من عصر الكرامة إلى سوق الذمم: تحولات الوعي الانتخابي بالمغرب
شهادة مناضل ديموقراطي من القرن الماضي
عبد الرحمان الغندور
منذ أواسط ستينات القرن الماضي وأنا أخوض معارك النضال السياسي والمجتمعي، مناضلا، مؤطرا، خطيبا، بما في ذلك معارك الانتخابات والنضال الديموقراطي، حيث كنت مرشحا ومنتخبا عجنته شوارع الفقراء وهوامش التراب الوطني، في معركة لم تكن يوما نزهة أو نزيهة.
فقد كان الخصم واضحا وشرسا حيث بطش الدولة المركزية وجبروت وزارة الداخلية بقيادة إدريس البصري، رائد التزوير البنيوي المسلح بأدوات القمع الإداري لتفريخ وتوزيع “الأحزاب الإدارية” من أحرار وحركة ودستوري وصولا إلى هندسة تناوب ” السكنة القلبية” أو ما عرف بالتناوب التوافقي. ورغم قسوة ذلك الزمن، كانت الكرامة خطا أحمر لا يُقبل تجاوزه. ففي ذروة القمع والتزوير الفاضح لصناديق الاقتراع، كانت القواعد الشعبية في أحزمة الصفيح والبوادي تحتفظ بعنفوان عزة النفس وتفقه المعادلة بذكاء فطري بليغ لخّصها الراحل عبد الرحيم بوعبيد: «أموالهم حلال علينا، وأصواتنا حرام عليهم».
وحينها، لم يكن يجرؤ مثقف حقيقي أو مبدع وازن من أديب أو تشكيلي أو مسرحي على بيع اسمه لمرشح مال أو حزب إداري إلا متخفيا، خجلاً، يجر أذيال الهوان بتوجس، تماما كما لم يكن الجامعي يرضى بأن يتحول إلى مخبر أو محرض بالأجرة لمرشح رديء، إلا في أضيق حدود الإكراه الأسري القاسي المقرون بالمواراة والخجل.
أما اليوم، فنحن لسنا أمام تراجع عادي، بل أمام انهيار بنيوي للوعي الجماعي نتاج عقدين من التمييع المنهجي والسياسات الهادفة إلى إنتاج كائن طوعي، بلا عظم، يهرول نحو المذلة بلا خجل.
ما نعيشه اليوم ليس تنافسا سياسيا، بل بورصة رخيصة تفوح منها رائحة المقايضة بالكرامة الآدمية؛ حيث تحولت قطاعات واسعة من الشباب والمتعلمين، بل وحتى من يُسَمَّون نُخَبا من أقلام مستأجرة ومؤثرين وأشباه مثقفين، إلى مرتزقة جسمانيين وإعلاميين يدافعون عن مرشحي الفساد والنفوذ بوقاحة منقطعة النظير وعدوانية لفظية وجسدية تعكس ترسيخ ثقافة القاع، وتطبيعا تاما مع الإذلال حيث لم يعد الناخب يخجل من بيع صوته بل صار يتباهى بالريع اللحظي، بينما تفنن تجار الانتخابات في تحويل العملية الديمقراطية إلى سوق أسبوعي للذمم.
وحسب تجربتي الشخصية في جميع الاستحقاقات التي ساهمت فيها إلى حدود انتخابات1997 التي ” تفبرك ” من خلال نتائجها ما سمي ب ” حكومة التناوب التوافقي”. فقد تجلى هذا الحضور المعنوي لقيم الكرامة والأنفة وعزة النفس لدى عموم المواطنات والمواطنين، بغض النظر عن الحماس والاقتناع لدى المناضلات والمناضلين في ما يلي :
أولا من النادر جدا أن تجد في صفوف احزاب الإدارة، وأصحاب المال، مناصرون من المثقفين والمتعلمين والفئات التي اكتسبت حدا أدنى من محاربة الأمية، الذين كانوا يعتبرون انخراطهم إلى جانب هؤلاء، نوع من الحط من كرامتهم. وحتى من يجدون أنفسهم، تحت إكراهات سلطوية، أو قرابات عائلية، أو إغراءات مشجعة، يمارسون مناصرتهم بنوع من الخجل والحياء ومحاولة التستر والتخفي والتبرير.
