الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية (2)
المحطة الثالثة: التجمع الوطني للأحرار… الثقافة داخل منطق الفرص والكرامة
المختار عنقا الادريسي
استهلال أولي:
حين نضع برنامج الحزب أمام سؤالنا المركزي، المحدد في: «ما موقع الثقافة في المشروع السياسي للحزب؟»، نكتشف منذ البداية أن الثقافة لا تظهر في بنيته العامة باعتبارها قطباً مستقلاً يتصدر سلم الأولويات، وإنما تتقاطع أساساً مع منطق أوسع يحكم البرنامج: الكرامة، الفرص، الإدماج الاقتصادي، التشغيل، وجودة الخدمات العمومية. وهو ما نعتبره مدخلاً مشروعاً للمساءلة، فالبرنامج يقدم نفسه للفترة 2026 – 2031 تحت شعار: (كرامة وفرص للجميع)، ويجعل الحماية والمواكبة والتمكين من المرتكزات التي تفسر تصوره للدولة الاجتماعية.
غير أن السؤال الذي يهمنا هنا هو: أين تقف الثقافة داخل هذه المعادلة؟ وهل هي إحدى الفرص التي ينبغي أن تتيح للشباب العمل وتضمن لهم ولهن الدخل المناسب؟ أم أنها- قبل ذلك وبعده- إحدى الشروط التي تجعل الإنسان جديراً بالكرامة وقادراً على صناعة الفرص؟ ومن هنا تحديداً تبدأ قراءتنا الحقيقية للبرنامج الانتخابي لهذا الحزب.
1- إذا كانت الثقافة حاضرة في البرنامج الحزبي، فبأي صفة؟
إن المتصفح لبرنامج الحزب يجد أنه يمنح الثقافة والفن والترفيه موقعاً واضحاً داخل هندسة خلق فرص الشغل، إذ يعلن استهداف 300 ألف منصب في السياحة والخدمات ومهن الثقافة والفن والترفيه، ضمن هدف إجمالي يبلغ مليون منصب شغل خلال الفترة المقبلة.
وهذا المعطى يستحق أن يُسجل له، لأن الثقافة هنا لا تُعامل فقط باعتبارها مجالاً للإتفاق العمومي، وإنما باعتبارها مجالاً يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية وفرصاً مهنية. وهو ما يفتح أمامنا سؤالاً لا ينبغي تجاوزه، نصوغه على الشكل التالي: (هل تصبح الثقافة ذات أولوية لأنها تتيح خلق فرص للشغل، أم لأنها ذات قيمة في ذاتها حتى عندما لا تحقق مردودية اقتصادية مباشرة؟).
ومنه نخلص إلى القول بأن:
- الفن الذي يدر دخلاً يبقى مهماً.
- الصناعة الثقافية التي تخلق مناصب شغل تبقى بدورها مهمة.
- السينما التي تستقطب الاستثمار مهمة.
لكن، ماذا عن الكتاب الذي لا يحقق أرباحاً كثيرة؟ وماذا عن البحث في التراث؟ وماذا عن الفنون بصفة عامة؟ وماذا عن المكتبة الموجودة في قرية ولا تحقق أي مردودية مالية؟ وهل تدخل تلك الأمور كلها في دائرة الاهتمام نفسه؟ ومن هنا تحديداً تظهر الحاجة إلى أن تكون المسألة الاقتصادية الثقافية جزءاً من السياسة الثقافية العامة، وليست بديلاً عنها.
2- من “الفرصة” إلى “الحق الثقافي”
إذا كانت كلمة “الفرصة” من أكثر الكلمات حضوراً في خطاب البرنامج الحزبي، ونحن نعلم أنها مفهوم مهم يروم تمكين المواطن من أن يصنع مستقبله بدل أن يبقى منتظراً للمساعدة، غير أنها تفرض علينا أن نضيف كلمة أخرى، هي: “الحق”.
فليس كل ما يحتاجه المواطن من الثقافة ينبغي أن يخضع لمنطق الفرصة الاقتصادية، فالطفل له حق في الكتاب، والشاب له حق الوصول إلى الفضاء الثقافي، والفنان له حق الحماية الاجتماعية، والمواطن القروي له حق في العدالة الثقافية، والمجتمع له حق في ذاكرته.
