حين يصبح إسقاط الانتماء العربي هو الماركسية الجديدة (2-3)
قراءة نقدية في الحلقة الثانية من مقال سعيد كنيش حول “التساقط في البيان العام للنهج الديمقراطي العمالي”
علي بلمزيان
تأتي الحلقة الثانية من مقال سعيد كنيش، المعنونة بـ«حول تصور حزب النهج للعروبة والقومية العربية»، امتدادا للحلقة الأولى من سلسلة «حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي». وإذا كانت هذه الحلقة تنقل النقاش إلى مستوى أكثر تحديدا، فإنها تكشف بصورة أوضح عن المنهج الذي يحكم بناء أطروحة الكاتب: الانطلاق من غياب أو ضعف حضور مفردات بعينها في خطاب الحزب، ثم تحويل ذلك إلى دليل على تحول فكري وسياسي شامل، وصولا إلى اتهامه بالتراجع عن المشروع القومي والتحرري، وربط هذا التراجع بما يسميه “التلوث التروتسكي”.
غير أن هذا الاستنتاج يطرح إشكالا منهجيا أساسيا: هل يكفي غياب مصطلح «العروبة» أو «القومية العربية» من بعض الوثائق السياسية لإثبات التخلي عن المسألة القومية والتحرر الوطني؟ أم أن الحكم يحتاج إلى تحليل طبيعة الدولة، والتشكيلة الاجتماعية، والعلاقات الطبقية، وموقع البلاد داخل الرأسمالية التابعة، وعلاقتها بالإمبريالية، وموقف الحزب من الاستقلال والسيادة والتحرر الوطني والقضايا القومية والدولية؟
وهنا ينبغي منذ البداية التمييز بين «المسألة القومية» و«القومية العربية». فالمسألة القومية، في المنظور الماركسي، تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتحرر من الهيمنة والاستعمار، والعلاقات بين الأمم والقوميات، وأشكال الوحدة أو التعاون أو التكامل التي قد تفرضها المصالح التاريخية والمادية للشعوب. أما القومية العربية فهي صيغة سياسية وفكرية محددة لمعالجة هذه المسألة. وبالتالي فإن الدفاع عن المسألة القومية والتحرر الوطني لا يستلزم بالضرورة تبني صيغة واحدة ونهائية للقومية العربية، كما أن نقد تجربة قومية معينة لا يعني التخلي عن حق الشعوب العربية في الوحدة أو التكامل أو التحرر.
1- الدولة الوطنية، المسألة القومية والصراع الطبقي.
ينطلق كنيش من عبارة «بناء وحدة الشعب المغربي على أساس فيدرالي» و«بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية الفيدرالية»، ليستنتج منها أن النهج يتعامل مع الشعب المغربي باعتباره أمة مكتملة بذاتها، وأن هذا التصور يمثل تراجعا عن الأفق العربي.
لكن هذا الاستنتاج لا يبدو لازما من العبارة ذاتها. فالدولة الوطنية يمكن أن تكون إطارا سياسيا للصراع الطبقي والتحرر الوطني، دون أن يعني ذلك أن المجتمع المعني منفصل عن محيطه الإقليمي أو القومي أو الإفريقي أو الأممي
والأهم أن مفهوم الدولة الوطنية لا ينبغي أن يتحول إلى مرادف للقطرية السياسية. فهناك فرق بين الاعتراف بالدولة القائمة باعتبارها إطارا تاريخيا وسياسيا للصراع، وبين تحويلها إلى أفق نهائي مغلق أمام أي شكل من أشكال الوحدة أو التكامل أو التضامن بين الشعوب.
فالمغرب لا يوجد في فراغ تاريخي أو جغرافي، بل هو جزء من المغرب الكبير، ومن المجال العربي، ومن القارة الإفريقية، ومن النظام العالمي. وهذه المستويات ليست بالضرورة متعارضة.
بل إن الأفق السياسي التحرري يمكن أن يتحرك في مستويات متداخلة: مغربيا، وعربيا، وإفريقيا، وأمميا. ويمكن لنضال الشعب المغربي من أجل الديمقراطية والتحرر الاجتماعي والسيادة الوطنية أن يتقاطع مع نضالات شعوب المنطقة من أجل التكامل والوحدة ومقاومة الإمبريالية والاستعمار، دون أن تكون هذه المستويات بحاجة إلى إلغاء بعضها بعضا.
