حميد برادة (1939–2026).. رحيل صحافي استثنائي حوّل “الحوار” إلى فن وذاكرة

حميد برادة (1939–2026).. رحيل صحافي استثنائي حوّل “الحوار” إلى فن وذاكرة

جمال المحافظ

       برحيل حميد برادة اليوم  السبت عن عمر 87 سنة يكون المشهد الإعلامي، قد فقد أحد عمالقته الكبار الذي راكم مسارا طويلا في حقول السياسة والثقافة والتدريس الجامعي، والتي جعلته يربط ربطا جدليا ما بين تجربته الصحافية وأدائه في الصحافة المكتوبة وبالسمعي البصري.

حميد برادة الصحافي والمثقف الذي  رأى النور في الثالث من دجنبر 1939 بطنجة، ينحذر من أسرة وطنية، تم نفيها خلال المرحلة الاستعمارية من فاس ، وترعرع في ” المنطقة الدولية، بطنجة”، وتتلمذ بالمدرسةالاسلامية الحرة التي كان مديرها آنذاك العلامة عبدالله كنون، وبعدها التحق بثانوية (ريكنولت).

ومنذ شبابه، انخرط في العمل السياسي، وانتخب سنة 1962، رئيسا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.ونتيجة نشاطه السياسي، حكم عليه بالاعدام غيابيا سنة 1963، وهو ما جعله يغادر المغرب إلى الجزائر لاجئا، قبل أن ينتقل منها الى فرنسا التي ظل مقيما بها الى حين استفادته من العفو سنة 1978  ليعود بعدها الى وطنه الأصلي.

التحق حميد برادة الحاصل على دبلوم في الفلسفة والحقوق ، والسوسيولوجيا السياسية، بمجلة “jeune Afrique ” الصادرة بباريس، وأصبح كبير المراسلين بها، قبل أن يتولى رئاسة تحرير هذه المجلة ما بين 1974 و1985. كما ظل متعاونا قارا معها، قبل أن يعين مديرا  المنطقة المغاربية والشرق الأوسط بها.

وتولى حميد برادة المؤلف الأستاذ الجامعي الذى كان قاطنا بالدار البيضاء، منذ سنة 2012، بتنشيط البرنامج الثقافي Mais Encor على القناة الثانية ما بين 2007 و2018 فضلا عن إعداد برنامجين وثائقيين الى غاية احالته على التقاعد. من جهة أخرى شارك، كشاهد في الجلسات المغلقة لهيئة الانصاف والمصالحة التي تم تأسيسها سنة 2004.

كانت الدورة 30 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط سنة 2025، قد تميزت بتقديم  مؤلفه بعنوان ” أنطولوجيا حوارات حميد برادة”، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج، سلط فيها الكاتب بالخصوص الضوء على التاريخ السياسي العربي، خاصة بعلاقته بفرنسا، ما بين سنوات 1970 و2000. كما أماط اللثام على مجموعة من “أسراره” ومنها المصادفة التي جعلته يعبر عن موقفه الرافض لحرب الرمال سنة 1963 من قلب الحزائر في نفس اللحظة التي كان الشهيد المهدي بن بركة يعبر فيه عن نفس الموقف من قلب القاهرة دون سابق تنسيق بينهما وهو ما كلفهما حكما غيابيا بالإعدام.

إن  ” أنطولوجيا ” حميد برادة، تشكل درسا بليغا في الحوار الصحافي، وهي عبارة عن كتاب يؤرخ  للأحاديث التي أجراها خلال المرحلة الممتدة ما بين 1977 و 2012،  ونموذجا تطبيقا مهنيا رفيعا لهذا الجنس الإعلامي الذي لا تخفى أهميته في ميدان الصحافة. كما أن هذه الأنطولوجيا الصادرة باللغة الفرنسية سنة 2025، هي في حقيقة الأمر أكثر من حوارات صحافية مختارة، بل هي  بمثابة إعادة تشكيل لملامح ذاكرة نشطة حول تاريخ المنطقة المغاربية والقارة الافريقية، ومسارات الأنظمة الناشئة في فجر استقلال بعدد من البلدان، كما جاء في ظهر الكتاب الواقع في أزيد من 700 صفحة من القطع المتوسط.

وبحضوره النموذجي كصحافي متخصص في الحوارات والتحقيقات، ينسج حميد برادة، علاقة حميمية مع محاوريه، من خلال قيامه باسترجاع شظايا ذاكرة متناثرة، ويستعد من خلال زمن حكى أوجها من التاريخ الغني، عبر الحفر في ثغرات الروايات الشخصية.

