حين قاتل العرب بالبلقان: مراجعة في أدبيات الضحية والجلاد
د. زياد أسعد منصور
بعد أكثر من ثلاثة عقود على الحروب التي مزقت يوغوسلافيا السابقة، لا تزال محاكم لاهاي تكشف صفحات تجعل الصورة التي استقرت في أذهان كثيرين، وخصوصًا في العالم العربي، أكثر تعقيدًا من رواية «الضحايا والجلادين» التي صنعتها التعبئة الدينية والقومية في التسعينيات.
ففي 16 سبتمبر/أيلول 2026، أصدرت غرف كوسوفا المتخصصة في لاهاي حكمًا لافتًا بحق أربعة من أبرز قادة «جيش تحرير كوسوفا»: الرئيس الكوسوفي السابق هاشم تاتشي، وكادري فيسيلي، وريجب سليمي، وياكوب كراسنيتشي. والأربعة من ألبان كوسوفا، وكانوا من أبرز شخصيات الحركة التي قاتلت القوات الصربية واليوغوسلافية.
أدانتهم المحكمة بجرائم حرب شملت الاحتجاز غير القانوني أو التعسفي، والمعاملة القاسية، والتعذيب، والقتل. وثبتت مسؤوليتهم الجنائية عن وقائع شملت 385 محتجزًا، و303 ضحايا تعذيب، و96 قتيلًا. ولم يكن جميع الضحايا صربًا؛ فقد كان بينهم ألبان كوسوفيون اعتُبروا خصومًا سياسيين أو متعاونين مع السلطات الصربية، إلى جانب صرب وأفراد من الروما وأقليات أخرى.
وحُكم على هاشم تاتشي بالسجن 25 عامًا، وكادري فيسيلي 18 عامًا، وريجب سليمي 13 عامًا، وياكوب كراسنيتشي 25 عامًا. وفي المقابل، برأتهم المحكمة من التهم المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، وهو تفصيل ضروري لفهم الحكم بعيدًا عن الانتقائية.
الصورة التي وصلت إلى العرب
لهذا الحكم دلالة تتجاوز الأشخاص الأربعة.
ففي التسعينيات، تابع العالم العربي مذابح البوسنة، وشاهد المدنيين المسلمين وهم يتعرضون للقتل والتهجير والاغتصاب والحصار. ووصل متطوعون عرب ومسلمون إلى البوسنة للقتال إلى جانب المسلمين البوسنيين، في مناخ قُدمت فيه الحرب لدى قطاعات واسعة باعتبارها مواجهة واضحة بين «مسلمين ضحايا» و«صرب مسيحيين مجرمين».
ولم تكن الجرائم التي تعرض لها المسلمون البوسنيون وهمًا أو دعاية.
لقد أثبت القضاء الدولي جرائم هائلة ارتكبها قادة وقوات من صرب البوسنة. وأدين رادوفان كارادجيتش، الرئيس السابق لجمهورية صرب البوسنة، بالإبادة الجماعية في سربرنيتسا وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وانتهى به الحكم إلى السجن المؤبد.
وأدين راتكو ملاديتش، قائد جيش صرب البوسنة، بالإبادة الجماعية في سربرنيتسا وبالاضطهاد والقتل والترحيل والنقل القسري وإرهاب المدنيين خلال حصار سراييفو وأخذ الرهائن، وثُبت حكمه بالسجن المؤبد، وأدين إلى جانبهما عدد كبير من الضباط والمسؤولين الصرب وصرب البوسنة. هذه حقائق قضائية لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها.
لكن الحقيقة الأولى لا تجعل نقيضها صحيحًا: إدانة قادة وقوات صربية لا تعني أن كل صربي كان مجرمًا، كما أن وقوع المسلمين البوسنيين ضحايا لجرائم واسعة لا يعني أن كل فرد أو قوة قاتلت في صفهم كانت بريئة من جرائم الحرب.
أفراد وقوات من المسلمين البوسنيين ارتكبوا جرائم أيضًا
وهنا تبدأ الصفحة التي حضرت بدرجة أقل في الذاكرة العربية.
في معسكر تشيليبيتشي عام 1992، احتجزت قوات بوسنية مسلمة وكرواتية بوسنية أسرى ومدنيين من صرب البوسنة.
وأثبتت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تعرض معتقلين صرب للقتل والتعذيب والاعتداء الجنسي والضرب والمعاملة القاسية واللاإنسانية.
وأدين حازم ديليتش، نائب قائد المعسكر، بجرائم شملت القتل والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية.
كما أدين إساد لاندجو، أحد حراس المعسكر، بجرائم شملت القتل والتعذيب والمعاملة القاسية.