ومن هنا، فإن استعمال تعبير «الدولة الوطنية» لا يثبت التخلي عن البعد القومي، كما أن الحديث عن الوحدة العربية لا يلغي ضرورة تحليل الدولة الوطنية التي يجري داخلها الصراع الطبقي.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف في تصور كنيش: فهو يمنح المسألة القومية وزنا يكاد يجعلها معيارا وحيدا للحكم على سلامة الخط السياسي اليساري، بينما لا تتعامل الماركسية مع القومية باعتبارها قيمة فوق طبقية.
فالقضية ليست فقط في تأييد الوحدة أو رفضها، وإنما في مضمونها الاجتماعي والسياسي: من يقودها؟ ولصالح أي طبقات؟ وما طبيعة الدولة التي ستنتج عنها؟ وما موقع الطبقة العاملة والفلاحين والطبقات الشعبية فيها؟ وهل تقود إلى التحرر الاجتماعي أم تعيد إنتاج علاقات الاستغلال في نطاق أوسع؟
وبذلك لا ينبغي الخلط بين الدفاع عن الوحدة العربية باعتبارها أفقا سياسيا وتاريخيا ممكنا، وبين اعتبار القومية العربية في ذاتها مشروعا سياسيا مكتفيا بذاته. فالوحدة لا تكتسب مضمونها التحرري من اسمها، وإنما من القوى الاجتماعية التي تقودها، ومن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي يحكمها، ومن موقفها من الإمبريالية والاستغلال الطبقي.
فالقومية قد تكون أداة للتحرر الوطني في مرحلة تاريخية، وقد تتحول في مرحلة أخرى إلى غطاء لمصالح طبقات حاكمة. ولذلك فإن نقد مضمونها الطبقي لا يعني بالضرورة رفض بعدها التحرري أو الوحدوي.
2- “الشعب العربي” والطبقات الشعبية: من يقود مشروع التحرر؟
يستعمل كنيش تعبير «الطبقات الشعبية العربية» باعتباره كتلة تاريخية تكاد تكون موحدة في مصالحها ومواقفها. غير أن «الطبقات الشعبية» مفهوم سياسي واسع، وليس طبقة اجتماعية متجانسة. ففي داخلها توجد الطبقة العاملة، والفلاحون الفقراء، وصغار المنتجين، والحرفيون، وشرائح من الطبقة الوسطى، وفئات اجتماعية أخرى قد تتقاطع مصالحها في بعض المراحل وتتناقض في مراحل أخرى.
ولهذا ينبغي الانتقال من الحديث المجرد عن «الشعب العربي» إلى تحديد القوى الاجتماعية الفعلية التي يمكن أن تحمل مشروع التحرر. فالشعب ليس كتلة طبقية متجانسة، بل مجال للصراعات والتحالفات والتناقضات. وعندما يقال «الشعب العربي»، يجب أن يكون واضحا من المقصود سياسيا وطبقيا، ومن يملك القيادة داخل هذا الكيان السياسي المفترض.
وإذا كان المقصود بناء تحالف تاريخي بين الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وصغار المنتجين وبعض الفئات الوسطى، فإن الأمر يحتاج إلى تحديد موقع كل طبقة وفئة داخل هذا التحالف، وطبيعة التناقضات التي يمكن أن تنشأ بينها، والبرنامج الذي يسمح بتحويل التضامن السياسي إلى مشروع للتحرر الاجتماعي والوطني.
ومن هنا فإن اختزال الصراع في مواجهة «الشعوب العربية» من جهة و«الإمبريالية والرجعية» من جهة أخرى، دون تحليل التناقضات الطبقية الداخلية، يؤدي إلى تسطيح التحليل المادي للتشكيلات الاجتماعية العربية.
وهذا يقود مباشرة إلى مسألة التحرر الوطني. فلا شك أن التحرر الوطني لا يمكن فصله عن مقاومة الإمبريالية والاستعمار وأشكال التبعية، لكنه ليس محايدا طبقيا.
فالمطلوب ليس فقط مقاومة الإمبريالية، بل تحليل القوى التي تقود هذه المقاومة، وطبيعة القوى الطبقية التي تستفيد من نتائجها، وما إذا كان التحرر الوطني يؤدي إلى تفكيك علاقات التبعية وإعادة بناء الاقتصاد على أسس تخدم الأغلبية الشعبية، أم يكتفي بإعادة توزيع مواقع النفوذ داخل الطبقات الحاكمة.
