الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية

الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية

المختار عنقا الادريسي

عتبة مدخلية: أي إنسان تريد الأحزاب أن تبنيه؟

تعود الانتخابات التشريعية في المغرب لتضع الأحزاب السياسية أمام الناخبين، حاملة برامجها الانتخابية باعتبارها مقترحات لمغرب السنوات المقبلة، وباعتبارها في الوقت نفسه نوعاً من التعاقد السياسي والأخلاقي مع المواطن.

وعادة ما تتجه قراءة هذه البرامج إلى ما يبدو أكثر التصاقاً بالحياة اليومية: التشغيل، التعليم، الصحة، القدرة الشرائية، السكن، الاستثمار، الحماية الاجتماعية… وغيرها من القضايا التي تشكل الهموم المباشرة للمواطنين. غير أن هناك سؤالاً آخر قد يبدو أقل حضوراً في الخطاب الانتخابي، بينما هو في تقديرنا من أكثر الأسئلة اتصالات بجوهر المشروع المجتمعي، نصوغه فيما يلي:

  • ماذا تريد الأحزاب السياسية أن تفعل بالإنسان نفسه؟
  • أي إنسان تريد أن تصنع؟
  • أي مواطن تريد أن تخرجه المدرسة والمجتمع والإعلام والمؤسسات؟
  • هل تريد مواطناً منتجاً فحسب، أم مواطناً منتجاً وقارئاً، قابلاً للتفكير والنقد والحوار والإبداع؟

وهنا تدخل الثقافة إلى قلب السؤال الانتخابي؛ علماً أنها ليست قطاعاً هامشياً يأتي بعد الاقتصاد، وليست ترفاً يمكن تأجيله إلى حين استكمال شروط التنمية، وليست مجرد مهرجانات وأنشطة فنية ومناسبات احتفالية. فالثقافة في مفهومها الواسع هي إحدى الأدوات التي يبني بها المجتمع وعيه بذاته، ويفهم بها ماضيه، ويصوغ بها علاقته بالحاضر والمستقبل، ويتعلم من خلالها كيف يختلف دون أن يتنازع، وكيف يفكر دون وصاية، وكيف ينتج المعرفة والجمال والمعنى.

ومن ثَمَّ، فإن السؤال عن الثقافة داخل البرامج الانتخابية ليس سؤالاً قطاعياً كما قد يتوهم البعض، بل إنه سؤال عن فلسفة المشروع السياسي نفسه. ذلك لأن الحزب الذي يفكر في التنمية دون أن يتحدث عن بناء الإنسان، ويبتغي ترسيخ قيم المواطنة دون أن يتحدث عن التفكير النقدي، أو يتحدث عن الشباب دون أن يسأل عن الكتاب والفن والإبداع، ويتحدث عن الهوية دون أن يحدد علاقته بالتعدد والاختلاف… هو حزب يترك في مشروعه مناطق صمت تستحق أن تُقرأ وتُساءل.

ومن هنا بالضبط تأتي هذه الورقة – التي أخص بها جريدة “السؤال الآن” – وهي لا تريد أن تسأل عن: أين وردت كلمة “الثقافة” في البرامج الانتخابية للأحزاب؟ ولا أن تقيس حضورها بعدد صفحات أو فقرات البرامج الانتخابية؟ وإنما تريد أن تطرح سؤالاً أشد عمقاً: ما المكانة التي تحتلها الثقافة في تصور كل حزب للإنسان المغربي وللمجتمع الذي يريد بناءه؟

ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: ما الذي ستفعله هذه البرامج فعلياً بما تقترحه؟ فبين الشعار والسياسة العمومية مسافة، وبين الوعد والتنفيذ مسافة أخرى – ربما هي أكبر – وبين تخصيص بند للثقافة داخل برنامج انتخابي، وبناء سياسة ثقافية وطنية مستدامة، مسافة ثالثة قد تكون هي الأهم.