وأدين زدرافكو موتشيتش، قائد المعسكر، بمسؤوليته عن جرائم ارتكبها مرؤوسوه وبالاحتجاز غير القانوني للمدنيين. وموتشيتش كان كرواتيًا بوسنيًا وليس مسلمًا بوسنيًا، وهو تفصيل مهم حتى لا نستبدل تعميمًا بتعميم آخر.
أما زينيل ديلاليتش فقد بُرئ، ويجب ذكر ذلك أيضًا لأن العدالة لا تعني فقط تسمية المدانين، بل عدم وصف من بُرئ بأنه مجرم.
عندما ارتكب «المجاهدون» أنفسهم الجرائم
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر اتصالًا بالذاكرة العربية.
فقد قاتل في البوسنة مسلمون أجانب، بينهم عرب، ضمن تشكيل عُرف باسم «المجاهد» (El Mujahed)، وأصبح مرتبطًا بجيش جمهورية البوسنة والهرسك.
وتوثق آلية الأمم المتحدة للمحاكم الجنائية أن عناصر من هذه الوحدة ارتكبوا جرائم خطيرة بحق أسرى من صرب البوسنة.
وفي سبتمبر/أيلول 1995، احتجز عناصر من الوحدة 52 جنديًا من صرب البوسنة ثم أعدموهم في كامنيتسا. وتوثق ملفات الأمم المتحدة جرائم أخرى بحق أسرى، بينها القتل والمعاملة القاسية، بل وقطع رؤوس بعض الضحايا.
وهذه ليست رواية صربية عن الحرب، بل وقائع تناولها القضاء الدولي.
ويرتبط بذلك اسم راسِم ديليتش، رئيس هيئة الأركان الرئيسية لجيش جمهورية البوسنة والهرسك، الذي أدانته المحكمة الدولية بموجب مسؤوليته القيادية عن عدم اتخاذ الإجراءات الضرورية والمعقولة لمنع أو معاقبة المعاملة القاسية التي ارتكبها عناصر من وحدة المجاهد بحق الأسرى، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.
كما أدين ( أنور) إنفر حاجي حسنوفِتش، قائد الفيلق الثالث في جيش جمهورية البوسنة والهرسك، وأمير كوبورا، قائد اللواء الجبلي المسلم السابع، بمسؤوليات قيادية محددة عن جرائم ارتكبتها قوات خاضعة لقيادتهما. وانتهت عقوبتاهما بعد الاستئناف إلى ثلاث سنوات ونصف لحاجي حسنوفِتش وسنتين لكوبورا.
فماذا عن العرب الذين ذهبوا للقتال؟
هنا ينبغي أن نكون منصفين بالقدر نفسه. لا توجد قاعدة تسمح بالقول إن كل عربي ذهب للقتال في البوسنة كان مجرمًا، أو أنه كان يعرف بالجرائم التي ارتكبها بعض من قاتل إلى جانبهم. وكثيرون تحركوا تحت تأثير صور حقيقية لمذابح وتهجير واضطهاد تعرض له مدنيون مسلمون.
لكن بعد ثلاثين عامًا، تكشف الأحكام القضائية أن الرواية الدينية المطلقة التي قسمت الحرب إلى معسكر مسلم بريء ومعسكر صربي مجرم لم تكن الصورة الكاملة. بل إن بعض المقاتلين الذين حملوا اسم «المجاهدين» ارتكبوا هم أنفسهم جرائم بحق أسرى صرب. وقد أرسلوا أحيانا بدوافع استخباراتية وبتمويل من أجهزة ودول لأهداف جيوبوليتيكية.
وهنا يصبح السؤال التاريخي مشروعًا: ماذا يحدث عندما يذهب إنسان إلى حرب بعيدة لا يعرف مجتمعها ولا تاريخ صراعاتها المعقد، بعدما قُدمت إليه باعتبارها معركة بين دينه ودين آخر؟
قد يذهب معتقدًا أنه يدافع عن ضحية، ثم يجد نفسه يقاتل داخل معسكر يستطيع بعض أفراده أن يتحولوا هم أيضًا إلى جلادين.
ثم جاءت كوسوفا
وفي كوسوفا تكررت الثنائية نفسها لدى كثيرين: الصرب المعتدون في مقابل الألبان المسلمين الضحايا.
لكن المحاكمات الطويلة كشفت مرة أخرى أن الواقع أعقد.
فإدانة هاشم تاتشي وكادري فيسيلي وريجب سليمي وياكوب كراسنيتشي تعني أن قادة من جيش تحرير كوسوفا الذي قاتل القوات الصربية ثبتت مسؤوليتهم بدورهم عن جرائم حرب.
