حين يصبح إسقاط الانتماء العربي هو الماركسية الجديدة (3-3)

حين يصبح إسقاط الانتماء العربي هو الماركسية الجديدة (3-3)

قراءة نقدية في الحلقة الثالثة من مقال سعيد كنيش

علي بلمزيان

         تواصل الحلقة الثالثة من مقال سعيد كنيش حول «التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي» المنهج نفسه الذي حكم الحلقات السابقة: الانطلاق من بعض التحولات أو الصياغات الجديدة في خطاب الحزب، ثم تحميلها دلالات سياسية وفكرية قصوى، وصولا إلى الاستنتاج بأن الحزب يكون قد ابتعد عن بعض مرتكزاته التاريخية أو تخلى عن جزء من مشروعه التحرري. والمشكلة هنا ليست في حق الكاتب في مساءلة الحزب أو نقد اختياراته، فهذا حق مشروع وضروري داخل اليسار، وإنما في الطريقة التي يبني بها استنتاجاته، إذ ينتقل أحيانا من ملاحظة جزئية إلى حكم شامل، ومن اختلاف في المفاهيم إلى اتهام بتحول في الهوية السياسية.

والنقد الجدي لا يقاس بكمية المصطلحات التاريخية التي يستحضرها، وإنما بقدرته على التمييز بين ما تغير فعلا وما لم يتغير، وبين إعادة صياغة الموقف وبين التخلي عنه، وبين تطوير الأدوات النظرية وبين الانقلاب على المرجعية. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأساسي ليس: هل بقيت كل المفردات القديمة حاضرة بالصيغة نفسها؟ وإنما: ما هو المشروع الطبقي والسياسي الذي يعبر عنه النهج الديمقراطي العمالي؟ ومن هي الطبقة التي يفترض أن تقوده؟ وما طبيعة التشكيلة الاجتماعية التي يتحرك داخلها؟ وما موقع الرأسمالية التابعة والإمبريالية والمخزن في هذا التحليل؟

الدولة الوطنية والمسألة القومية والصراع الطبقي

يبدو أن جزءا من بناء كنيش يقوم على الربط بين تراجع بعض الإشارات إلى القومية العربية أو العروبة وبين التراجع عن المسألة القومية والتحرر الوطني. وهذا الربط يحتاج إلى قدر كبير من الحذر المنهجي.

فالمسألة القومية في المنظور الماركسي ليست مجرد حضور لفظ «العروبة» في الوثيقة السياسية، كما أن التحرر الوطني لا يختزل في تبني صيغة قومية واحدة. المسألة القومية تتصل بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتحرر من السيطرة الإمبريالية، وبناء شروط السيادة السياسية والاقتصادية، وبالعلاقات بين الشعوب والأمم، وبكيفية تجاوز التجزئة والتبعية بما يخدم مصالح الطبقات الشعبية.

ومن ثم، فإن الانتقال من خطاب قومي عربي أكثر حضورا إلى خطاب يركز على الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية لا يعني بالضرورة التخلي عن البعد القومي. فقد تكون القضية في إعادة تعريف العلاقة بين الوطني والقومي، بحيث لا تصبح القومية بديلا عن التحليل الطبقي، ولا تتحول الدولة الوطنية إلى قفص سياسي مغلق.

وهنا ينبغي تسجيل نقطة أساسية: المسألة العربية ليست هامشا يمكن إسقاطه من مشروع التحرر، كما أنها ليست بديلا عن الصراع الطبقي. فالنهج، في صيغته الراهنة، لا يضع الوطني والعربي في مواجهة مصطنعة، بل ينظر إلى التحرر الوطني والديمقراطي والشعبي باعتباره مشروعا يمكن أن يستوعب الأبعاد العربية والأمازيغية والإفريقية والمتوسطية للمغرب. وبالتالي فإن الدفاع عن حضور المسألة العربية ينبغي أن يقترن دائما بالسؤال عن مضمونها الطبقي والاجتماعي وعن القوى القادرة على حملها، لا أن تتحول العروبة وحدها إلى معيار للحكم على درجة يسارية أي وثيقة.

وهذا مهم، لأن الدولة الوطنية، في التصور الذي يتبناه الحزب حاليا، لا تعني الانغلاق القومي أو القطرية السياسية بالمعنى الضيق، بل بناء دولة وطنية ديمقراطية شعبية تقطع مع المخزن والتبعية، وتعيد السلطة والثروة إلى الشعب، وتفتح في الوقت نفسه أفق التعاون والوحدة بين الشعوب على أساس الإرادة الحرة.

