الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (13)
الثقافة في برنامج جبهة القوى الديمقراطية: بين السيادة الوطنية ودمقرطة الفعل الإبداعي
المختار العنقا الإدريسي
تقدم جبهة القوى الديمقراطية تصورا أكثر التصاقا بفكرة القرب الثقافي ودمقرطة الفعل الثقافي وحقوق المبدعين؛ واستناداً إلى المنصة الرسمية للحزب، تكشف لنا القراءة أن جبهة القوى لم تترك المسألة الثقافية في هامش البرنامج، بل أدرجتها في محور مستقل تحت عنوان: “دمقرطة الفعل الثقافي والإعلامي والقوة الناعمة”. ويتضمن برنامجه 16 تدبيراً، من تعميم المرافق الثقافية إلى حرية التعبير، والأمازيغية، والقرب الثقافي، ووضعية الفنان، والتراث، والدبلوماسية الثقافية، والميثاق الوطني للثقافة، والاقتصاد الثقافي. كما يعلن برنامجه عن 100 تدبير عملي موزعة على تسعة محاور قطاعية. وهذه البنية وحدها تحمل دلالة: الثقافة هنا ليست مجرد نشاط تابع لقطاع آخر، وإنما تدخل ضمن تصور سياسي للكرامة والسيادة.
الثقافة من الحق في القرب إلى الميثاق الوطني
يكشف “ميثاق الكرامة والسيادة” أن الثقافة تحتل موقعاً مركزياً في مشروع جبهة القوى الديمقراطية، من خلال ورش “دمقرطة الفعل الثقافي والإعلامي والقوة الناعمة” الذي يضم 16 تدبيراً تنتظمها فلسفة واضحة:
- الثقافة باعتبارها حقاً في القرب: يقترح البرنامج تعميم المرافق الثقافية والمسارح ودور الشباب، وضمان الولوج إلى المنتوج الإبداعي، مع إحداث مراكز ثقافية ثابتة ومتنقلة في المدن والمناطق القروية والهامشية. وهكذا ترتبط الثقافة بالعدالة المجالية، فلا يضطر المواطن(ة) إلى الانتقال نحو المركز لممارسة حقه الثقافي. وهنا تبرز عبارة “القرب الثقافي” كأساس يفترض أن المواطن(ة) لا ينبغي أن ينتظر الثقافة في المركز، بل ينبغي أن تذهب الثقافة إليه أينما كان. وهذا ما يسهم في تحويل المسألة الثقافية من سؤال حول: “كم لدينا من المؤسسات؟” إلى السؤال عن: “من يستطيع فعلاً الوصول إليها؟”، ومن ثمة فإن العدالة الثقافية تصبح جزءاً من العدالة المجالية.
- الثقافة والحرية وكرامة الفنان: يربط البرنامج دعم الإبداع بحرية التعبير وترسيخ الهوية الوطنية بروافدها العربية والأمازيغية والحسانية والعبرية. فالثقافة ليست تراثاً وترفيهاً فقط، بل هي فضاء للتعبير عن التعدد، وهو الأمر الذي يجعل حرية الإبداع جزءاً من السياسة الثقافية. ولا يقف تصور الحزب عند البنية التحتية، بل يمتد إلى المبدع نفسه، من خلال الدعوة إلى التفعيل الكامل لقانون الفنان… الحماية الاجتماعية… تحسين الوضع الاجتماعي للفنان والمبدع. وهو أمر مهم؛ لأن السياسة الثقافية لا تُقاس فقط بعدد المسارح والمراكز الثقافية، وإنما أيضاً بشروط حياة من يصنعون الثقافة أو يمتهنونها. إذ لا يمكن أن نطالب الفنان بالإبداع المستمر، ثم نتغافل عن شروطه المهنية والاجتماعية أو نتركها معلقة.
- من السياسة الثقافية إلى “الميثاق الوطني للثقافة”: يقترح الحزب وضع مخطط استراتيجي للثقافة الوطنية وإقرار ميثاق وطني للثقافة. وهذا ليس جديداً تماماً في خطاب الحزب؛ فقد سبق له أن طرح في أدبياته الثقافية فكرة الميثاق الوطني للثقافة وربطها بتأهيل الرأسمال اللامادي والإبداع الوطني. لكن إدراج هذه الفكرة في برنامجه الانتخابي الحالي يمنحها وظيفة مختلفة تتلخص في: تحويل الثقافة من سياسات متفرقة إلى تعاقد وطني. وهنا تبرز نقطة تستحق التوقف: فإذا كانت الثقافة تحتاج إلى ميثاق وطني، فذلك يعني ضمنياً أن تدبيرها لا ينبغي أن يظل رهيناً بتغير الحكومات والبرامج الظرفية.
- الثقافة والاقتصاد والقوة الناعمة: لا يكتفي البرنامج بحق المواطن في الثقافة، بل يربطها أيضاً بالاقتصاد الثقافي والصناعات الإبداعية وفرص الشغل للشباب، وبالدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة. وهكذا يجمع التصور بين ثلاث دوائر:
- الثقافة باعتبارها حقاً للمواطن(ة).
- الثقافة صناعة مولدة للقيمة.
- الثقافة قوة ناعمة للمغرب.
وإذا كانت هذه الثلاثية هي ما يمنح الثقافة وظيفة متعددة الأبعاد، فإن الجمع بينها يجعلنا في مواجهة سؤال التوازن التالي: كيف نحافظ على الثقافة باعتبارها حقاً إنسانياً عندما تصبح في الوقت نفسه صناعة ووسيلة للإشعاع؟ فالحق الثقافي لا ينبغي أن يكون مشروطاً بأي مردودية اقتصادية أو دبلوماسية.
- الثقافة والسيادة والقوة الناعمة: إن الانطلاق من الفكرة المخصصة لدمقرطة الفعل الثقافي والإعلامي والقوة الناعمة يكشف لنا تصوراً يرى في الثقافة جزءاً من السيادة الوطنية، وهو ما ينسجم مع حضور الأمازيغية والترقية اللسانية الوطنية والتراث والذاكرة في التصور الثقافي للحزب. وهنا نشير إلى أن السيادة الثقافية، في زمن المنصات الرقمية، لا تعني الانغلاق، وإنما تعني قدرة المجتمع على إنتاج ثقافته والترويج من خلالها لصورة المغرب، واعتمادها في الحوار والتفاعل والتأثير المتبادل والتفاعل بها مع كل العالم.
الخلاصة النقدية
تقوم الفلسفة الثقافية لجبهة القوى الديمقراطية على المسار التالي: الحق الثقافي ← القرب ← الحرية ← اللغة والمواطنة ← كرامة المبدع ← التراث ← الاقتصاد الإبداعي ← القوة الناعمة ← الميثاق الوطني. وبذلك تقدم الثقافة باعتبارها سياسة عمومية مستقلة، لا ملحقاً لسياسات أخرى. ويبقى السؤال: هل يستطيع الميثاق الوطني تحويل هذه المبادئ إلى سياسة مستقرة… ممولة… قابلة للتنفيذ والقياس والمحاسبة؟
وهكذا أعتقد أن الخيط الناظم أصبح أوضح: ففي الحركة الشعبية نقرأ الثقافة من داخل مشروع بناء الإنسان والهوية والإنتاج والإبداع؛ وفي جبهة القوى الديمقراطية نقرأها من داخل مشروع الحق والقرب والحرية والتعاقد الثقافي الوطني. وهذا لا يعني أن أحد التصورين (أفضل) من الآخر، بل إن الاختلاف بينهما نفسه هو الذي يغني المقارنة التركيبية النهائية.
