بين المقاطعة والمشاركة: حين يتحول الاختلاف الانتخابي إلى محاكمة للأخلاق
عبد الغني موصلي
حول النقاش الذي أثارته تدوينة الأستاذ إبراهيم الگازوزي بشأن مقاطعة الانتخابات التشريعية المغربية…
أحياناً تكون جملة قصيرة كافية لإشعال نقاش طويل. وأحياناً تكون الجملة أقصر من أن تحتمل كل ما نحمّلها من غضب وتأويلات. هذا ما يبدو أنه حدث مع تدوينة الأستاذ إبراهيم الگازوزي، الأستاذ المتقاعد في الفلسفة والمستشار الجماعي بمدينة المحمدية، حين كتب: «الذي لا يصوت أرخص وأنذل من الذي يبيع صوته بقروش».
ثم أضاف، بنبرة ساخرة: «الذي يبيع صوته يتقاضى بعض الدراهم، أما الذي لا يصوت فهو كاري حنكه بالمجان».
العبارة كانت كافية لفتح نقاش واسع بين مؤيدين للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، وداعين إلى مقاطعتها، وبين من رأى في التدوينة استفزازاً غير مقبول، ومن حاول فهم ما وراءها من موقف سياسي.
ولعل أفضل ما يمكن فعله هنا ليس إضافة شتيمة إلى شتيمة، ولا تحويل الأستاذ الگازوزي إلى «خصم» ينبغي إسقاطه، بل التوقف قليلاً والسؤال: ماذا يوجد خلف هذا السجال؟
أولاً: هل المقاطعة حق أم موقف ينبغي تبريره؟
من حيث المبدأ، عدم التصويت يمكن أن يكون مجرد عزوف أو لا مبالاة، كما يمكن أن يكون موقفاً سياسياً واعياً. وهنا ينبغي الحذر من وضع كل الممتنعين عن التصويت في سلة واحدة.
فالشخص الذي لا يصوت لأنه لا يهتم بالشأن العام، يختلف عن شخص قرر المقاطعة احتجاجاً على طبيعة العملية الانتخابية أو على ضعف ثقته في الأحزاب والمؤسسات أو اعتراضاً على شروط المنافسة السياسية.
وكذلك لا ينبغي تحويل كل مشارك في الانتخابات إلى مواطن مقتنع بالضرورة بكل شيء في المشهد السياسي.
هناك من يصوت اقتناعاً، وهناك من يصوت اختياراً للأقل سوءاً، وهناك من يصوت انطلاقاً من انتماء حزبي، وهناك من يصوت بدافع محلي أو عائلي أو شخصي، وهناك من لا يصوت لأنه فقد الثقة.
الديمقراطية، في نهاية المطاف، أكثر تعقيداً من خانة تحمل علامة أمام اسم مرشح.
ثانياً: لكن هل بيع الصوت مثل المقاطعة؟
هنا أعتقد أن من حقنا أن نختلف مع الأستاذ الگازوزي في عبارته دون أن نختلف معه في حقه في الدعوة إلى المشاركة. بيع الصوت شيء، والمقاطعة شيء آخر. من يقبل المال مقابل صوته يدخل في علاقة تبادلية تجعل التصويت سلعة لها ثمن.
أما من يقاطع، فلا يبيع صوته لأحد، وإنما يمتنع عن استعماله في العملية الانتخابية. يمكن بالطبع نقد المقاطعة سياسياً، ويمكن القول إن المقاطع يترك للآخرين فرصة تقرير النتائج نيابة عنه، ويمكن مناقشة ما إذا كانت المقاطعة تحقق هدفها السياسي أم لا.
لكن ذلك كله شيء، ووصف المقاطع بأنه «أرخص وأنذل» من بائع صوته شيء آخر تماماً. فالاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى سلم لقياس كرامة المواطنين.
ثالثاً: ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الردود إلى شتيمة مضادة
بعض الردود على الأستاذ إبراهيم انتقلت بدورها من نقد الفكرة إلى نقد الشخص، بل إلى عبارات من قبيل «الابتذال» و«الاستعلاء» و«الوصاية»، بل وصل أحدها إلى دعوته إلى «إعادة النظر في سلامة عقله وتفكيره».
وهنا أيضاً علينا أن نتوقف.
إذا كنا نرفض إهانة المقاطعين لأنهم اختاروا موقفاً سياسياً، فمن غير المنطقي أن نرد على الإهانة بإهانة صاحبها.
لا يمكن الدفاع عن الديمقراطية بعقلية: أنت تهينني، إذن سأهينك بشكل أكثر أناقة!
هذه ليست ديمقراطية، وإنما مباراة في رفع الصوت، والفائز فيها هو الذي يملك آخر تعليق على فيسبوك!