“الشعب العربي” والطبقات الشعبية: من يقود مشروع التحرر؟

من نقاط الضعف في القراءة التي يقدمها كنيش الميل إلى التعامل مع «الشعب العربي» أو «الطبقات الشعبية» كما لو أنها وحدة اجتماعية متجانسة. لكن التحليل الماركسي لا يتعامل مع الشعب باعتباره كتلة واحدة خالية من التناقضات الطبقية.

فالطبقات الشعبية تضم العمال والفلاحين الفقراء وصغار المنتجين والمهمشين وفئات أخرى متضررة من الرأسمالية التابعة والسياسات النيوليبرالية. لكن هذه الفئات ليست متطابقة في مصالحها ولا في وعيها ولا في موقعها من الإنتاج.

ولهذا فإن السؤال الحاسم ليس فقط: هل توجد فكرة عربية أو قومية في الخطاب؟ بل: من يقود المشروع الوطني والقومي؟ وما مضمون التحرر الذي تناضل من أجله الجماهير؟ وهل يؤدي التحرر الوطني إلى توسيع سلطة الطبقات الشعبية أم إلى إعادة إنتاج هيمنة الكتل الطبقية السائدة؟

وهنا تحديدا تظهر أهمية مفهوم «القيادة الطبقية». فالنهج الديمقراطي العمالي لا يطرح التحرر الوطني باعتباره مشروعا عابرا للطبقات، وإنما باعتباره جزءا من سيرورة التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي ذات الأفق الاشتراكي، تقودها الطبقة العاملة وحزبها المستقل، بالتحالف مع مختلف الفئات والطبقات الشعبية المتضررة من الاستبداد والتبعية.

وهذا التحديد أكثر انسجاما مع المرجعية الماركسية اللينينية للحزب من اختزال المسألة في كثافة استعمال المصطلحات القومية. فالمطلوب ليس إسقاط المسألة العربية من المشروع، وإنما تحريرها من الاستخدام الذي يجعلها فوق الطبقات، وإدماجها في مشروع تحرر وطني واجتماعي تقوده الطبقات الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة.

نقد التجارب القومية لا يعني خدمة الإمبريالية.

من أخطر القفزات المنهجية أن يتحول نقد التجارب القومية العربية إلى دليل على الاصطفاف الموضوعي مع الإمبريالية. فالتاريخ السياسي للمنطقة أكثر تعقيدا من هذه الثنائية.

لقد شهدت التجارب القومية تناقضات حقيقية: بعضها اصطدم بالإمبريالية والصهيونية، وبعضها حقق مكاسب في مجالات السيادة والتعليم والتصنيع والإصلاح الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه لم تحسم مسألة السلطة الطبقية، ولم تنجز التحرر الاجتماعي، وأخضعت أحيانا الجماهير لسلطة الدولة البيروقراطية، أو أعادت إنتاج أشكال من الهيمنة الطبقية.

لذلك فإن النقد الماركسي لهذه التجارب لا يعني تلقائيا تبني الرواية الإمبريالية عنها. بل يمكن أن يكون العكس تماما: إن نقد حدود التجربة القومية من موقع الطبقات الشعبية هو محاولة لاستخلاص شروط أكثر تقدما للتحرر.

فالاختلاف مع تجربة قومية أو مع صيغة تاريخية للقومية العربية لا ينبغي أن يوضع في الجهة نفسها مع مشروع الإمبريالية. التناقض هنا ليس بين «القومية» و«الإمبريالية» فقط، بل داخل مشروع التحرر نفسه: أي مضمون للتحرر؟ ومن يقوده؟ ومن يستفيد من نتائجه؟ وهل يحرر المجتمع من التبعية والاستغلال معا أم يستبدل هيمنة خارجية بهيمنة داخلية؟

وهذه الأسئلة هي التي تسمح بنقد التجارب القومية دون الوقوع في السردية الليبرالية أو الإمبريالية التي تختزل تاريخ المنطقة في صراع بين “أنظمة استبدادية” و”عالم حر”.

فلسطين: قضية تحرر وطني لا اختبار عقائدي.

تحتل فلسطين موقعا مركزيا في مشروع التحرر العربي والعالمي، ولا يمكن اختزالها في مجرد مسألة تضامن أخلاقي أو قضية خارجية.