وتأسيسياً على ما تقدم، فإن هذه القراءة / التوقف لن تكون بحثاً عن حزب “أكثر ثقافة” من حزب آخر، ولن تكون مناسبة لأي تجريح أو نثر للورود، لأنها محاولة لقراءة البرامج كما أعدتها الأحزاب، وبالمعايير نفسها، وبالدقة نفسها؛ بحيث يُترك لكل برنامج أن يكشف عن فلسفته… أولوياته… قوة وعوده… مواطن نقصه.

فالمسألة في النهاية لا تتعلق بالثقافة وحدها، بل تتعلق بصورة المغرب الذي نريد أن نعيشه ونعيش فيه. وحين نستجوب البرامج الانتخابية من نافذة الثقافة، فإننا لا نسألها فقط عن: ماذا أنتم فاعلون للثقافة؟ بل نسألها عن: أي إنسان مغربي تريدون أن يكون في نهاية الولاية التي تطلبون من الناخب أن يمنحكم إياها؟

المحطة الأولى: أين تقف الثقافة داخل هندسة البرامج الانتخابية؟

قد يبدو بسيطاً السؤال التالي: أين توجد الثقافة في البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية لسنة 2026؟ لكن الإجابة عنه ليست مجرد بحث عن عنوان يحمل اسم “الثقافة”، ولا عن فقرة تتضمن بعض الوعود المتعلقة بالفنان أو الكتاب أو التراث. فـالموقع الذي تمنحه الوثيقة للثقافة من شأنه أن يكشف لنا شيئاً من فلسفة الحزب، وموقع الإنسان في مشروعه المجتمعي.

فالبرنامج الذي يجعل الثقافة محوراُ أو قطباً مستقلاً، ليس بالضرورة أفضل من غيره لمجرد هذا الاختيار؛ لكنه يقول لنا على الأقل إن الثقافة حاضرة في هندسة المشروع بوصفها مجالاً يستحق بناء رؤية خاصة به. أما حين تأتي الثقافة في ذيل محور اقتصادي، أو في فقرة عابرة ضمن حديث عن الشباب أو السياحة أو الهوية أو الإعلام، فإن ذلك يكشف زاوية أخرى للنظر إليها. ومن هنا يبدأ التشريح الذي نرومه في هذه الورقات التأملية.

1- من “وجود الثقافة” إلى “مكانتها”

إن أول خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نعتبر مجرد حضور “الثقافة” في البرنامج دليلاً على أهميتها. فالبرامج الانتخابية مليئة بالكلمات الكبرى ذات الصلة بـ: التنمية، المواطنة، الشباب، الهوية، الابتكار، العدالة، الإبداع… لكن الكلمات لا تتساوى في الوزن السياسي. فهناك فرق بين أن تُذكر الثقافة وبين أن تُبنى حولها سياسة خاصة، والفرق أكبر بين أن تُبنى حولها سياسة وبين أن تصبح الثقافة جزءاً من فلسفة المشروع المجتمعي. ولهذا فإننا لن نسأل: كم مرة وردت كلمة الثقافة؟ وإنما سيكون سؤالنا هو: أين وُضِعت الثقافة؟ وما الذي يربطها بالحزب؟ وما الوظيفة التي أسندها إليها؟

2- حين تصبح الثقافة “قطباً”

في البدء – وعلى سبيل المثال لا الحصر – نجد أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يقدم نموذجاً لافتاً في هذه النقطة، إذ يضع الثقافة في صورة “قطب ثقافي” ضمن برنامجه الانتخابي، ويقدم لها تصوراً مؤسساتياً يتجاوز مجرد الإعلان عن دعم الأنشطة الثقافية، وهو اختيار يستحق أن نتوقف عنده.

فحين تصبح الثقافة “قطباً”، فإنها تدخل في بنية البرنامج لا باعتبارها ملحقاً، وإنما باعتبارها مجالاً من مجالات الفعل العمومي الذي يحتاج إلى استراتيجية ومؤسسات وتمويل. لكن علينا ألا نخلط بين الموقع المتقدم في الوثيقة وبين قابلية المقترحات للتنفيذ؛ فالموقع يمنحنا مؤشراً أولياً عن الأهمية، أما التنفيذ فيحتاج إلى مؤشرات أخرى سنعود إليها لاحقاً.