والحقيقة أن النقاش السياسي الجاد يحتاج إلى شيء نادر هذه الأيام: أن نختلف مع الفكرة من دون أن نلغي صاحبها.
رابعاً: السؤال الذي طرحه المقاطعون يستحق النقاش
من بين الردود التي أثارت الانتباه تلك التي ربطت المقاطعة بما يعيشه المواطن من مشاكل يومية: ضعف الخدمات، الإحساس بالتهميش، المال الانتخابي، ضعف الثقة في المؤسسات، ومحدودية قدرة المنتخبين على التأثير في بعض القرارات.
ومثال الممر تحت السكة الحديدية بالمحمدية، الذي استُحضر في أحد التعليقات، قد يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً محلياً، لكنه في الحقيقة يطرح سؤالاً سياسياً مهماً:
ماذا ينتظر المواطن من المنتخب إذا كان لا يرى أثراً ملموساً لتمثيله في حياته اليومية؟
المواطن لا يعيش الديمقراطية في الكتب فقط.
هو يختبرها في الطريق، وفي الحي، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي النقل، وفي الإدارة، وفي الأمن، وفي فرص الشغل، وفي قدرته على الوصول إلى المسؤول ومساءلته.
ولهذا فإن القول للمواطن: «اذهب وصوّت» لا يكفي وحده.
السؤال المقابل مشروع أيضاً:
ماذا سيحصل المواطن بعد أن يصوت؟ وما الذي سيتغير فعلاً في حياته؟
خامساً: ولكن المقاطعة أيضاً ليست وصفة سحرية
في المقابل، ينبغي أن يكون خطاب المقاطعة أكثر حذراً. فليس كل انتخابات غير مثالية تعني بالضرورة أن المقاطعة هي الحل، وليس كل مؤسسة منتخبة عديمة الجدوى، وليس كل منتخب جزءاً من منظومة واحدة مغلقة.
هناك اختلاف بين المؤسسات، والمنتخبين، والبرامج، والدوائر، والسياقات المحلية.
كما أن المقاطعة، مثل المشاركة، تحتاج إلى حساب سياسي:
ماذا نريد أن نحقق من المقاطعة؟ هل هي رسالة احتجاج؟ هل هي رفض لشروط انتخابية معينة؟ هل هي دعوة إلى إصلاحات سياسية؟ هل هي انسحاب مؤقت؟ أم أنها موقف مبدئي دائم؟
والأهم: كيف يمكن تحويل المقاطعة من مجرد «لا» إلى مشروع سياسي واجتماعي قادر على التأثير؟
فـ«لا» السياسية مهمة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما تجيب أيضاً عن سؤال: وماذا بعد؟
سادساً: أزمة الثقة لا تُحل باللوم المتبادل
لعل أخطر ما يكشفه هذا النقاش هو أن الخلاف الحقيقي أعمق من مسألة التصويت. إنه يتعلق بالثقة. ثقة المواطن في الأحزاب. ثقة المواطن في المؤسسات. ثقة المواطن في جدوى صوته. وثقة المواطن أيضاً في أن العملية السياسية تستطيع أن تنتج تغييراً ملموساً.
وإذا كان جزء من المواطنين قد فقد هذه الثقة، فإن أول رد سياسي مسؤول لا ينبغي أن يكون: «أنتم مخطئون وأنتم أنذل». بل: لماذا فقدتم الثقة؟ وإذا كان جواب المقاطعين هو أن المؤسسات لا تغير شيئاً، فمن حق المشاركين أن يسألوا: وما البديل العملي الذي تقترحونه؟ هنا يبدأ النقاش السياسي الحقيقي.
سابعاً: وماذا عن المواطن الذي يبيع صوته؟
ينبغي ألا نُجمّل هذه الظاهرة أيضاً. شراء الأصوات وبيعها يطرح مشكلة خطيرة لأنه يحول الاختيار السياسي إلى معاملة مالية. لكن معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط بتوبيخ المواطن الفقير الذي قبض المال.
ينبغي أن نسأل كذلك عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل مبلغاً محدوداً قادراً على التأثير في قرار انتخابي. فحين يكون المواطن في وضع هش، قد يرى في مبلغ صغير حلاً لمشكلة عاجلة.
وهذا لا يجعل شراء صوته سليماً، لكنه يساعدنا على فهم الظاهرة بدلاً من الاكتفاء بإدانتها أخلاقياً. هناك فرق كبير بين تبرير السلوك وفهم أسبابه. وهذا بالضبط ما يفترض أن يفعله الفكر السياسي والاجتماعي الجاد.
ثامناً: اليسار يحتاج إلى إقناع لا إلى وصاية
ولأن النقاش مسّ أيضاً اليسار، فإن المسألة تستحق كلمة خاصة.