ففلسطين قضية تحرر وطني ومقاومة للاستعمار الاستيطاني والعنصرية والاحتلال، وهي في الوقت نفسه قضية عربية وأممية، وتتقاطع فيها مواجهة الصهيونية مع مواجهة الإمبريالية.

لكن تحويل فلسطين إلى اختبار لغوي، بحيث يصبح استعمال مصطلح معين أو غيابه دليلا على الموقف السياسي، لا يساعد على تطوير الموقف اليساري من القضية.

المعيار الحقيقي هو طبيعة الموقف من الاحتلال والاستيطان والتطبيع والإمبريالية، وموقع القضية الفلسطينية داخل استراتيجية التحرر الوطني والديمقراطي الشعبي.

ولهذا فإن الموقف من فلسطين ينبغي أن يقاس بموقعها الفعلي في استراتيجية الحزب المناهضة للصهيونية والتطبيع والإمبريالية، لا بمجرد حضور مفردة «العروبة» أو غيابها. فالقضية الفلسطينية عربية بقدر ما هي قضية تحرر وطني وإنساني وأممي، واليسار لا يحتاج إلى الاختيار بين هذه الأبعاد، بل إلى ربطها ضمن رؤية واحدة.

وثيقة «إلى الأمام» والتاريخ السياسي لليسار

يمنح كنيش، في أكثر من موضع، أهمية كبيرة للوثائق التاريخية وللمفاهيم التي شكلت جزءا من اليسار المغربي في مراحل سابقة. وهذا أمر مفهوم، لأن الذاكرة السياسية ليست شيئا يمكن التخلص منه بمجرد انعقاد مؤتمر أو صياغة وثيقة جديدة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوثيقة التاريخية إلى معيار مطلق يحاكم به كل تطور لاحق.

فالحزب الثوري لا يعيش خارج الزمن. إن تغير التشكيلة الاجتماعية، وتحولات الرأسمالية، وتطور طبيعة التبعية، وتغير موازين القوى، والتحولات الجيوسياسية، وتجارب الحركة العمالية والشعبية، كلها تفرض مراجعة الأدوات والمفاهيم.

والنهج نفسه يؤكد في توجهه الراهن ضرورة استخلاص دروس الحركة الشيوعية العالمية بعيدا عن التقديس كما عن التصفية، وعن الجمود كما عن النزعات الليبرالية. وهذا يعني أن الوفاء للتاريخ لا يقاس بإعادة إنتاج كل مقولاته حرفيا، بل بامتلاك القدرة على تطويرها دون التفريط في جوهر المشروع الطبقي والتحرري.

ومن هنا فإن مراجعة بعض التصورات القديمة حول الدولة أو القومية أو التحالفات لا تكفي لإثبات «التساقط». المطلوب إثبات أن هذه المراجعات أدت فعلا إلى التخلي عن الصراع الطبقي أو التحرر الوطني أو الاشتراكية أو مواجهة الإمبريالية.

“التروتسكية” كبديل عن نقد المضمون

من أكثر الاتهامات التي تحتاج إلى دليل قوي إلصاق التحولات الفكرية بتأثير «التروتسكية». فالتروتسكية ليست كتلة فكرية وسياسية واحدة يمكن استعمال اسمها كشتيمة سياسية، بل هي تيارات واتجاهات متعددة، بعضها اختلف جذريا مع الماركسية اللينينية الرسمية، وبعضها طور أطروحات خاصة حول الثورة الدائمة والدولة والبيروقراطية والتحالفات.

لذلك لا يكفي العثور على تشابه في فكرة أو مصطلح لإثبات وجود تأثير تروتسكي.

النقد العلمي يجب أن يحدد النصوص، والمفاهيم، والاستنتاجات، ثم يبين أين يتطابق هذا التصور مع أطروحة تروتسكية محددة، وأين يتعارض معها.

وإلا فإن استعمال «التروتسكية» يصبح بديلا عن النقد، لا موضوعا للنقد. وكلما استعمل الاتهام لتفسير اختلاف فكري دون تقديم سلسلة استدلال واضحة، تحول من مفهوم سياسي إلى أداة لنزع الشرعية عن الخصم.

والأهم أن المرجعية الماركسية اللينينية نفسها لا تعني إغلاق باب النقاش أمام كل إسهامات الفكر الماركسي. فالنهج سبق أن أكد انفتاحه على إسهامات ماركسية متعددة، بما فيها مساهمات ماو وروزا لوكسمبورغ وغرامشي، وهو ما يجعل المطلوب هو التقييم النقدي لا الفرز العقائدي المسبق.