وهذا هو المدخل الحقيقي لفهم مفهوم الرأسمالية التابعة، لا باعتباره مجرد تسمية سياسية للأنظمة التي نختلف معها، وإنما باعتباره نمطا تاريخيا لإعادة إنتاج الرأسمال وعلاقات التبعية داخل التشكيلة الاجتماعية، بما يربط قطاعات من الاقتصاد الوطني بالمراكز الرأسمالية العالمية.
كما ينبغي التمييز بدقة بين «البورجوازية التابعة» و«البورجوازية الكومبرادورية». فالأولى مفهوم أوسع يتعلق بموقع فئات بورجوازية داخل علاقات التبعية، بينما تحيل الثانية، بصورة أكثر تحديدا، إلى الشرائح التي تؤدي دور الوسيط في علاقاتها بالرأسمال الخارجي وتستفيد من هذه الوساطة. استعمال المصطلحين كأنهما مترادفان في كل السياقات يضعف الدقة الطبقية للتحليل.
3- نقد التجارب القومية لا يعني خدمة الإمبريالية
يستند كنيش إلى أن بعض الأحزاب الشيوعية أو اليسارية انتقدت التجارب القومية العربية، ويبدو أنه يريد تحويل هذا النقد إلى دليل على العداء للوحدة العربية أو حتى إلى خدمة غير مباشرة للإمبريالية.
لكن نقد التجارب القومية لا يساوي بالضرورة الوقوف إلى جانب الإمبريالية. فمن الممكن، بل من الضروري أحيانا، أن ننتقد نظاما قوميا بسبب بنيته الطبقية، أو استبداده السياسي، أو سياساته الاقتصادية، أو علاقاته بالطبقات الشعبية، وفي الوقت نفسه نرفض التدخل الإمبريالي ضده.
إن وضع كل نقد للتجارب القومية في خانة «خدمة الإمبريالية» يلغي إمكانية النقد الماركسي من داخل مشروع التحرر الوطني نفسه، ويحول الاختلاف السياسي إلى اختبار ولاء عقائدي.
والتحليل المادي لا يكتفي بالسؤال عن التدخل الخارجي، بل ينظر كذلك إلى الملكية، وعلاقات الإنتاج، وطبيعة الدولة، وتوزيع الثروة، والبنية الطبقية، وموقع البيروقراطية، وعلاقة الدولة بالرأسمال المحلي والخارجي.
4- فلسطين: قضية تحرر وطني لا اختبار عقائدي
لا خلاف على مركزية القضية الفلسطينية. فهي قضية تحرر وطني ومقاومة للاستعمار الاستيطاني، وهي في الوقت نفسه قضية عربية وأممية وإنسانية.
لكن تحويل فلسطين إلى «بوصلة» وحيدة للحكم على المواقف السياسية قد يقود إلى اختزال القضية الفلسطينية نفسها.
ففلسطين لا تحتاج إلى أن تتحول إلى أداة لقياس عدد مرات استعمال مصطلح «العروبة»، بل تحتاج إلى تحليل دقيق لطبيعة الصراع، وللقوى الاجتماعية والسياسية المشاركة فيه، ولعلاقة النضال الفلسطيني بالنضالات العربية، وللدور الإمبريالي، ولأشكال التضامن الأممي.
ومن حق اليسار المغربي أن يجعل فلسطين جزءا مركزيا من هويته السياسية، وأن يربطها بالنضال ضد الإمبريالية والصهيونية، دون أن يكون ذلك مشروطا بالتطابق مع تصور محدد للقومية العربية.
5- وثيقة «إلى الأمام» والتاريخ السياسي لليسار
يستند كنيش إلى وثيقة «سقطت الأقنعة فلنفتتح طريق الثورة» الصادرة عن منظمة إلى الأمام، ويستشهد بعبارتها المتعلقة بـ«الثورة العربية» وقيام «وطن عربي واحد حر ومنتصر».
ولا شك أن هذه الوثيقة جزء مهم من تاريخ اليسار المغربي، ولا يجوز إسقاطها من الذاكرة السياسية. لكن تحويل وثيقة تاريخية إلى معيار أبدي للحقيقة السياسية يمثل مشكلة منهجية.
فالوثائق السياسية تقرأ في سياقاتها التاريخية، وفي ضوء موازين القوى والتصورات النظرية التي كانت سائدة لحظة إنتاجها.