وكان بين ضحايا تلك الجرائم صرب وروما، ولكن أيضًا ألبان كوسوفيون اتُهموا بمعارضة جيش التحرير أو التعاون مع السلطات الصربية.
إذن، حتى الانتماء إلى القومية والدين نفسيهما لم يكن كافيًا لحماية الضحية عندما صنفتها سلطة مسلحة باعتبارها «خائنة» أو «عدوة».
والصرب أيضًا اعتقد كثير منهم أنهم يدافعون عن قضية مقدسة
وهذه نقطة ضرورية لفهم آلية الحرب نفسها. فالخطاب القومي والديني لا يعمل في اتجاه واحد.
كما استطاعت التعبئة الدينية أن تقنع مقاتلًا مسلمًا بأنه يدافع عن إخوته ودينه، قدم الخطاب القومي والديني الصربي الصراع لكثير من الصرب باعتباره دفاعًا عن الشعب الصربي وأرضه وهويته وتاريخه وكنيسته في مواجهة خطر وجودي.
لكن اعتقاد المقاتل بقداسة قضيته لا يجعل أفعاله مقدسة.
كان لأنصار كارادجيتش وملاديتش روايتهم عن الدفاع عن الشعب الصربي، لكن المحاكم حكمت على الأفعال والأدلة، لا على الرواية التي قدمها أصحابها عن أنفسهم.
والقاعدة نفسها يجب أن تطبق على الآخرين. فلا «الدفاع عن الأمة الصربية» يبرر قتل المدني المسلم، ولا «الجهاد» يبرر تعذيب الأسير الصربي أو قتله، ولا «تحرير كوسوفا» يبرر قتل الصربي أو الألباني الذي وُصف بأنه متعاون مع العدو.
لا يوجد شعب من جنس الملائكة ولا شعب من جنس المجرمين
بعد أكثر من ثلاثين عامًا، تعطينا أحكام المحاكم صورة لا تسمح بالتعميم: قادة وقوات من الصرب وصرب البوسنة ارتكبوا جرائم وأُدينوا.
أفراد وقوات من المسلمين البوسنيين ارتكبوا جرائم وأُدين بعض أفرادهم وقادتهم؛ قادة وأفراد من كروات البوسنة ارتكبوا جرائم وأُدينوا. قادة وأفراد من ألبان كوسوفا ارتكبوا جرائم وأُدينوا؛ وعناصر من وحدة حملت اسم «المجاهد» ارتكبوا جرائم بحق أسرى صرب.
لكن ذلك لا يعني أن الجرائم كانت متساوية في حجمها أو طبيعتها أو عدد ضحاياها. فالإبادة الجماعية في سربرنيتسا، على سبيل المثال، لها توصيف قضائي محدد لا تلغيه جريمة ارتكبها فرد أو وحدة من الطرف الآخر.
كما أن مسؤولية كارادجيتش وملاديتش لا تجعل الصربي الذي لم يرتكب جريمة مجرمًا، ومسؤولية عناصر من وحدة المجاهد لا تجعل المسلمين البوسنيين مجرمين، وإدانة تاتشي ورفاقه لا تجعل ألبان كوسوفا شعبًا من مجرمي الحرب.
وقد تصدر في المستقبل أحكام أخرى، وقد تكشف التحقيقات والأرشيفات والوثائق وقائع لم تظهر بعد. ولا يجوز إدانة أحد قبل ثبوت مسؤوليته أمام القضاء.
لكن ما أثبتته المحاكم حتى اليوم يكفي لاستخلاص درس ربما يكون أهم من أسماء جميع المدانين:
حروب القتل العرقي والديني لا تستثني أحدًا من إمكانية التحول من ضحية إلى جلاد، ولا تجعل طرفًا بريئًا لمجرد هويته، ولا تجعل شعبًا آخر مجرمًا لمجرد هويته.
ليس كل صربي مجرمًا، وليس كل مسلم بوسني ضحية، وليس كل ألباني مقاتل حرية بريئًا من الجريمة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحويل جرائم أفراد من أي من هذه الجماعات إلى إدانة جماعية لشعوبها.
فالقتل باسم الصليب لا يصبح مقدسًا، والقتل باسم الإسلام لا يصبح جهادًا، والقتل باسم القومية لا يصبح تحريرًا.
الجريمة لها فاعل، والضحية لها اسم، والمسؤولية فردية. أما الشعوب والأديان فلا ينبغي أن تُحاكم بالجملة.
وهذه ربما الحقيقة التي كان ينبغي أن يعرفها كل من ذهب إلى حرب بعيدة معتقدًا أن اسم الدين أو الأمة يكفي وحده لمعرفة أين يقف الحق وأين يقف الباطل.