فمن خلال تقديمه أصوات محاوريه الذين طبعوا مرحلتهم ، برؤيتهم الخاصة، (مناضلون، كتاب، منفيون، مدانون، ثائبون، منفيون، محكومون بالإعدام من بينهم حميد برادة)، وهو ما يجعل “انطولوجيا الحوارات” التي هي ليست مجرد شهادات فقط، لكنها أيضا تكريم لمحاورين استثنائيين، وهذا التوازن الحاد، الذي يتحول فيه الحوار الصحافي إلى فن راق، وهو بلا شك الأسلوب الذي تميز به صاحب المؤلف .

ففي الوقت الذي يعود أول حوار صحافي أجراه حميد برادة، عندما كان يبلغ 37 عاما، لكن كان في هذه المرحلة العمرية يجر ورائه، حياة  أخرى، حياة نضالية، جايل خلالها عدد من وجوه اليسار المغربي، كما يذكر الكاتب والباحث والمترجم عمر برادة في مقدمة هذه الانطولوجيا التي تتضمن 35 حوارا صحافيا أجراه حميد برادة مع شخصيات من عوالم السياسة والثقافة والنضال، طبعت مراحل من التاريخ السياسي لدول مغاربية وإفريقية في مرحلة ما بعد الاستقلال.

وتصدر هذه الحوارت، التي يحتوى عليها الكتاب الصادر بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج، اللقاء مع الراحل الحسن الثاني الذي خصه بأول حديث يجريه مع صحافي مغربي، وليبولد سيدار سنغور الرئيس السنغالي الأسبق، وأحمد بن بلة أول رئيس جزائري.

فحميد برادة، كان يهوى كذلك محاورة شخصيات، تفضل الابتعاد عن الأضواء والاشتغال في الظل حيث تتضمن هذه الإنطولوجيا، حوارا مع كل من وسيلة بورقيبة عقيلة  الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، ومحمد رضى اكديرة مستشار الملك الحسن الثاني. كما اهتم في هذه الحوارات، بقادة الحركة الوطنية من الذين ناضلوا من أجل الاستقلال بالمغرب كعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري، أو بالجزائر منهم الحسين آيت أحمد  ومحمد حربي.

كما تضمن الكتاب حوارات  مع شخصيات فرنسية من الذين كانت لهم معرفة جيدة وقرب من افريقيا  مثل جان لا كوتير وميشيل جوبير وأوبيرت فيدرين. كما أجرى المؤلف عدة حوارات مع مفكرين وكتاب كعبد الله العروي ورشيد الميموني وجمال الدين بن الشيخ وآسية جبار، ومحمد الطوزي .

فمن خلال قراءة هذا المؤلف، يتضح بجلاء،  أن صاحبه يعيش السياسة كمغامرة روائية. فحواراته فضلا عن كونها توفر زادا غنيا من الأخبار، فإنها تترك مجالا لتحريك الخيال، حسب عمر برادة.

لكن يظل حميد برادة، علامة فارقة في التاريخ المغربي الراهن، وهو ما يجعل الأجيال الجديدة من الباحثين والصحفيين مطالبة بالنهل من تجربة وإنتاج قلما نجد شخصا مثله متمكن في المعرفة العميقة بنخب ومجتمعات وعقليات الفرنسيين والجزائريين والمغاربة، حسب الجامعي والباحث في العلوم السياسية محمد الطوزي في معرض مساهمته في قراءة للإنطولوجيا في لقاء مجلس الجالية المغربية بالخارج بالمعرض، والذي أشاد فيه أيضا بمهنية  الكاتب العالية وعلى مصداقيته و تقيده بضبط المعطيات والتأكد من المصادر قبل نقلها إلى الجمهور ..

حميد برادة تحدث في ذات اللقاء عن مساره السياسي والنضالي، وعمله كصحافي في فرنسا وفي المغرب، موضحا أن ما ميز تجربته هو ” الحرية في الدفاع عن الأفكار حتى وإن كانت لا تحظى بالقبول”. كما توقف عند عدة محطات من التاريخ السياسي الوطني، والسياقات التي رافقت إعداده للحوارات التي أجراها، وبعض الذكريات التي جمعته مع أهم الشخصيات التي احتك بها في مساره المهني الطويل.

إن من شأن حوارات برادة – كما هو شأن الكتابات الصحافية – أن تسعف الباحثين في رصد واستقصاء وقائع التاريخ السياسي والاجتماعي والإعلامي، مع العلم أن بدايات الصحافة في غالبيتها ارتبط بالعمل السياسي والثقافي.  غير أن الكتابة في الصحافة، بصفة عامة، قد تخضع لقراءات متعددة، وتحليلات مختلفة، ويكون بعضها، خارج النص، بالتركيز على مواقف الصحافي أو الكاتب، وأحيانا متحاملة، ولا تنفذ الى عمق ما هو منشور، على الرغم من أن صاحبها قام بما يلزم وما لا يلزم حتى من ” رقابة ذاتية” واحترازات.

شارك هذا الموضوع

جمال المحافظ

باحث متخصص في شؤون الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!