وهنا تحديداً ينبغي أن نتجنب حُكْمَين متسرعين: أولهما يتلخص في أن نعتبر كثرة الحديث عن الثقافة دليلاً على قوة السياسة الثقافية، وثانيهما نرده إلى اعتبار محدودية الحديث عنها دليلاً قاطعاً على عدم الاهتمام بها. فالبرنامج قد يوزع الثقافة على محاور متعددة، وقد يربطها بالتعليم والإعلام والشباب والهوية والاقتصاد، ولهذا سنقرأ المضمون والعلاقات لا كعناوين وحدها فحسب.

3- الثقافة حين تختبئ داخل ملفات أخرى

وقد نصل هنا إلى حالة أكثر تعقيداً؛ فهناك عدد من البرامج لا يقدم الثقافة دائماً باعتبارها ملفاً قائماً بذاته، وإنما يجعلها تتقاطع مع ملفات أخرى: [الثقافة والتعليم، الثقافة والشباب، الثقافة والهوية، الثقافة والإعلام، الثقافة والسياحة، الثقافة والاقتصاد، الثقافة والرقمنة…].

وهذا التقاطع – جميعه – ليس عيباً، بل قد يكون علامة على وعي بأن الثقافة لا يمكن أن تعيش في جزيرة معزولة. لكن الخطر قد يبدأ حين يؤدي هذا التداخل إلى ذوبان الثقافة داخل القطاعات الأخرى؛ فإذا كانت الثقافة دائماً وسيلة لخدمة التعليم، فقد تفقد استقلالها، وإذا كانت وسيلة لخدمة السياحة، فقد تتحول إلى منتج للعرض، أما إذا كانت وسيلة لخدمة الاقتصاد، فقد تختزل في الصناعات الثقافية، وإذا كانت وسيلة لحماية الهوية، فقد تتحول إلى خطاب عن الماضي.

أما الثقافة التي نبحث عنها هنا فهي أوسع من كل ذلك: ثقافة تبني الإنسان… تنتج المعرفة… تحمي الذاكرة… تفتح مجال الإبداع… ترسخ قيم المواطنة… تقبل الاختلاف… تساهم في التنمية دون أن تُخْتَزل فيها.

4- الثقافة بوصفها مرآة للأولويات

وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أخرى، نقول بأن المواطن حين يقرأ برنامجاً انتخابياً، فإنه لا يقرأ فقط قائمة الوعود، بل يقرأ بصورة غير مباشرة سلم الأولويات الذي يقترحه الحزب. فما الذي يأتي أولاً؟ وما الذي يأتي ثانياً؟ وما الذي يؤجل؟ وما الذي يكاد يغيب؟

وهنا يمكن للثقافة أن تكشف أكثر مما تقوله عن نفسها؛ فإذا احتلت الثقافة مكاناً متقدماً في بنية البرنامج، فهذا يعني أن الحزب يمنحها وزناً سياسياً معيناً. أما إذا حضرت من خلال التعليم والشباب والإعلام والهوية والاقتصاد، فعلينا أن نبحث عن الخيط الذي يجمع كل ذاك الحضور المتفرق. أما إذا ظهرت بصورة هامشية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون اتهامياً، وإنما مساءِلاً: هل الثقافة في تصور هذا الحزب أو ذاك جاءت نتيجة من نتائج التنمية، أم أنها من إحدى شروطها؟

وهذا سؤال بالغ الأهمية، لأن من يرى الثقافة ثمرة تأتي بعد التنمية سيتعامل معها بطريقة مغايرة لمن يراها شرطاً لبناء الإنسان والإسهام في التنمية وسيتعامل معها بطريقة مغايرة تماماً.

