على هامش هجوم بنكيران: سرُّ توقيع العثماني للتطبيع

على هامش هجوم بنكيران: سرُّ توقيع العثماني للتطبيع

عبد الرحيم التوراني

       لم أكن حريصا ولا راغبا في أن أعود للكتابة عن عبد الإله بنكيران، فقبل يومين فقط أفرغت في مقال مستفيض ما جال في خاطري تجاه الرجل، وحاولت ما وسعني الجهد أن أقف موقع الموضوعية والإنصاف. غير أنني لا أخفيكم شيئا، إذ ما أن نشر النص حتى ساورتني خشية ثقيلة من أن يستغل خصوم الرجل في الضفة الأخرى ما كتبته ليصوغوا منه سهاما يرمونه بها، وأنا بحكم المبدأ والموقف أشَد خصومة ورفضا لخصومه من دعاة التطبيع وسدنته.

ولم يتأخر ظني.. إذ سارع أحدهم بالتعليق مستفرغا شتائمه متهما بنكيران بأنه “رجل إیران” في المغرب، وذلك لمجرد الرد على التوصيف الناري الذي أطلقه بنكيران على فاطمة الزهراء المنصوري حين نعتها بـ “مرشحة إسرائيل”. وهو حكم قييمي وتوصيف خطير، لا أملك حياله استنادا إلى مجريات الأحداث وتطوراتها الشاخصة أمام العالم، إلا موقف أغلبية الجماهير والمواطنين الرافضين للتطبيع، الميالون إلى بنكيران والمصادقين على جوهر ما ذهب إليه.

لكن بنكيران برغم استنزاف جولاته المكوكية عبر خريطة البلاد طيلة أيام الحملة الانتخابية لم يركن للهدوء، إذ يبدو أن اللعبة استأثرت به وسحبته إلى دوارها الأثير. خرج يطوف بالدوائر والجهات، محتفلا بنصر انتزعه حزبه بحصوله على 54 مقعدا، منتشلا البيجيدي من جُرف هارٍ كان يوشك أن يندثر عنده إلى الأبد.

في منطقة النواصر بنواحي الدار البيضاء، جلس الشيخ محتفلا بالنصر وعصا عكازه مركونة إلى جواره. أطلق لسانه متدفقا كعادته، طال سياطه عبد اللطيف وهبي التراكتوري، ولم تسلم منه المنصوري ولا جيوش الذباب الإلكتروني التي تملأ الفضاء الأزرق بالطنين. غير أنه وفي لحظة فارقة من العرض، وصل إلى صديقه ورفيقه في الدعوة والحزب، سعد الدين العثماني… وهنا تخلى الشيخ عن كظمه القديم.

للمرة الأولى يهاجم بنكيران العثماني بعنف علني صريح، بعد أن كان يكتفي بمحاكمته والتعريض به في الغرف المغلقة وانتقاده في مجالس الحزب الضيقة. هذه المرة ألقيت القفازات أمام الحضور وعلى مرأى الكاميرات وعدسات الصحافة.. صاح بنكيران في وجه العثماني مطالبا إياه بأن “يلزم بيته ويكفّ لسانه ويهتم بمهنته كطبيب نفسي!”. وزاد بنكيران في صب الزيت على الرماد حين صرّح بمرارة أن البيجيدي ما كان ليعاني هذه الملاكيط وتلك السقطة القاسية لولا توقيع العثماني الشهير على اتفاقية التطبيع.

يا للذاكرة حين تصاب بالانتقائية… لقد نسي بنكيران أو تناسى في زحمة الفصاحة أنه هو نفسه من خرج يوما على شباب الحزب وقواعده، مطالبا إياهم بالهدوء والسكينة، وناهيا إياهم عن معارضة الموقف الرسمي أو رفع الصوت بمناهضة التطبيع مع الكيان… وإن كان الشيخ قد نسي تلك اللحظة الفارقة، فنحن على أتمّ الاستعداد لتذكيره، فالتسجيلات ما تزال حيةً بالصوت والصورة تشهد على الزمان والمكان.

حين صاح بنكيران بتلك النبرة الآمرة: “الزم بيتك واصمت!”… ارتدّ إليه صدى كلماته الخاصة، جارفا معه ذكريات التنازلات الأولى. غير أن الشيخ كعهده دائما حين يؤخذ بسكرة الخطابة، لم يسمع الصدى… ولن يسمعه!