التطور غير المتكافئ والتناقض الرئيسي

لا يمكن فهم المغرب والمنطقة العربية خارج قانون التطور غير المتكافئ للرأسمالية. فالرأسمالية التابعة لا تنتج بنية اجتماعية بسيطة، وإنما تخلق تركيبا معقدا من المصالح الطبقية، وتعيد إنتاج التفاوتات بين القطاعات والمناطق والفئات.

لذلك لا يجوز التعامل مع «التناقض الرئيسي» باعتباره صيغة ثابتة تصلح لكل مرحلة ولكل بلد ولكل ظرف.

التناقض الرئيسي يتحدد في ضوء التشكيلة الاجتماعية، وطبيعة السلطة، وموازين القوى، وموقع البلد داخل النظام الرأسمالي العالمي، وطبيعة المرحلة السياسية.

وفي الحالة المغربية، لا يمكن فصل الاستبداد المخزني عن التبعية الرأسمالية وعن مصالح الكتلة الطبقية السائدة وعن موقع الإمبريالية في إعادة إنتاج هذه البنية.

وهنا تتضح أهمية المفهوم الذي يضعه النهج في قلب مشروعه: التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي. فهو لا يفصل التحرر من الإمبريالية عن التحرر من الاستبداد والاستغلال، ولا يفصل الديمقراطية عن العدالة الاجتماعية، ولا يضع المسألة الوطنية خارج الصراع الطبقي.

وبالتالي فإن الاختلاف في ترتيب بعض الأولويات أو في تحديد التناقض الرئيسي في مرحلة معينة لا يبرر اتهام الحزب بالتخلي عن مشروعه التحرري، ما لم يثبت أن هذا التغيير أدى فعلا إلى التخلي عن الطبقات الشعبية وعن مواجهة الرأسمالية التابعة والإمبريالية.

روسيا والصين وإيران: مقاومة الهيمنة لا تعني الاشتراكية

في هذا المستوى، تحتاج المقارنة بين القوى الدولية إلى قدر أكبر من الدقة. فالوقوف ضد الهيمنة الأمريكية أو مواجهة مشاريع الإمبريالية الغربية لا يعني تلقائيا أن الدولة المعنية اشتراكية، كما أن وجود علاقات اقتصادية رأسمالية لا يعني تلقائيا أنها تقع في الموقع نفسه الذي تحتله القوى الإمبريالية الغربية.

والصياغة الأدق هي أن مقاومة الإمبريالية لا تكفي وحدها لإثبات الطبيعة الاشتراكية لأي دولة، كما أن الاستقلال النسبي عن الهيمنة الإمبريالية لا يلغي ضرورة تحليل طبيعة النظام الاقتصادي والتناقضات الطبقية داخله.

وهذا التمييز ضروري حتى لا يسقط النقد في منطق «إما الاشتراكية الكاملة أو الإمبريالية»، وهو منطق لا يساعد على فهم التناقضات الفعلية في النظام الدولي.

فالنهج الديمقراطي العمالي، وهو ينطلق من موقف أممي مناهض للإمبريالية والصهيونية والرجعية، لا يحتاج إلى تحويل كل قوة تواجه الولايات المتحدة إلى نموذج اشتراكي، كما لا ينبغي أن يقع في مساواة ميكانيكية بين القوى المختلفة داخل النظام العالمي.

المطلوب هو تحليل ملموس لكل حالة، مع الحفاظ على البوصلة الأساسية: الدفاع عن حق الشعوب في السيادة والاستقلال، مقاومة الإمبريالية والحروب والهيمنة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقلال التحليل الطبقي وعدم استبدال التبعية لقطب دولي بتبعية لقطب آخر.

من «التساقط» إلى سؤال المشروع السياسي

المشكلة الأساسية في أطروحة كنيش هي أنها تميل إلى قياس استمرارية الحزب من خلال استمرار بعض المفردات والمقولات التاريخية، أكثر مما تقيسها من خلال المشروع السياسي والاجتماعي الذي يقدمه اليوم.

لكن الحزب لا يصبح أقل ماركسية لأنه يراجع صياغة، ولا يصبح أكثر ثورية لأنه يحافظ على قاموس قديم.

