموسمية. فإذا كان الحزب يريد بالفعل إنهاء “مغرب السرعتين”، فإن العدالة الثقافية ينبغي أن تدخل ضمن هذا المفهوم. لأن الطفل القروي ليس أقل استحقاقاً للثقافة من الحضري، والشاب (ة) في الجبل ليسا أقل حقاً في المسرح والفن والكتاب من شباب المراكز الحضرية. لأن الثقافة ليست كمالاً، وإنما هي جزء من الإنصاف الترابي.
6- ماذا تكشف فلسفة البرنامج عن الثقافة رغم صمتها؟
في بدء المساءلة، لن نسأل كم مرة ذكرت كلمة “الثقافة” في البرنامج الحزبي؟ بل إن محاولة قراءة البرنامج من داخله، ستظهر لنا صورة ثقافية يمكن تلخيصها في أربع مستويات هي:
- الثقافة بوصفها مواطنة من خلال اللغة والأمازيغية والهوية.
- الثقافة بوصفها إدماجاً من خلال الشباب والمدرسة والتكوين.
- الثقافة بوصفها عدالة مجالية من خلال رفض “المغرب بسرعتين”.
- الثقافة بوصفها مورداً للمستقبل من خلال الرقمنة والنمو والاستدامة.
ويبقى المستوى الأكثر غياباً عن البرنامج هو الثقافة بوصفها مشروعاً إنسانياً مستقلاً أي: القراءة والفنون والفلسفة والمسرح والسينما والمتاحف والنشر والبحث الثقافي وحرية الإبداع والمؤسسات الثقافية، وهنا تحديداً تكمن مساحة المساءلة الجدية، التي تدفعنا إلى التساؤل: فهل يكفي تغيير المسار السياسي من دون تغيير المسار الثقافي؟ ورغم أنه لا يمكن إنكار أن برنامج الأصالة والمعاصرة يمنح الثقافة مداخل متعددة، حتى عندما لا يضعها دائماً في واجهة العناوين. فهي تظهر في: المواطنة، الأمازيغية، المدرسة، الشباب، الرقمنة، العدالة المجالية، النمو، الاستدامة.
وهذا حضور ينبغي الاعتراف به. لكن حضور الثقافة يبقى موزّعاً داخل البرنامج أكثر مما هو مصاغ في فلسفة ثقافية جامعة. وهنا لا نوجه حكماً سلباً بقدر ما نطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن أن يكون “تغيير المسار” متكاملاً إذا بقي المسار الثقافي نفسه خارج الرؤية الجامعة؟ فالتغيير السياسي يحتاج إلى مواطن قادر على المشاركة. والتغيير الاقتصادي يحتاج إلى إنسان مبدع. أما التغيير الاجتماعي فهو في أمس الحاجة إلى مجتمع متماسك.
والتماسك بدوره يحتاج إلى ذاكرة وهواية وحوار. وكل هذه الأمور، هي في النهاية أسئلة ثقافية. تستوجب منا القول، بأن الثقافة ليست عربة ينبغي أن تلحق بالقطار بعد انطلاقته. إنها جزء من القاطرة نفسها.
الخلاصة التأملية
إذا كان برنامج الحزب قد أتاح لنا أن نقول “الثقافة داخل منطق الفرص والكرامة”. فإن قراءتنا له تقودنا إلى صياغة مختلفة نحددها في أن اعتبار الثقافة داخل منطق تغيير المسار، تبقى في أمس الحاجة إلى أن تتحول من حضور موزع إلى رؤية جامعة. فرغم أن البرنامج يمتلك مداخل قوية، نورد منها: الشباب، المواطنة، الأمازيغية، المدرسة، الرقمنة، العدالة المجالية… فإن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: متى تصبح الثقافة نفسها جزءاً من تعريف “المسار الجديد”؟ لأن تغيير المسار لا يعني فقط تغيير طريقة توزيع الثروة، ولا تغيير آليات التشغيل، ولا تغيير بعض السياسات الاجتماعية. بل يعني أيضاً تغيير علاقاتنا والمعرفة والكتاب والفن واللغة والذاكرة والإبداع والاختلاف. ومنه نصل إلى سؤالنا الأكثر تركيباً:
هل يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة أن يغير مسار المجتمع إذا لم يغير، في الوقت نفسه، الطريقة التي يفكر بها المجتمع نفسه؟
وأعتقد أن هنا تحديداً تكمن وظيفة الثقافة التي لا تنطق عنها البرامج الانتخابية دائماً. فهي لا تصنع الطرق فقط بل تصنع المواطن الذي يعرف إلى أين يريد أن يسير، وما الذي يتمنى الوصول إليه.