والوفاء للتاريخ لا يعني تجميد الفكر داخله. فإذا كانت الماركسية تقوم على تحليل الواقع المتغير، فإن مراجعة بعض التصورات السابقة لا تعني بالضرورة خيانة المبادئ، كما أن التشبث الحرفي بوثيقة تاريخية لا يضمن في حد ذاته صحة التحليل الراهن.
6- “التروتسكية” كبديل عن نقد المضمون
يصل كنيش بعد ذلك إلى اتهام النهج بـ«التلوث التروتسكي»، وكأن إثبات وجود بعض التأثيرات أو التقاطعات التاريخية مع تيارات تروتسكية يكفي لإثبات أن الحزب قد تبنى جوهرها السياسي.
لكن هذا النوع من الأحكام يحتاج إلى أدلة نصية وسياسية واضحة. هل توجد في الوثائق الحالية للنهج أطروحات تروتسكية محددة؟ هل يتبنى الحزب نظرية الثورة الدائمة؟ هل يرفض جبهة التحرر الوطني من منطلق تروتسكي؟ هل يتبنى تصورا محددا لطبيعة الاتحاد السوفياتي السابق أو للدول التي يعتبرها كنيش مناهضة للإمبريالية؟
إن الانتقال من وجود تقارب أو حوار أو اختلاف مشترك في بعض القضايا إلى الحكم بوجود «تلوث تروتسكي» يمثل قفزة استدلالية لا يمكن أن تعوض غياب البرهان النصي والسياسي.
ثم إن الحديث عن «التروتسكية» بوصفها كتلة فكرية وسياسية واحدة لا ينسجم مع تاريخ التيارات التي انتسبت إليها. فقد تعددت التيارات والتجارب والمواقف، واختلفت في تقييم الاتحاد السوفياتي، والحركات الوطنية، ومسألة التحالفات، والاستعمار، والدول التي خاضت صراعات مع الإمبريالية.
كما أن الحكم على تيار يساري لا ينبغي أن يقوم على موقعه الجغرافي أو على مجرد وجود علاقات أو تواصل مع مؤسسات أو قوى في الغرب، بل على مواقفه الملموسة من الإمبريالية والاستغلال الطبقي والتحرر الوطني والديمقراطية والصراع الطبقي.
7- التطور غير المتكافئ والتناقض الرئيسي
يستحضر كنيش مفهوم التطور غير المتكافئ وهيمنة المراكز الرأسمالية الغربية، وهو مفهوم له أهمية حقيقية في تحليل النظام الرأسمالي العالمي، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى تفسير شامل يلغي التناقضات الداخلية.
فكون بلد ما يعيش داخل علاقات تبعية لا يعني أن التناقض الطبقي داخله يصبح ثانويا أو وهميا.
فالرأسمالية التابعة تظل رأسمالية، والتشكيلة الاجتماعية التابعة تظل مأهولة بتناقضات طبقية ملموسة. ولذلك فإن مقاومة الإمبريالية لا تلغي الصراع بين العمل والرأسمال، بل قد تتقاطع معه وتعيد تشكيله.
ومن هنا، فإن مفهوم «التناقض الرئيسي» ينبغي أن يستخدم بصورة تاريخية وملموسة، لا باعتباره صيغة جاهزة يمكن نقلها من بلد إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى. فإذا كان التناقض الرئيسي في مرحلة معينة هو بين قوى التحرر الوطني والإمبريالية، فهذا لا يعني أن الصراع الطبقي الداخلي يتوقف؛ وإذا كان الصراع الطبقي يحتل موقعا مركزيا في مرحلة معينة، فهذا لا يعني أن العامل الإمبريالي يختفي.
إن التناقضات لا توجد في فراغ، بل داخل تشكيلة اجتماعية محددة، وفي مرحلة تاريخية محددة، وتحت شروط دولية محددة. ولذلك لا يمكن بناء استراتيجية سياسية صلبة على افتراض وجود «تناقض رئيسي» ثابت ونهائي يفسر كل شيء.
8- روسيا والصين وإيران: الاستقلال السياسي لا يعني الاشتراكية
يضع كنيش روسيا والصين وإيران في مواجهة الإمبريالية الغربية، وهذا يستحق التحليل، لكن ينبغي الحذر من الانزلاق إلى استنتاج أن كل قوة تناهض الولايات المتحدة أو تتحدى النظام الغربي هي بالضرورة قوة اشتراكية أو تقدمية.