5- من “القطاع الثقافي” إلى “المشروع الثقافي للمجتمع”

إننا هنا لسنا بصدد البحث عن برنامج لوزارة الثقافة، وإنما نبحث عن المشروع الثقافي للمغرب كما تتصوره الأحزاب المتنافسة على تدبير الشأن العام، وهناك فرق كبير بين الأمرين. فوزارة الثقافة تستطيع أن تدعم المسرح… الكتاب… المعارض… الندوات… السينما… التراث… الفنون. لكن بناء مجتمع قارئ، ومواطن ناقد، وطفل متذوق للفن، وشاب قادر على الإبداع، ومجتمع قادر على الحوار، لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة واحدة، لأنه يحتاج إلى: [وزارة التربية الوطنية، وزارة التعليم العالي، الإعلام، الجماعات الترابية، المجتمع بشقيه المدني والسياسي، القطاع الخاص، المؤسسات الثقافية، الأسرة…].

ولهذا فإن البرنامج الذي لا يرى الثقافة إلا داخل قطاع حكومي واحد قد يضيق مجالها منذ البداية. أما البرنامج الذي يربطها بالتربية والشباب والإعلام والرقمنة والتنمية والعدالة المجالية، فإنه يقترب من تصور أكثر شمولاً لها، حتى وإن بقي بحاجة إلى تدقيق في آليات التنفيذ.

  6-السؤال الذي لا ينبغي تجاوزه

بعد هذه القراءة الأولى لموقع الثقافة، نصل إلى سؤال لا يمكن تأجيله: هل الثقافة عند الأحزاب المغربية أولوية سياسية أم أولوية خطابية؟

فالفرق بين الاثنين كبير؛ لأن الأولوية السياسية تحتاج إلى: الرؤية، والأهداف، والمؤسسات، والميزانية، والجدولة الزمنية، والمسؤوليات المحددة، والمؤشرات القياسية. أما الأولوية الخطابية فقد تكتفي بعبارات جميلة من قبيل: دعم الثقافة، تشجيع الإبداع، النهوض بالفن، حماية التراث، دعم الشباب… وهي عبارات يصعب الاختلاف معها، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم المحدد في: كيف؟ ومن أين سيأتي التمويل؟ ومن سينفذ؟ ومتى؟ وبأي ترتيب؟ وماذا سيحدث إذا لم يتحقق الوعد؟

7- الثقافة كاختبار مبكر للبرنامج كله

وللتذكير أقول بإننا هنا لا نروم ترتيب الأحزاب بحسب حضور الثقافة في برامجها، ويبقى الأهم عندنا أنها تمنحنا مفتاحاً لقراءة البرامج كلها بنوع من التأني والحياد المعرفي. فالحزب الذي يرى الثقافة جزءاً من بناء الإنسان سيقدم – على الأرجح – تصوراً مختلفاً عن التعليم والشباب والإعلام والمواطنة. أما الحزب الذي يراها أساساً أداة اقتصادية قد يركز على الصناعات الثقافية والسياحة والإبداع وفرص العمل. في حين أن الحزب الذي يضعها في إطار الهوية سيولي اهتماماً أكبر للغة والتراث والذاكرة والقيم. أما الحزب الذي يربطها بالديمقراطية فسيمنح مساحة أكبر للحرية والتعدد والتفكير النقدي، وهكذا تصبح الثقافة نافذة نقرأ منها جميع المشاريع السياسية الحزبية.

8- خلاصة أولية

وهنا ينبغي أن لا نكتفي بالقول أو السؤال عن حضور الثقافة في البرامج الانتخابية الحزبية لسنة 2026. ولعل الأدق هو أن نسأل: بأي معنى هي حاضرة؟ وأين هي حاضرة؟ وما موقعها داخل البرنامج؟ وهل هي غاية أم وسيلة؟ وهل هي حق أم دعم؟ وهل هي قطاع أم مشروع مجتمعي؟ وهل تمتلك أدوات تنفيذ أم تظل في مستوى التمني؟

