مغامرة باب المندب هي نهاية الحوثيين
إبراهيم أبو عواد
لم يكن باب المندب يومًا مجرد ممر مائي على الخريطة، إنه واحد من أهم الشرايين التي تربط الشرق بالغرب، ومنطقة تتقاطع عندها مصالح دولية وإقليمية هائلة. لذلك فإن تحويله إلى ساحة للمغامرة العسكرية ليس قرارًا عابرًا، ولا بطولة مجانية، كما تحاول بعض الخطابات السياسية تصويره، بل مقامرة ثقيلة سيدفع ثمنها أصحابها أضعافًا مضاعفة.
يظن الحوثيون أن التصعيد في البحر يمنحهم قوة تفاوضية ونفوذًا أكبر، لكن القوة الحقيقية لا تُقَاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة التي يمكن إطلاقها، وإنما بقدرة أي طرف على تحمل النتائج السياسية والاقتصادية والعسكرية لما يفعله.
مغامرة باب المندب تبدو، في لحظتها الأولى، ورقة ضغط، لكنها فخ إستراتيجي، فالاقترابُ من خطوط الملاحة الدولية يختلف تمامًا عن الصراع داخل الحدود اليمنية. عندما تصبح السفن التجارية وحركة التجارة العالمية جزءًا من المعادلة، تتغير طبيعة المواجهة، وتتسع دائرة الأطراف المعنية بها. وعندها لا يعود الأمر شأنًا يمنيًّا خالصًا، بل يصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الملاحة ومصالح قوى دولية وإقليمية لا تتعامل عادةً مع هذه الملفات بمنطق ردود الفعل العاطفية. وهذا تحديدًا ما يجعل الرهان الحوثي شديد الخطورة.
قد يحقق التصعيد مكسبًا دعائيًّا مؤقتًا، وقد يرفع من حضور الجماعة في الإعلام، ويمنحها قدرة على تقديم نفسها باعتبارها طرفًا مؤثرًا في ملفات المنطقة، لكن السياسة لا تُقَاس بالضجيج وحده. السؤال الأصعب هو: ماذا بعد؟.
ماذا يحدث إذا تحول الضغط البحري إلى حصار سياسي أوسع؟، وماذا يحدث إذا ازدادت الضربات المضادة؟، وماذا يحدث إذا اتسعت قائمة الدول التي ترى في النشاط الحوثي تهديدًا مباشرًا لمصالحها؟، وماذا يحدث إذا أصبح اليمن أكثر عزلة بينما تتراكم الكلفة الاقتصادية على شعب أنهكته سنوات الحرب؟. هُنا يصبح شعار القوة أقل أهمية من سؤال القدرة على الاستمرار.
الحوثيون يستطيعون إطلاق النار، لكنهم لا يستطيعون التحكم الكامل في مسار الردود التي يطلقونها على أنفسهم. وهذه هي المشكلة الأساسية في أية مقامرة إستراتيجية، أنت لا تتحكم في الخطوة الثانية والثالثة والرابعة بمجرد أنك اخترت الخطوة الأولى.لذلك فإن باب المندب سيتحول من ورقة نفوذ إلى نقطة انكشاف.
الخطر على الحوثيين هو انقلاب المغامرة عليهم سياسيًّا وعسكريًّا، ولا يمكن لأية جماعة مسلحة أن تربح المعركة إلى الأبد بالسلاح. والتصعيد في باب المندب سيجلب مزيدًا من العزلة، والمخاطر على الاقتصاد اليمني، والمعاناة للسكان، والتدخل الإقليمي والدولي، لذلك فإن الإنجاز الذي يُقَدَّم باعتباره انتصارًا، سيتحول إلى عبء سياسي وعسكري على أصحابه.
إن مغامرة كبرى في منطقة شديدة الحساسية ستعيد تشكيل ميزان القوى ضد من بدأها، خصوصًا إذا أخطأ في تقدير حجم الرد الإقليمي والدولي، أو بالغ في تقدير قدرته على التحكم بمسار الأحداث.
وباب المندب ليس مسرحًا مناسبًا للمزايدات، إنه اختبار حقيقي ومصيري. ومن يفتح مواجهة في مكان تتقاطع فيه مصالح العالم كله، عليه أن يعرف أن العالم لن يقف متفرجًا إلى الأبد، لذلك ستكون مغامرة باب المندب هي بداية النهاية للمشروع الحوثي، ليس لأن خصومه يريدون ذلك فقط، بل لأن الجماعة ستجد نفسها أمام معادلة صعبة: كلما حاولت توسيع نفوذها عبر التصعيد، اتسعت في المقابل دائرة القوى التي ترى ضرورة إزالتها والقضاء عليها.
وفي السياسة، هناك لحظة يتحول فيها النفوذ إلى عبء، والردع إلى استنزاف، والمغامرة إلى فخ. وباب المندب هو المكان الذي بدأت فيه هذه اللحظة.
والنهايات الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار مفاجئ. في أحيان كثيرة، تبدأ بقرار يبدو لصاحبه انتصارًا عظيمًا، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه فتح الباب أمام سلسلة من النتائج التي لم يعد قادرًا على إيقافها. وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا يغفلها الحوثيون، لقد دخلوا مغامرة باب المندب باعتبارها محاولة لإثبات القوة، وزيادة النفوذ، وامتلاك أدوات الضغط وأوراق التفاوض، لكنهم سيخرجون منها وقد بدؤوا يخسرون أهم ما تحتاجه أية قوة سياسية أو عسكرية، وهو القدرة على التحكم بمستقبلها.
ومن ركب أمواج المندب ليصنع مجدًا، عاد وقد تلاشت دفة قيادته، ومن طلب إثبات القوة بلا بصيرة، خسر القدرة على إدارة المصير، ومن رهن قراره لدولة أجنبية، وأدار ظهره لأهله ووطنه، فهو كمن يستدفئ بنار غريبة، تمنحه دفئًا عابرًا ريثما تحرق داره، وحبلُ الوصاية الخارجية مهما طال، لا يُنسَج منه ثوب للسيادة، بل يُحكم به طوق التبعية، ومن جعل نفسه خادمًا لأجندات طائفية عابرة للحدود، تحول إلى جلاد لشعبه ووطنه.