ويبدو أن بنكيران انتبه أخيرا إلى حجم الصدمة والغضب اللذين أثارتهما كلماته المرتجلة بحق رفيق دربه والأمين العام السابق للحزب، أو ربما تعالت الهمسات من حوله تنبهه لشطط اللسان، فبادر إلى نشر توضيح محبوك، أعلن فيه أنه يكن كامل الاحترام للعثماني، دون أن تفوته صياغة الدعوة ذاتها بلغة أهدأ.. مطالبته مجددا بالابتعاد والتنحي عن أنشطة حزب العدالة والتنمية. ومما جاء في تدوينة الاعتذار المبطنة: “ما فتئت أشيد علنا بالدكتور سعد الدين العثماني، لما جمعني به من العمل الجاد طيلة عقود، ولما أكنه له من التقدير والاحترام والود، بالرغم من الاختلاف في التقدير والمواقف”.

غير أن اعتذاره لم يرمم ما انكسر ، إذ انتفض في وجه بنكيران قياديون بارزون، بينهم محمد يتيم، وزير التشغيل السابق في حكومة العثماني، الذي دبّج ما سماه بـ”كلمة إنصاف” صادحة في حق رئيس حكومته الأسبق. اعتبر يتيم أن نبش العثماني واستدعاء توقيعه على اتفاقية التطبيع “لم يكن في محله مطلقا من قبل الأستاذ بنكيران”، معربا عن أسفه الصريح لمحاولة “الحجر” على شخصية بقيمة العثماني الفقيه والعالم الذي لم يصدر منه منذ تنحيه عن القيادة أي تشويش أو طعن في شرعية الحزب وقراراته. وأضاف يتيم بوضوح أن تحميل العثماني وحده مسؤولية التطبيع موقف مجانب للصواب، بل فيه تحميل للرجل بما لا يطيق، مستحضرا كيف أن بنكيران نفسه كان قد وجه أعضاء الحزب بعدم الخوض في الملف حتى تجتمع الهيئات.

لم يكتف يتيم بذلك، بل ختم توضيحه بملاحظة لافتة قال فيها: “لا أتصور أن أمينا عاما سواء كان في العدالة والتنمية أو غيره كان سيرفض الاستجابة لدعوة الديوان الملكي لحضور مراسم التوقيع، أو يعلن رفضه في تلك اللحظة بالذات، خاصة وأن كل المؤشرات أظهرت أن العثماني فوجئ بالحدث”. وختم مشددا على أن النبش في توقيع العثماني باسم الدولة المغربية لا فائدة منه، وهو مجرد دوران بعقارب الساعة إلى الوراء.

لكن وبعيدا عن دفاع محمد يتيم والتبريرات التنظيمية، يبقى إقدام العثماني على توقيع وثيقة التطبيع تناقضا صارخا وصادما مع تاريخه الشخصي، يوم كان يخرج إلى الشارع في مسيرات الدعم لفلسطين، ويحمل على الأكتاف هاتفا بحرقة ضد الكيان الصهيوني وبالموت لإسرائيل، ويدبّج المقالات النارية في صحف الحزب مناهضة للتطبيع.

وهنا تهمس بعض المجالس بكواليس أشد عتمة وتعقيدا، إذ لم يكن وصول العثماني إلى كرسي وزارة الخارجية في حكومة بنكيران الأولى حدثا اعتباطيا، بل فرض فرضا على بنكيران الذي كان يفضل إسناد وزارة التربية الوطنية لعثماني. وفي تلك الحقبة الوزارية اندفع العثماني بحسن نية أو بغفلة سياسية للقاء جماعة الإخوان المسلمين خلال زيارة رسمية للكويت، وهو ما أثار حفيظة مراكز النفوذ في الدولة العميقة، فكان أن جذبت أذناه بصورة غير معلنة.

وتضيف الروايات المتداولة بين العارفين بخبايا الفترات الحرجية، أن العثماني سقط بعد ذلك في مصيدة أشد خطورة خلال إحدى زياراته لقطر بصفته وزيرا للخارجية، حيث أُحكمت حوله شبهة تهريب حقيبة تضم ملايين الدولارات… وهي هفوة قاتلة كان بمقدور صانعي الفخ تحويلها إلى قضية رأي عام ومحاكمة قضائية، غير أنهم آثروا ترك الوثائق حابلة حول عنقه.. يرخى الحبل ويشد حسب متطلبات السياق.

وما أن وصلت البلاد إلى مرحلة “البلوكاج” الشهيرة في 2016، حتى جرى انتداب العثماني بشخصيته المرنة والأقل صدامية.. رئيسا للحكومة، حتى إنه كان في صدارة المندهشين من القرار الملكي.

وحين أزفت لحظة التوقيع التاريخية على اتفاقية التطبيع، حانت لحظة استخدام ذلك الحبل، فلم يكن أمام الطبيب النفسي والفقيه المكبّل بأخطائه القديمة أي هامش للرفض أو التراجع. هكذا حسمت الأمور بتخطيط هادئ وعلى بعد سنوات طويلة سبقت التوقيع، ليكون العثماني مجرد اسم يوقع في اللحظة المرسومة له بدقة!

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!