ومن هنا تصبح المساءلة أكثر دقة: فهل يُنظر إلى الثقافة باعتبارها مجالاً للفرص فقط، أم باعتبارها أيضاً مجالاً من مجالات الحقوق؟
فالكرامة التي يضعها البرنامج في قلب فلسفته الاجتماعية لا ينبغي أن تُقاس فقط بمستوى الدخل والخدمات. ومن الكرامة الثقافية أن يعيش الإنسان في بيئة يستطيع فيها- ومن خلالها- أن يقرأ… يتعلم… يبدع… يُعبّر… ويصل إلى الفن والمعرفة. وهذا بُعد من أبعاد الكرامة، يحتاج إلى أن يكون أكثر وضوحاً في كل الخطابات السياسية.
3- الثقافة في قلب “التمكين”… أم في هامش التشغيل؟
يعتمد البرنامج السياسي- كما يشرح رئيس الحزب- على ثلاثية محددة في: الحماية، والمواكبة، والتمكين. وهو ما يفتح أمامنا إمكانية مهمة لقراءة الثقافة من منظور حزب التجمع الوطني للأحرار.
فنقول: إذا كان التمكين يعني مساعدة المواطن على بناء استقلاليته، فإن الثقافة يمكن أن تكون واحدة من أدوات التمكين، بل ربما كانت من أعمقها. فالمواطن الذي يمتلك المعرفة يستطيع أن يختار، والذي يقرأ يمكن له أن يقارن، والذي يفكر يمكنه أن يسائل، والذي يمتلك أدوات التعبير يستطيع أن يشارك، والذي يمتلك ثقافة واسعة يصبح أقل قابلية للتهميش الرمزي.
وانطلاقاً من كل ذلك، بإمكاننا أن نوجه سؤالاً للبرنامج الانتخابي، مصاغاً كالتالي: إذا كان التمكين أحد مرتكزات البرنامج، فلماذا لا تكون الثقافة نفسها أداة مركزية للتمكين؟ خاصة وأننا لا نعتبر التمكين هو أن نعطي الشباب فرصة للعمل فحسب، بل أن نعطيهم أيضاً الأدوات الفكرية والثقافية التي تجعلهم قادرين على صناعة فرصهم بأنفسهم.
4- الرقم الكبير لا يعفي من السؤال الثقافي
من نقاط القوة في برنامج الحزب أنه يحاول ترجمة بعض التزاماته إلى أرقام قد تكون قابلة للقياس. غير أن الرقم- مهما كان مهماً- فإنه لا يجيب وحده عن السؤال الثقافي.
فلنفترض- على سبيل المثال- أن 300 ألف منصب في السياحة والخدمات وفي الثقافة والفن والترفيه تحققت بالفعل، فإن ذلك سيكون إنجازاً اقتصادياً مهماً. لكن المساءلة الثقافية ستتساءل: عن أي نوع من المهن؟ وهل تتحدث عن وظائف مستقرة أم موسمية؟ أم أن الأمر يتعلق بمهن إبداعية حقيقية، أم أنها مجرد خدمات مرتبطة بالتظاهرات؟ وهل يستفيد منها الفنان والمبدع أم أن الصناعات المحيطة بالثقافة أساساً هي من ستستفيد؟ وهل هناك حماية اجتماعية، وحماية للملكية الفكرية؟ وهل يستطيع الشاب(ة) أن يجعل من الإبداع مهنة مستقرة لا مجرد فرصة مؤقتة؟ وأخيراً، هل يصبح هذا الرقم المعلن عنه بداية للمساءلة، لا نهاية لها؟
5- العدالة المجالية وبداية الاختبار الحقيقي
يؤكد برنامج الحزب على أن جودة الخدمات العمومية ينبغي أن تشمل مختلف المجالات الترابية وأن تُكرس العدالة المجالية. وهو ما يحتم علينا أن نسأل: هل تشمل العدالة المجالية الثقافة أيضاً؟ خاصة وأن المغرب لا يتكون من المدن الكبرى وحدها، فجغرافيته تشمل الأحياء الهامشية، والقرية، والجبل، والواحة، والمناطق الحدودية… علما أن العديد من الموهوبين في تلك البقاع الجغرافية لا يجدون بالضرورة أي فضاء لاكتشاف مواهبهم.