فالموقف من الإمبريالية لا يحسم وحده طبيعة الدولة أو طبيعة النظام الاقتصادي أو التشكيلة الاجتماعية. ويمكن لدولة أن تواجه ضغوطا إمبريالية وأن تدافع عن قدر من الاستقلال السياسي، وفي الوقت نفسه أن تكون محكومة بعلاقات إنتاج غير اشتراكية وتناقضات طبقية خاصة بها.
وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول التحليل إلى ثنائية مبسطة: إما مع المركز الإمبريالي أو مع كل من يعارضه.
9- أين يقع «القفز في الهواء»؟
هنا نصل إلى قلب المسألة. يبني كنيش سلسلة استنتاجية تبدو متماسكة في ظاهرها:
غياب «العروبة» من بعض الصياغات → التخلي عن القومية العربية → الانغلاق داخل الدولة الوطنية → الابتعاد عن المشروع العربي → التراجع عن وثيقة «إلى الأمام» → التلوث بالتروتسكية → الاقتراب من مواقف تخدم الإمبريالية.
لكن كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى برهان مستقل.
فالانتقال من غياب مصطلح إلى إثبات تحول أيديولوجي، ومن تحول أيديولوجي مفترض إلى اتهام بالانحراف التروتسكي، ومن الاتهام بالتروتسكية إلى الاستنتاج بالانحياز للإمبريالية، ليس تحليلا طبقيا بقدر ما هو بناء استنتاجي تتراكم فيه الافتراضات حتى تبدو النتيجة وكأنها ثابتة منذ البداية.
خاتمة: من نقد المصطلحات إلى نقد المشروع
لا تكمن قوة النقد الماركسي في تعداد المرات التي وردت فيها كلمة «العروبة» أو «الوحدة العربية» داخل وثيقة سياسية، وإنما في قدرته على الكشف عن البنية الطبقية التي تنتج المواقف، وعن موقع الدولة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وعن طبيعة التناقضات التي تحكم المجتمع، وعن القوى الاجتماعية القادرة على تغيير الواقع.
إن الدفاع عن التحرر الوطني لا يقتضي إلغاء الصراع الطبقي، كما أن الدفاع عن الوحدة العربية لا يقتضي تحويل القومية العربية إلى معيار وحيد لليسارية. ويمكن للنضال المغربي أن يكون وطنيا ومغربيا وعربيا وإفريقيا وأمميا في آن واحد، متى فهمنا هذه المستويات باعتبارها دوائر متداخلة للتحرر، لا جدرانا متقابلة.
فالقضية ليست في حضور مصطلح «العروبة» أو غيابه، وإنما في مضمون المشروع التحرري والاجتماعي الذي يحمله أي تنظيم، وفي موقع الطبقة العاملة والطبقات الشعبية منه، وفي علاقته بالإمبريالية والتبعية والصراع الطبقي.
وعليه، فإن إثبات التخلي عن المسألة القومية لا يمكن أن يقوم على قراءة انتقائية للمفردات، بل على فحص البرنامج والمواقف والممارسة السياسية الفعلية. وإذا كان الخلاف في حقيقة الأمر حول الصيغة الأنسب للجمع بين التحرر الوطني والوحدة العربية والصراع الطبقي والديمقراطية، فذلك نقاش مشروع وضروري داخل اليسار، لكنه شيء آخر تماما عن إصدار حكم بالتساقط أو الانحراف.
فالنقد الذي يبدأ من سؤال العروبة لا يصبح ماركسيا إلا عندما ينتقل إلى سؤال الطبقات؛ والنقد الذي يبدأ من سؤال الوحدة لا يكتمل إلا بتحليل القوى الاجتماعية التي يمكن أن تحملها؛ والنقد الذي يبدأ من سؤال التحرر الوطني لا يستقيم دون تحديد طبيعة المجتمع الذي نريد تحريره وشروط تحرره الاجتماعي والسياسي.
وهذا هو المدخل الذي يجعل الخلاف مع كنيش خلافا فكريا وسياسيا حقيقيا، لا مجرد سجال حول المفردات: فالمطلوب ليس إثبات من يستعمل «العروبة» أكثر، وإنما تحديد أي مشروع للتحرر، وأي قوى اجتماعية قادرة على حمله، وأي أفق وحدوي أو تكاملي يمكن أن يخدم مصالح الشعوب، وفي مقدمتها الطبقة العاملة والطبقات الشعبية.
