الرياضة المغربية والقضية الفلسطينية.. اختراق إداري ووعي جماهيري

الرياضة المغربية والقضية الفلسطينية.. اختراق إداري ووعي جماهيري

مسعود بنعاشور

       تفاعلت الأوساط الرياضية والشعبية في المغرب ببالغ القلق مع التطورات الأخيرة داخل النادي الرياضي الوجه الأبرز في تاريخ المقاومة والرياضة الوطنية، نادي الوداد الرياضي البيضاوي، عقب الأنباء والقرارات المتعلقة بتعيين عبد الحق الصنايبي ناطقا رسميا باسم النادي. وهو القرار الذي قوبل برفض جماهيري قاطع وموجة من الاستنكار الواسع بين أنصار الفريق وحشود المشجعين بمختلف انتماءاتهم.

       أعلنت الألتراس والفعاليات الجماهيرية لنادي الوداد الرياضي رفضها التام والمطلق لتعيين الصنايبي في هذا المنصب الإستراتيجي، عازية ذلك إلى تصريحاته ومواقفه السابقة التي اعتبرت مسيئة للقضية الفلسطينية ومناهضة للتضامن الشعبي مع حقوق الشعب الفلسطيني.

وأكدت الجماهير الودادية أن هذا القرار يعتبر سقطة إدارية غير مسؤولة تناقض هوية النادي وتاريخه المجيد، فالوداد تأسس سنة 1937 على يد رجال المقاومة الوطنية كرمز للنضال ضد الاستعمار، وظل طوال تاريخه متمسكا بأبعاد إنسانية ووطنية تتجاوز حدود الرقعة الخضراء، وفي مقدمتها الدفاع عن قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

لم يقتصر التضامن مع القضية الفلسطينية على ناد بعينه، بل يشكل ثابتا حاسما في الثقافة الكروية المغربية. وتتكامل مواقف مدرجات الوداد الرياضي مع مدرجات غريمه التقليدي الرجاء الرياضي وباقي ألتراسات الأندية الوطنية (من الرباط إلى فاس وأكادير ومراكش ووجدة وتطوان وطنجة)، حيث صدحت المدرجات المغربية على الدوام بأهازيج تاريخية خلّدها الفكر الجماهيري (مثل أهزوجة رجاوي فلسطيني وفلسطين الشهداء).

هذا التلاحم الشعبي يؤكد أن مدرجات كرة القدم المغربية تشكل قلعة عصية على أي محاولات لتغيير بوصلة الوعي الجمعي تجاه حقوق الشعب الفلسطيني ومناهضة الاحتلال.

تجلى التباين الحاد في التعاطي مع القضية الفلسطينية داخل الوسط الرياضي من خلال موقفي شخصيتين بارزتين:

موقف الدولي حكيم زياش، عبّر لاعب المنتخب الوطني والوداد السابق حكيم زياش عن موقف أخلاقي صريح وشجاع بنشره مواقف تضامنية مع قطاع غزة وشجب الممارسات الإسرائيلية، وهو ما أثار حفيظة مسؤولين في حكومة الاحتلال، حيث شنّ وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير هجوما تحريضيا وضاغطا على المنصات الرياضية ضده.

 ويرجع بعض المتابعين استبعاد زياش من المنتخب المغربي إلى موقفه الداعم للقضية الفلسطينية وليس لتراجع في مستواه الفني، إذ سبق لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع (المنتسب حديثا لحزب الأصالة والمعاصرة)، أن هاجم اللاعب مصرحا بأن المنتخب أكبر منه. علما أن العميد زياش كان قد ركض خلف نداء القلب وتخلى عن المنتخب الهولندي رغم الضغوط الشديدة التي مارستها عليه أوساط كروية هناك، وفي مقدمتها الأسطورة ماركو فان باستن، مفضلا موطن والديه وأجداده. وقد لاقى زياش دعما وتأييدا واسعين من الجماهير المغربية والعربية التي رأت فيه نموذجا للرياضي الملتزم بقضايا أمته.

مواقف رئيس الوداد السابق هشام أيت منا

 في المقابل تثير تصريحات وسلوكيات رئيس الوداد السابق هشام (البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة) أيت منا جدلا واسعا، لا سيما حين كان رئيسا لنادي شباب المحمدية وإبداء ترحيبه ومبادراته لإقامة مباريات ودية مع أندية من الكيان الإسرائيلي. وهي الخطوات التي واجهت استنكارا كبيرا وأُعدّت في الأوساط الجماهيرية خروجا عن الإجماع الشعبي الرافض للتطبيع الرياضي.

هذه المؤشرات والتطورات المتتاليةً تطرح أسئلة حارقة حول ما إذا كانت الرياضة وكرة القدم المغربية أضحت هدفا لمحاولات اختراق واضحة تسعى إلى إقحام المؤسسات الرياضية في أجندات تطبيعية.

الوعي الجماهيري كصمام أمان

 أثبتت الاستجابة الشعبية الصارمة ضد تعيين الصنايبي، ومحاصرة أي محاولة للتقارب الرياضي مع أندية الاحتلال، أن الجماهير المغربية تعتبر الرياضة مجالا للقيم والأخلاق والمواقف المبدئية، وليست مجرد استثمار تجاري أو مساحة للقفز على حقوق الشعوب.

المسؤولية الإدارية والمؤسساتية

بات يتوقع من إدارات الأندية الوطنية مراعاة تاريخ مؤسساتها والنبض الشعبي لمشجعيها، وتجنب القرارات والشخصيات التي تجر المؤسسات الرياضية نحو تجاذبات تمس بالهوية الوطنية والإنسانية الراسخة.

إن رفض جماهير الوداد البيضاوي لتعيين الناطق الرسمي الجديد ليس مجرد خلاف حول اسم أو وظيفة إدارية، بل هو تعبير صارخ عن معركة وعي وهوية، يؤكد من خلالها الشارع الرياضي المغربي أن فلسطين كانت وستبقى قضية وطنية بامتياز، وأن محاولات اختراق الجسد الرياضي ستظل تصطدم بصخرة وعي المدرجات وحسّها النضالي التاريخي.

شارك هذا الموضوع

مسعود بنعاشور

ناقد فني وكاتب صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!