اليسار، بحكم تاريخه وشعاراته، يفترض أن يكون أكثر حساسية تجاه كرامة المواطن، وأكثر اهتماماً بفهم أسباب الغضب والعزوف، وأكثر قدرة على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مشروع سياسي.
لكن هذا لا يعني أن اليساري مطالب بمقاطعة الانتخابات. من حق اليساري أن يشارك، ومن حق يساري آخر أن يقاطع. وقد يكون الخلاف داخل العائلة السياسية نفسها أكثر تعقيداً من الخلاف بين عائلتين سياسيتين مختلفتين.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء السياسي إلى وصاية على عقول الناس. فاليسار لا يقنع المواطن لأنه يملك الحقيقة، وإنما لأنه يستطيع أن يقدم له حجة وبرنامجاً وممارسة سياسية تجعل المشاركة ذات معنى.
تاسعاً: الأستاذ إبراهيم محق في شيء … ومخطئ في شيء آخر
ولكي نكون منصفين، يمكن قراءة تدوينة الأستاذ الگازوزي باعتبارها محاولة، وإن كانت حادة ومستفزة في التعبير، للدفاع عن قيمة المشاركة السياسية ورفض اللامبالاة.
وهذا سؤال مشروع. فالديمقراطية لا يمكن أن تستمر إذا تحول معظم المواطنين إلى متفرجين. ومن حق أي فاعل سياسي أن يقول إن عدم المشاركة يترك المجال للآخرين كي يقرروا.
لكن المشكلة ليست في الدعوة إلى التصويت.
المشكلة في تحويل الدعوة إلى التصويت إلى حكم على كرامة من اختار عدم التصويت. وبالمثل، فإن المقاطعين محقون في رفض إهانتهم بسبب اختيارهم، لكنهم يحتاجون هم أيضاً إلى تقديم حجج سياسية واضحة حول ما يريدون تحقيقه بالمقاطعة، وكيف يمكن أن تصبح أداة ضغط وتغيير وليست مجرد تعبير عن الغضب.
عاشراً: لنجعل من الانتخابات مناسبة للنقاش لا للحرب
ربما نحتاج، ونحن نقترب من انتخابات 23 شتنبر 2026، إلى تخفيف حرارة الخطاب قليلاً. فالانتخابات ليست حرباً أهلية بين «الوطنيين» و«الخونة»، ولا بين «الواعين» و«الجهلاء»، ولا بين «المشاركين» و«المقاطعين». المواطن الذي يصوت ليس بالضرورة أكثر وطنية من الذي لا يصوت. والمواطن الذي يقاطع ليس بالضرورة أكثر وعياً من الذي يصوت.
والمواطن الذي باع صوته ليس بالضرورة إنساناً بلا كرامة، وإن كان فعله الانتخابي قابلاً للنقد الشديد. الناس أعقد من اختياراتهم في يوم واحد. وفي الديمقراطية، لا ينبغي أن نطلب من المواطن أن يتنازل عن كرامته حتى يمارس حقه، ولا أن نتنازل عن عقولنا حتى نمارس احتجاجنا.
كلمة أخيرة
أعتقد أن النقاش الذي أثارته تدوينة الأستاذ إبراهيم يمكن أن يكون مفيداً، إذا خرجنا من منطق «من أهان من؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نعيد للانتخابات معناها وللمواطن ثقته؟
المشارك يقول للمقاطع: «لا تترك القرار لغيرك». والمقاطع يقول للمشارك: «لا تمنح الشرعية لمن لا تثق فيه». وبين الموقفين مساحة واسعة للنقاش العقلاني.
فلنناقش شروط الانتخابات، ونزاهتها، ودور المال، وبرامج الأحزاب، وصلاحيات المؤسسات المنتخبة، وحصيلة المنتخبين، وأسباب العزوف، وسبل استعادة الثقة.
أما الكرامة، فلنتركها خارج صندوق الاقتراع.
فالصوت الانتخابي يمكن أن يُعطى أو يُحجب، ويمكن أن يُناقش ويُنتقد؛ أما كرامة المواطن فلا ينبغي أن تكون ورقة اقتراع.
وربما تكون الحكمة المغربية القديمة هنا أبلغ من كل التنظير:
«اللسان ما فيه عظم، ولكن يقدر يكسر الخاطر.»
والسياسة، في نهاية المطاف، ليست فن إقناع الآخرين بأنهم أغبياء؛ بل فن الاختلاف معهم دون أن نفقد احترامنا لهم.
وفي زمن كثرت فيه صناديق الاقتراع وكثرت معها صناديق التعليقات على فيسبوك، لعلنا نحتاج إلى شيء واحد قبل أن نضع ورقة في الصندوق:
أن نضع قليلاً من الحكمة في كلامنا.