وللحقيقة نقول بأن بعض مواقف الفريق النيابي للحزب خلال الولاية السابقة تكتسب دلالة مهمة، فقد سبق لأعضائه أن أثاروا وضعية الفضاءات الثقافية في المناطق الجبلية النائية، وطالبوا بمكتبات وقاعات للعروض السينمائية في بعض دور الشباب، وبتوفير الشروط الكافية لاكتشاف المواهب وفتح آفاق مهنية أمام الشباب (يمكن هنا الرجوع إلى الوثيقة الحزبية المعنونة بـ “حصيلة مجلس المستشارين خلال السنة التشريعية الماضية” المنشورة على مواقع الحزب).
وهذا ما يجعل السؤال التالي أكثر قوة:
[إذا كان الحزب قد انتبه إلى هذا الخلل من موقعه البرلماني، فهل أصبح في برنامجه الانتخابي بمناسبة الانتخابات التشريعية الحالية مشروع متكامل للعدالة الثقافية المجالية؟]
ومن هنا ينبغي أن تكون المساءلة دقيقة، لأن الفكرة السابقة شيء، وتحويلها إلى التزام شيء آخر.
6- من الثقافة إلى الصناعات الثقافية… خطوة مهمة ولكنها غير كافية
في الحقيقة لا ينبغي أن نقلل من أهمية الانتقال من مفهوم “الثقافة المكلفة للدولة” إلى مفهوم الصناعات الثقافية والإبداعية القادرة على إنتاج القيمة. وهي نقلة مهمة تنسجم مع الرؤية الاقتصادية التي يقوم عليها برنامج حزب الأحرار.
لكن الخطر يكمن في أن تصبح الثقافة مطالبة بإثبات مردوديتها الاقتصادية. فهل نقيس أهمية مكتبة الطفل بعدد الكتب التي باعتها؟ ونقيس أهمية مسرحية ما بقيمة تذاكرها؟ وهل نقيس قيمة باحث في التراث بما يدره بحثه من عائد مالي؟
خاصة وأننا نعلم أن الثقافة تنتج أحياناً رأسمالاً لا يظهر في الحسابات المالية: رأسمالاً رمزياً… اجتماعياً… معرفياً… إنسانياً. وهذا النوع من الرأسمال هو الذي يصعب قياسه، لكنه قد يكون أكثر أثراً في مستقبل الأمم.
7- المدرسة… الحلقة التي لا ينبغي أن تنفصل
ماذا تريد الأحزاب عامة، وحزب الأحرار خاصة- الذي هو موضوع هذه الورقة- أن يتعلم أبناؤنا غير ما يُمتحنون فيه؟
إن برنامج الأحرار يعطي التعليم موقعاً مركزياً ضمن جودة الخدمات العمومية، ويتعهد بمواصلة وتوسيع تجربة «مؤسسات الريادة» وتعميمها تدريجياً- رغم العديد من الملاحظات والمؤاخذات عليها- إلى جانب توسيع التعليم الأولي والنقل المدرسي وخفض نسب الهدر المدرسي وتعزيز العرض الجامعي.
لكن مساءلتنا الثقافية ستذهب عبر منحى آخر:
[أين القراءة؟ أين المكتبة المدرسية؟ أين المسرح؟ أين الفنون؟ أين التربية على المواطنة وحقوق الإنسان؟ أين التفكير النقدي؟ أين الثقافة الرقمية؟ أين التراث الجهوي؟…]
فقد تكون المدرسة ناجحة في رفع نتائج التعلمات، وهذا مهم جداً، ولكن هل تستطيع أن تبني مواطناً متعلماً، مثقفاً، وديمقراطياً في الوقت نفسه؟ وهي النقطة التي نرى أن البرنامج يحتاج إلى أن يُقرأ من خلالها.
8- الثقافة ليست وزارة فحسب
ربما يكون من غير العدل أن نتحدث عن السياسة الثقافية داخل جزء يحمل اسم الثقافة وحدها، وهي الموجودة في: التعليم، والشباب، والسياحة، والرقمنة، والتشغيل، والإعلام، والجماعات الترابية… وهذا بطبعه يجعل حضورها في برنامج الأحرار موزعاً أكثر مما هو مجمّع في محور مستقل.