إنها أسئلة ستقودنا ولا شك من الموقع إلى الفلسفة، ومن الفلسفة إلى المضمون، ومن المضمون إلى الالتزام، ومن الالتزام إلى قابلية التنفيذ. وهنا فقط يمكن أن ننتقل من مجرد قراءة البرامج الانتخابية إلى مساءلتها. لأن القضية في النهاية ليست أن نعرف: هل تحدثت الأحزاب عن الثقافة؟ وإنما أن نعرف: هل أدركت الأحزاب أن بناء مغرب جديد يقتضي قبل كل شيء بناء إنسان جديد؟

المحطة الثانية: من الثقافة كحق إلى الثقافة كاقتصاد وهوية ومواطنة

لقد حاولنا في المحطة الأولى أن نحدد أين تقف الثقافة داخل هندسة البرامج الانتخابية، وهو ما يفضي بنا إلى السؤال عن: ماذا تعني الثقافة لكل حزب؟

فقد تتفق الأحزاب جميعها على استعمال كلمات مثل: الإبداع، التراث، الفنون، الهوية… لكنها تكون في الواقع تتحدث عن ثقافات مختلفة من حيث التصور والوظيفة والغاية. ومن هنا نخلص إلى أن المشكلة ليست في أن تكون الثقافة حاضرة، وإنما في الكيفية التي تُفهم بها. إذ يمكن أن تُرى باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان، كما يمكن اعتبارها أداة لبناء الهوية، ويمكن أن تتحول إلى وسيلة للتنمية الاقتصادية، وقد يُنظر إليها بوصفها أداة للمواطنة والتماسك الاجتماعي، ويمكن أن تُختزل في حماية التراث وإحياء الذاكرة. وكل من هذه الاختيارات قد ينتج سياسة ثقافية مختلفة.

1- الثقافة باعتبارها حقاً

لعل أعمق نقطة يمكن أن تبدأ منها كل سياسة ثقافية هي الاعتراف بأن المواطن ليس مستهلكاً للثقافة فقط، بل هو صاحب حق فيها؛ إذ له حقه في: الوصول إلى الكتاب، المعرفة، الفنون، الفضاءات الثقافية، التعبير والإبداع… وبالتالي حقه في أن يجد الثقافة بالقرب منه، لا أن يضطر إلى السفر إلى المدن الكبرى كي يلتقي بها.

فحين تصبح الثقافة حقاً، تتغير طريقة النظر إليها: فلا تعود المكتبة العمومية ترفاً، ولا يغدو المسرح نشاطاً نخبوياً، ولا السينما مجرد تجارة، ولا يتحول تعليم الفنون إلى مادة تكميلية يمكن الاستغناء عنها، بل يصبح كل ذلك جزءاً من الحق في بناء الذات. وهو ما يفضي بنا إلى أن نطرح على البرامج الانتخابية السؤال المباشر التالي: هل يتحدث الحزب عن المواطن باعتباره مستفيداً من الثقافة، أم باعتباره صاحب حق ثقافي؟ علماً أن الفارق بين التعبيرين ليس لغوياً، إنه فارق في الفلسفة السياسية.

2- الثقافة باعتبارها بناءً للإنسان

الثقافة ليست فقط ما نقرؤه… نشاهده… ونستمع إليه؛ إنها أيضاً ما يجعلنا نفكر بطريقة معينة، ونختلف بطريقة معينة، ونفهم التاريخ، ونبني علاقتنا بالمجتمع والوطن والعالم. ومن هذا الباب تصبح الثقافة شريكاً للتربية، لكنها ليست هي نفسها. فالمدرسة تبني المعارف وتنمي المهارات وترسخ القيم، بينما الثقافة تفتح للإنسان فضاءً أوسع لتشكيل شخصيته ووعيه وقدرته على السؤال… ومن هنا يمكن أن نسأل البرامج:

  • هل تبتغي مدرسة تنتج الناجح في الامتحان فقط؟
  • أم مدرسة تسهم في إنتاج المواطن الذي يستطيع أن يقرأ العالم أيضاً؟

فالكتاب والفن – بكل تلاوينه – والفلسفة والتاريخ… كلها أدوات صالحة لتوسيع أفق المواطن. ولهذا فإن مستوى الثقافة في البرامج يكشف بصورة غير مباشرة مستوى تصوره للمواطن.

