عندما يتحول النضال إلى مطية ويصبح الاسترزاق عقيدة..

عندما يتحول النضال إلى مطية ويصبح الاسترزاق عقيدة..

شهادة عن انكسار نبل النضال المبدئي

عبد الرحيم التوراني

         إلى عبد الله المالكي.. وإلى الشقيقتين أزغار.. وإلى كل ظلال درب مولاي الشريف والكوربيس الذين نجوا من مقاصل الجلاد ليذبحوا بصمت على عتبات الرفاق… إلى أرواح لم تطلب من النضال غير الكرامة، فباعها سماسرة المبادئ في سوق النخاسة السياسية.

         لا تتمثل قمة العزلة في تلك اللحظة التي يطبق فيها السجان باب الزنزانة عليك، بل في الظرف الذي يشرعه لك شريك القضية، لتتحول عنده من بطل في خطبه إلى خادم لسخرته.

تظهر وثائق التاريخ الميداني أن أفواجا متعاقبة تدفقت من الكفاءات والأطر داخل البناء التنظيمي للاتحاد الوطني/الاشتراكي للقوات الشعبية، أفواج قدّمت زهرة شبابها ودمائها قرابين لمبادئ قضى لأجلها شهداء كبار.. المهدي بنبركة، وعمر بنجلون، وعمر دهكون، ومحمد كرينة… وقائمة طويلة من الشهداء لا يتسع لها مداد…

أعمار استنزفت في زنازين السجون، ومناضلون احتضنت أجسادهم مخافر التنكيل السرية، من درب مولاي الشريف والكوربيس بالدار البيضاء، إلى كوميسارية المعاريف بشارع إبراهيم الروداني، ناهيك عن دهاليز استحدثت في ظلمات الذاكرة لقهر إرادة البشر.

محطات صدام معلنة ضد أدوات السلطة، حظر فيها التنظيم الاتحادي مرارا واستنزفت أحشاؤه في حملات تفتيش واعتقال متلاحقة: “مؤامرة يوليوز 1963″، “محاكمة مراكش 1969″، “أحداث مولاي بوعزة 1973″، وصولا إلى “انتفاضة 20 يونيو 1981″… حصيلة أسفرت دائما عن معتقلين سياسيين وأسر منكوبة، وإبعاد تعسفي وانتقامي من الوظيفة العمومية.

وفي كل جولة تفاوض كان الحزب يسعى لفك أسر معتقليه، غير أنه حينما كان الجهاز الحاكم يفرض استبعاد فصائل أقصى اليسار من مناضلي “إلى الأمام” و”23 مارس”، كان الحزبيون المكلفون بالملف يستجيبون لهذا الشرط الإقصائي، في سقطة فكرية وتكتيكية يطول شرحها.

غير أن الملف الأشد إيلاما يتجلى في تقصي مصير عمليات التضامن المخصصة لنجدة عائلات المعتقلين السياسيين. إذ تكشف المعطيات عن حوادث تؤكد تراجع المعايير الأخلاقية وتعكس انحراف المبادئ وابتذال القيم، من بينها واقعة مسؤول حزبي كلف بالجمع والتوزيع، لما طرق باب زوجة معتقل اتحادي.. استبدت به الخسة أمام هيئتها، فسلّمها الدعم موهما إياها أن المبلغ مكرمة شخصية منه وليس حقا مكفولا من الحزب. وتكررت الزيارات لتصل ذروتها بقدومه ذات مساء حاملا قفة خضر ولحم وفواكه، وأخبرها أنه عائد لتناول العشاء… ولولا استغاثة الزوجة وتهديدها بفضحه، لغطت العتمة على الجريمة.

نقلت التفاصيل مسارا بين أسر المعتقلين أمام بوابات السجون، لكن التستر طوى الملف في زمن يسبق الانفجار الرقمي.