ثانيا من المستحيل أن تجد مثقفا، أو مفكرا، أو مبدعا في أي فن من الفنون، أدبا أو موسيقى أو مسرحا، أو تشكيلا، يعلن مساندته لمرشحي المال والادارة وأحزابها، رغم الاغراءات السخية التي كانت تعرض عليهم، وذلك كله صونا لكرامتهم الشخصية، وعزة نفسهم وأنتفتهم.
ثالثا من المستحيل أيضا، إن تجد طالبا جامعيا، أو شاب له حد أدنى من التعلم، يناصر مرشحا من المحسوبين على الادارة وأصحاب المال. إلا في حدود ضئيلة جدا يكون سببها، قرابة عائلية أو إكراهات اجتماعية قاسية. وفي هذه الحالة يكون التكتم والخجل هو ما يطبع هذه المناصرة.
رابعا في الأحياء الفقيرة والأكثر فقرا، كما في البوادي والهوامش، حيث يهيمن التحكم السلطوي وإغراءات المال، كان المواطنون والمواطنات، يهمسون في آذاننا، خوفا وتأكيدا لكرامتهم، بتلك المقولة الشهيرة للمرحوم عبد الرحيم بوعبيد ” أموالهم حلال علينا، وأصواتنا حرام عليهم “. ولذلك كانت السلطة تلجأ في هذه الدوائر بصورة خاصة، إلى التزوير الفاضح والمكشوف.
أما الحملات الانتخابية الأخيرة، فلقد أبانت فعلا، أن مغرب الأمس، ليس هو مغرب اليوم بشكل مغرق في التراجع القيمي والأخلاقي، واندحار فظيع لقيم الكرامة والأنفة وعزة النفس. ولعل 20 سنة الأخيرة، قد كان لمتغيراتها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فعل سحري في بناء جيل جديد من المواطنات والمواطنين، تخترقهم ببشاعة قيم الرداءة والضحالة والانتهازية والوصولية والانبطاح والهرولة نحو المكاسب الرخيصة والبئيسة، دون أي إحساس بضرورة حماية كرامتهم، وبانقياد مهول نحو القبول بالإذلال والاحتقار.
ويشترك في هذا الوضع المزري، جموع من الشباب، وعدد كبير من المتعلمات والمتعلمين، وبعض النخب من “المثقفين” و”المفكرين” و “المبدعين” الذين رأيناهم يجيشون الحملات الانتخابية لأصحاب المال والنفوذ والسلطة، بجميع الوسائل التي يتوفرون عليها، جسديا وإعلاميا وتواصليا. والفظيع في الأمر، أنهم يمارسون مناصرتهم، ب “سنطيحة” ليس فيها أدنى ذرة خجل، بل في كثير من الأحيان بعدوانية شرسة، بالجسد والسب والشتم والقذف، بلغة رديئة شفويا وبالمكتوب. وفي ذلك إعلان صارخ ان مغرب الأمس الذي طبعته الكرامة والأنفة وعزة النفس، قد انتهى إلى غير رجعة، وأننا أمام مغرب جديد يتعين معرفته علميا، بالبحوث السوسيولوجية والسيكولوجية وغيرها من العلوم الانسانية الأخرى.
وما يحدث اليوم ليس قدرا محتوما ولا انحرافا عرضيا، بل هو ثمرة عشرين سنة من تدمير أدوات التأطير من مدرسة وحزب ونقابة وأسرة لصالح اقتصاد الريع وتجهيل المجال العام. وهذه الشهادة ليست بكاء على أطلال الماضي وليست بحثا بيزنطيا في مسؤوليات المؤسسات، بل هي ناقوس خطر يعلن أن مغرب الغد إما أن يقوم على قاعدة الكرامة أولا كحق مقدّس، أو سينتهي إلى دولة مقاولات انتخابية تديرها شبكات المال الحرام والخواء الرمزي، ما يفرض علينا التعامل مع هذا السقوط كجراحة سوسيولوجية ونفسية لا مجرد ملاحظات عابرة.
ويمكن تلخيص مظاهر هذه “الأزمة التاريخية ” في ما يلي:
- الانهيار الأخلاقي وسقوط الرمزية والخطاب، حيث تتم شخصنة الصراع والشائعات الرقمية مما يحول الحملات من النقاش حول البرامج إلى استخدام “الذباب الإلكتروني” وفبركة التسجيلات أو استباق الخصوم بفضائح شخصية.