وهنا تظهر المفارقة: فالتوزيع يمكن أن يكون علامة على حضورها في مختلف السياسات، وقد يكون في المقابل دليلاً على غياب سياسة ثقافية جامعة. وهنا لا ينبغي أن نحسم في أمر الحضور مسبقاً، بل علينا أن نسأل: هل تتكامل هذه العناصر المتفرقة لتصنع سياسة ثقافية واحدة، أم أن الثقافة موزعة بين قطاعات مختلفة من دون خيط ناظم؟
ومنه يمكن أن ننتهي إلى وضع حضور الثقافة في برنامج التجمع الوطني للأحرار أمام أربعة مستويات هي:
- الحضور الاقتصادي: وهو الأوضح، من خلال إدماج مهن الثقافة والفن والترفيه ضمن رافعات التشغيل.
- الحضور الاجتماعي: ويظهر من خلال مفهوم الكرامة والحماية والتمكين.
- الحضور الترابي: الذي يستوجبه مفهوم العدالة المجالية، وتؤكده الأسئلة والمواقف السابقة لبعض أعضاء الحزب حول الفضاءات الثقافية والمكتبات واكتشاف المواهب في المناطق النائية.
- الحضور الثقافي بمعناه الإنساني: وهو المجال الأكثر احتياجاً إلى التوسيع، باعتبار الثقافة حقاً، وبناءً للإنسان، وأداةً للمواطنة، ورافعةً للقراءة والتفكير والإبداع، وصوناً للذاكرة.
- 9- هل تكفي “الفرصة” لصناعة الكرامة الثقافية؟
يبدو أن الحزب ينظر إلى الثقافة من مدخل ينسجم مع فلسفته العامة، المحسوبة على (الفرصة، والإدماج، والتشغيل، والاستثمار، والتمكين). وهذا مدخل مشروع وله وجاهته، غير أن الثقافة في تقديرنا هي أوسع من أن تستوعبها لغة الفرص وحدها.
فقد يكون الإنسان فقير الدخل، لكنه غني في ثقافته. وقد يكون غنياً في دخله، لكنه فقير في قدرته على التفكير. وقد يحصل الشاب(ة) على وظيفة، لكنه يظل محروماً من الكتاب والمسرح والفن. وقد تنجح الدولة في خلق فرص اقتصادية كثيرة، لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في بناء المواطن القادر على استعمال أو توظيف هذه الفرص في صناعة حياة ذات معنى.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام البرنامج الانتخابي للحزب- وهو ليس اتهاماً ولا تزكية- هو:
[إذا كانت الكرامة هي الغاية، والفرصة هي الوسيلة، فماذا عن موقع الثقافة في معادلة الكرامة؟]
وقد نذهب إلى أبعد من ذلك كله ونقول:
[هل يمكن بناء “مغرب واحد، بمسار واحد لجميع المغاربة”- كما يقدم البرنامج رؤيته العامة- من دون عدالة ثقافية تجعل الكتاب والفن والمعرفة والإبداع متاحاً لجميع المغاربة في المدينة والقرية، في المركز والهامش؟]
لأن الكرامة- في نظرنا- لا تكتمل بالقدرة على العيش فقط، وإنما تكتمل أيضاً بالقدرة على التفكير… التعبير… المحاجة… السؤال… الإبداع. وأن الفرصة لا ينبغي أن تعني فرصة العمل فقط، بل هي كذلك فرصة للتعلم… القراءة… المشاركة وصناعة المعنى.
وأخيراً، نجد أنفسنا مضطرين لمساءلة برنامج الحزب: إلى أي حد يستطيع أن ينقل الثقافة من خانة “مهن الثقافة والفن والترفيه” إلى خانة “الثقافة كحق وكرافعة لبناء الإنسان”؟
فإذا حدث وتمكن من النجاح في ذلك، فإن الثقافة ستغادر موقع الملحق الاقتصادي لتصبح جزءاً أصيلاً من مشروع الكرامة نفسها. أما إذا لم يفعل، فستظل الثقافة حاضرة في البرنامج، ولكن حضورها سيبقى في جوهره مجرد حضور للفرصة الاقتصادية أكثر من أي حضور للمشروع الثقافي المجتمعي.