المعيار هو: هل ما يزال يضع الطبقة العاملة في موقع القيادة؟ هل ما يزال يعتبر الصراع الطبقي أساسا لفهم المجتمع؟ هل يحلل المغرب باعتباره مجتمعا رأسماليا تابعا؟ هل يربط الاستبداد بالتبعية؟ هل يناضل من أجل التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي؟ هل يطرح أفقا اشتراكيا؟ هل يناضل ضد الإمبريالية والصهيونية والتطبيع؟ هل يدافع عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء وسائر الطبقات الشعبية ومسألة السلطة السياسية؟ وهل يعمل على بناء جبهة شعبية قادرة على تغيير موازين القوى؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة إيجابية، فإن إثبات «التساقط» يحتاج إلى أكثر بكثير من إثبات غياب مصطلح أو تغير صياغة.

وهنا تكمن المفارقة في قراءة كنيش: فهو يحاول أحيانا أن يستنتج التراجع في المشروع من التغير في اللغة، بينما ينبغي في النقد الماركسي أن ننطلق من المشروع والممارسة والبنية الطبقية التي يعبر عنها الخطاب.

أين يقع «القفز في الهواء»؟

القفز في الاستنتاجات يحدث عندما تنتقل الحجة من:

تراجع مصطلح قومي → تراجع المسألة القومية → التخلي عن التحرر الوطني → التخلي عن التاريخ اليساري → تأثير تروتسكي → ابتعاد عن مناهضة الإمبريالية.

هذه السلسلة لا يمكن قبولها باعتبارها بديهية. كل حلقة فيها تحتاج إلى برهان مستقل.

قد يكون الحزب قد غير بعض مفاهيمه، وقد يكون هذا التغيير قابلا للنقد، بل وربما يستحق نقدا أشد. لكن النقد يصبح جديا عندما يبين أين أخطأ الحزب في تحليله للرأسمالية التابعة، وأين أخطأ في تحديد التناقض الرئيسي، وأين أضر التعديل النظري باستقلال الطبقة العاملة، وأين تراجع عن التحرر الوطني أو عن مناهضة الإمبريالية.

أما تحويل كل مراجعة إلى «تساقط»، وكل تطوير إلى «انحراف»، وكل ابتعاد عن صياغة تاريخية إلى «تروتسكية»، فإنه يختصر النقاش النظري في محاكمة للهوية، بدل أن يحوله إلى نقاش حول الاستراتيجية الثورية وشروط تغيير موازين القوى.

والنهج الديمقراطي العمالي نفسه، في توجهه الراهن، يقدم صياغة أكثر تركيبية: بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة، وترسيخ قيادتها للنضال الوطني الديمقراطي الشعبي، وبناء جبهة شعبية، ومواجهة الاستبداد والتبعية، والدفاع عن السيادة الوطنية، وربط ذلك بأفق اشتراكي. وهذه ليست قطيعة مع سؤال التحرر الوطني، بل محاولة لإعادة صياغته من منظور طبقي وشعبي أكثر وضوحا.

خاتمة: النقد المطلوب هو نقد المشروع لا محاكمة الذاكرة

إن الدفاع عن النهج الديمقراطي العمالي لا يعني الدفاع عن كل وثيقة أو كل صياغة أو كل قرار. وعلى العكس، فإن الحزب الذي يدعي تمثيل مشروع ثوري يجب أن يخضع دائما للنقد والمساءلة والمراجعة. لكن النقد الذي يستحق أن يؤخذ بجدية هو الذي يضع يده على التناقضات الحقيقية في التحليل والممارسة، لا الذي يحول الاختلاف في المفردات إلى دليل على الخيانة النظرية.

إن المسألة العربية مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن الصراع الطبقي. والتحرر الوطني ضروري، لكنه لا ينفصل عن التحرر الاجتماعي والديمقراطي. ومواجهة الإمبريالية أساسية، لكنها لا تعني تعليق التحليل الطبقي. والتضامن مع الشعوب المقاومة للهيمنة الإمبريالية لا يعني منحها صكوك الاشتراكية. والوفاء للتاريخ ضروري، لكنه لا يعني تحويل الوثائق التاريخية إلى نصوص مقدسة.