يضاف إلى ذلك ويؤطره، شراء الذمم الفج (المال الانتخابي) وانتقال الرشوة الانتخابية من الأشكال الضمنية إلى التوزيع المباشر للسلع، أو استخدام الدعم الاجتماعي والجمعوي كمظلة انتخابية موسمية. بما يسمح بتبخر الوعود وإطلاق وعود وهمية بخفض التضخم أو توفير الملايين من الوظائف دون سند مالي أو إداري، مع علم مسبق باستحالة تطبيقها.
- الانهيار المجتمعي وتفكيك الروابط والاصطفافات الوازنة، حيث تهيمن تغذية الاستقطاب الهوياتي أو الجهوي واللعب على وتر الجهوية، القبيلة، أو التفرقة الفئوية (مدن مقابل قرى، أغنياء مقابل فقراء) لضمان أصوات صلبة. مما يغذي فقدان الثقة المطلقة وتوليد شعور جمعي بأن “الكل فاسد”، ويؤدي إلى العزوف العريض أو العدمية السياسية، وانعكاس ذلك على الأسرة والنقاش العام حيث تتحول النقاشات إلى توترات اجتماعية مصغرة. فما في تسليع الناخب والتعامل مع المواطن كرقم استهلاكي يُشترى صوته يوم الاقتراع ويُنسى طيلة الولاية الانتخابية.
- الانهيار الاقتصادي بتنمية الشعبوية والتدمير المالي الشيء الذي يعكسه استنزاف الموارد في الدعاية بضخ أموال طائلة (تتجاوز الأسقف القانونية عبر التمويل الخفي والمشبوه) في حفلات الصخب واللافتات، بينما تعاني البلاد من أولويات تقشفية أو أزمات معيشية. وكل هذا مصحوب بوعود تدميرية للموازنة كطرح مقترحات ضريبية أو دعم عشوائي غير مدروس بهدف استمالة الناخبين، مما يهدد الاستقرار المالي للدولة على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
مما يغذي اقتصاد الريع الانتخابي بمنح رخص أو امتيازات استثنائية أو وعود بمشاريع بنية تحتية وهمية لرجال أعمال مقابل تمويل الحملات.
وخاتمة المعضلات هو الانهيار الثقافي وسيادة تفاهة الخطاب وتغييب العقل، حيث تسود سياسة الفرجة والتفاهة واختزال النقاش العميق حول السياسات العامة في مقاطع قصيرة صاخبة، رقصات، أو شعارات شعبوية فارغة تروم إلى تقديس الزعيم وتهميش الكفاءات وتراجع مكانة المفكر، البرامجي لصالح وجوه صاخبة إعلامياً قادرة على افتعال الجدل. بما يرافق ذلك من تراجع اللغات الفكرية والسياسية وانحسار المفاهيم الكبرى (الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، التنمية المستدامة) لصالح لغة “الخدمات الضيقة” والمطلبية الفردية.
هذه المظاهر ليست سوى انعكاس لأزمة بنيوية أعمق تتعلق بانهيار الأحزاب كمدارس للتربية السياسية، وتحول الانتخابات في كثير من السياقات إلى “آلية لإضفاء الشرعية الشكلية” بدلاً من كونها “أداة تعاقد حقيقي”.
إن هذا إعلان صارخ ان مغرب الأمس الذي طبعته الكرامة والأنفة وعزة النفس، رغم الفقر والأمية قد انتهى إلى غير رجعة، وأننا أمام مغرب جديد يتعين معرفته علميا، بالبحوث السوسيولوجية والسيكولوجية وغيرها من العلوم الانسانية الأخرى. وهذا المقال، هو مجرد ملاحظات، أملتها التجربة الشخصية الميدانية، وليس دراسة علمية، ولكنه دعوة إلى فهم المتغيرات الجذرية التي عرفها واقعنا السوسيواقتصادي، والسوسيوثقافي، والتي بدون فهمها واستيعابها، لا يمكن بناء الاستراتراتيجيات لمغرب ممكن تكون فيه كرامة الانسان على رأس الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