ولئن صنفت هذه الحادثة كشذوذ فردي وحالة معزولة، فإن التتبع الميداني لمصير المفرج عنهم يكشف عن نسق معقد، مناضلون واجهوا التعذيب والبطالة بعد الإفراج عنهم من المعتقلات والسجون، وحين قصدوا الحزب لترميم حياتهم، أوجد لهم الحل في المقر والجريدة والمطبعة!… لم يجلب معتقلو “محاكمة مراكش” (قضية الغيغائي ومن معه، والغيغائي هو المناضل الحبيب الفرقاني).. و”أحداث مولاي بوعزة 1973″… للاحتفاء بهم، بل لتشغيلهم في النظافة والحراسة لخدمة المشرفين على المؤسسة الحزبية!

مناضلون واجهوا أجهزة الدولة ليفسحوا المجال لاستعباد على يد الرفاق:

محمد بلماضي – محمد العروسي – محمد عواد (كندا) – محمد الألوسي بنبلة – الحسين أمرير – الحسين إيخيش -عبد الله المالكي (الناجي من الإعدام في أحداث 1973) – الشقيقتان فاطمة الزهراء وجميعة أزغار، رفيقتا عمر دهكون، اللتان انتهى بهما المطاف في أعمال الكنس والتجفاف بمقر الجريدة.

هؤلاء طوتهم المنيّة جميعا.. وبقيت آثار خيانتهم وصمة إدانة أبدية على زيف الرفاق، وجرحا يصرخ بالاتهام.. فأي فصام هذا الذي يرفع الضحايا في الأدبيات كأبطال، ويستعملهم في الواقع كعمال نظافة لمكاتب القادة الحزبيين؟!

اليوم تخيم القيادة الحالية برئاسة إدريس لشكر على هذا الإرث كطيور كاسرة وجوارح تقتات على الأنقاض والجثث، ممتصة دماء الشهداء لتسويقها في سوق المزايدات، تستغل نصاعة التاريخ وتتاجر بتضحيات مناضلي الاتحاد في مزادات السياسة. يتربع هؤلاء على مقرات الحزب ومنصاته الإعلامية بعدما حولوا الصرح النضالي إلى بورصة لبيع التزكيات الانتخابية واقتسام الدعم العمومي، يدعون الشرعية ويتحدثون باسم اليسار، بينما الواقع ينفثهم والتاريخ يبرأ من صنائعهم.

وما خفي من التجاوزات المالية والسيطرة على الواجهات النقابية والجمعوية أشد وأعظم. لقد استحالت القلعة التاريخية إلى دكان تجاري يبيع الوهم، أزيح فيه مناضلو الأمس لصالح وجوه نفعية لا تجمعها باليسار سوى المصالح الضيقة، في مشهد تراجع فيه الشرفاء لصالح طارئين على الاتحاد لا يهمهم منه سوى الريع والمكاسب.

لقد غدا النضال مطية للتكسب، وباتت أسماء الشهداء مجرد حطب توقد به خطب الاسترزاق ومزايدات “كان” و”كنت”… ذلك الفعل الناقص الذي أثبت أنه لا يحفظ عهدا ولا رفاقة، بل يتخذ درعا صلفا للتغطية على الاغتنام والافتراس والجريمة النكراء في حق حركة القوات الشعبية.

ينفخ المولى إدريس الرابع أوداجه، متكئا على بطن متكرّش أثقلته الغنائم، ويضرب بيده على طاولة العرعار صائحا: “نحن اليسار!”

فيرد الصدى من الجدران الصامتة: “بل قل: أنا الموظف المطاوع… أنا أحقر خدام الدولة… الساطي على المنح… بائع التزكيات… والخالد على أجساد الرفاق التاريخيين!”

ثم يذوب الصوت في الممرات المهجورة، محتفظا فقط بوقع أقدام طيور الصدإ وهي تتغذى على بقايا هيكل كان يوما يربك السلطة.

ألهذا يناضل المرء كي يساق رفاقه إلى العبوديّة في مقرات النضال ذاتها؟! وأي خيانة أوجع من أن يجلس السجان الأول في مقاعد الذكرى، بينما يتولى الرفيق دور جلّاد الروح والكرامة بأجر مقبوض من عرق الشهداء؟!

 أَلهذا الحد يسخَّر الدم ليصير حبرا على شيكات التزكية، وتستبدل بنادق الحرية بمكنسات السخرة في بلاط الزعماء؟!

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!