3- الثقافة والهوية: حماية أم انفتاح؟

وعموماً يبقى هذا الأمر من أكثر القضايا حساسية، لأن الثقافة دائمة الارتباط بالهوية، ومنه نسأل: كيف يمكن فهم الهوية؟ وهل هي مجرد صندوق مغلق نتولى حراسته من الخارج؟ أم أنها كيان حي يتطور بالتفاعل مع الزمن؟

ووطننا في واقعه التاريخي ليس هوية أحادية، إنه تراكم وتعدد وتفاعل بين روافد عربية وأمازيغية وصحراوية وأفريقية ومتوسطية وغيرها… ولهذا فإن الدفاع عن الثقافة المغربية الغنية لا ينبغي أن يتحول إلى محوٍ لتعددها. وفي المقابل، فإن الاحتفاء بالتعدد لا ينبغي أن يؤدي إلى فقدان المشترك الوطني، وتبقى المعادلة الأصعب هي: كيف نحمي المشترك دون أن نقتل التعدد؟ وكيف نحمي التعدد دون أن نفك المشترك؟ فهذه ليست قضية ثقافية فقط، إنها قضية سياسية بامتياز كبير. ومن هنا فإن تعامل البرامج الحزبية مع اللغة والتراث والذاكرة ليس تفصيلاً ثقافياً، بل هو مؤشر على تصور الحزب لغنى المجتمع المغربي نفسه.

4- الثقافة والمواطنة

كل المهتمين بالشأن الحقوقي يؤكدون على أن المواطنة لا تُبنى بالقوانين وحدها، فهي تحتاج إلى إنسان يقدر المسؤولية، فيعرف حقوقه، ويدرك واجباته، ويقبل الاختلاف، ويمارس الحوار، ويستطيع أن يسائل السلطة دون خوف، وأن يختلف مع الآخر دون أن يحوله إلى عدو. وهذه كلها قدرات ثقافية قبل أن تكون سياسية. وانطلاقاً منها ينبغي أن نسأل:

  • هل الثقافة في البرامج الانتخابية مرتبطة بالمواطنة؟
  • هل تُطرح القراءة بوصفها أداة للتحرر؟
  • هل التفكير النقدي جزء من بناء المواطن المستقبلي؟
  • هل الفن فضاء للتعبير والاختلاف؟
  • هل المؤسسات الثقافية أماكن للقاء الاجتماعي؟

فإذا كانت الإجابة بـ “نعم”، فإننا نكون أمام تصور للثقافة يتجاوز النشاط الثقافي الأحادي إلى بناء الديمقراطية من جذورها الاجتماعية والإنسانية الحقة.

5- الثقافة والاقتصاد: ضرورة أم اختزال؟

من التطورات الإيجابية في الخطاب السياسي المعاصر أن الثقافة لم تعد تُرى دائماً بوصفها عبئاً على الميزانيات؛ لأن الحديث عن الصناعات الثقافية والإبداعية، وعن فرص الشغل، وعن الاقتصاد الإبداعي، وعن السياحة الثقافية، أضحى أكثر حضوراً.

وهذا أمر يستوجب الإشادة، ويدعونا إلى طرح سؤال حاسم: هل يغدو “الأمر” الثقافي ذا قيمة فقط عندما يصبح قابلاً للبيع؟

وهنا نقول بأننا نكون قد اختزلنا الثقافة إذا كان الجواب بـ “نعم”؛ لأن كل ما هو ثقافي لن يكون قابلاً للقياس بمفهوم ومنطق السوق. فقد يكون كتابٌ ما قليل المبيعات، لكنه بالغ التأثير في الفكر. كما قد تكون مكتبة عمومية في قرية ما لا تحقق أي ربح مالي، لكنها تغير حياة عشرات الأطفال. ولهذا ينبغي أن يكون الاقتصاد خادماً للثقافة، لا سيداً عليها. والمطلوب هنا ليس الفصل بين الثقافة والاقتصاد، وإنما بناء علاقة متوازنة بينهما.

(يُتبع)

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!