ومن هذه الزاوية، فإن المسألة ليست أن نختار بين «النهج القديم» و«النهج الجديد»، ولا بين القومي والطبقي، ولا بين الوطني والعالمي، بل أن نبني وحدة جدلية بينها داخل مشروع واضح: طبقة عاملة مستقلة، تقود جبهة الطبقات الشعبية، وتخوض معركة التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي ضد المخزن والرأسمالية التابعة والإمبريالية، وتربط السيادة الوطنية بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية الشعبية، وتفتح الطريق نحو الأفق الاشتراكي.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مراجعة داخل اليسار: هل تقوي استقلال الطبقة العاملة وقدرتها على القيادة؟ هل توسع قاعدة النضال الشعبي؟ هل تعمق مقاومة التبعية والإمبريالية؟ هل تربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية؟ وهل تجعل التحرر الوطني طريقا إلى تحرير الإنسان لا مجرد إعادة ترتيب لمواقع السلطة؟

إذا كان التغيير في خطاب النهج يجيب عن هذه الأسئلة بصورة أكثر تقدما، فلا يمكن اعتباره «تساقطا» لمجرد أنه لم يعد يكرر قاموس مرحلة تاريخية سابقة. أما إذا كان ثمة تراجع فعلي، فإن مهمة النقد ليست إطلاق الأحكام، وإنما تحديد هذا التراجع بدقة، وإثباته بالنصوص والممارسة، وبيان نتائجه على الصراع الطبقي ومشروع التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي.

وهنا بالضبط ينبغي أن ينتقل النقاش من محاكمة الكلمات إلى محاكمة المشروع، ومن استدعاء الماضي بوصفه معيارا نهائيا إلى مساءلة الحاضر بأدوات الماركسية اللينينية نفسها.

الأطروحة المركزية لهذا النقاش يمكن صياغتها بوضوح هكذا:

“إن التحولات التي طرأت على خطاب النهج الديمقراطي العمالي لا يجوز تفسيرها باعتبارها «تساقطا» أو تخليا عن المشروع التحرري لمجرد تراجع بعض المفردات أو الصياغات القومية والتاريخية؛ بل ينبغي تقييمها من خلال جوهر المشروع الطبقي والسياسي للحزب: موقع الطبقة العاملة، وطبيعة الصراع الطبقي، وتحليل التشكيلة الاجتماعية المغربية والرأسمالية التابعة، ومواجهة الاستبداد المخزني والإمبريالية، وبناء التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي ذي الأفق الاشتراكي”.

وبصيغة أكثر اختصارا وحِدّة:

ليس معيار استمرارية النهج هو بقاء قاموسه القديم، وإنما مدى استمرار مشروعه الطبقي والتحرري وقدرته على تطوير أدواته النظرية والسياسية بما يلائم شروط الصراع الراهنة.

وتتفرع عن هذه الأطروحة أربع أفكار أساسية:

1- المسألة العربية لا تُلغى، لكنها لا تختزل في العروبة.

فالبعد العربي جزء من أفق التحرر، لكن لا يجوز جعله بديلا عن التحليل الطبقي أو معيارا وحيدا لقياس يسارية الحزب.

2- التحرر الوطني لا ينفصل عن التحرر الاجتماعي.

فالمعركة ضد التبعية والإمبريالية لا تكتمل دون مواجهة الاستغلال الطبقي والاستبداد، ولذلك تظل قيادة الطبقة العاملة للطبقات الشعبية جوهرية.

3- تطوير الموقف النظري ليس بالضرورة انحرافا.

مراجعة بعض المقولات أو الوثائق التاريخية لا تعني التخلي عن الماركسية اللينينية، ما دام جوهر المشروع الطبقي والتحرري قائما.

4- إثبات «التساقط» يحتاج إلى أكثر من التشابهات اللفظية.

فإذا كان كنيش يريد إثبات أن النهج تخلى عن مشروعه، فعليه أن يثبت ذلك من خلال تحليله للتشكيلة الاجتماعية، وموقفه من الرأسمالية التابعة، والإمبريالية، والصراع الطبقي، والتحرر الوطني، والممارسة السياسية؛ لا من خلال غياب مصطلح أو تغير صياغة.

وعليه، فإن جوهر الخلاف بين الطرفين ليس حول الكلمات، بل حول معيار الحكم على التطور الفكري والسياسي: هل نقيسه بمدى وفائه الحرفي للخطاب التاريخي، أم بمدى قدرته على الحفاظ على جوهر المشروع الطبقي والتحرري وتطويره؟

وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن تنتظم حولها بقية حلقات الرد، حتى لا يتشتت النقاش في التفاصيل والمصطلحات.

شارك هذا الموضوع

علي بلمزيان

عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!