2. اليسار المغربي وإدارة التعدد: هل يشكل “الفريق المشترك” بداية لقطب برلماني جديد؟
عبد الغني موصلي
بعيداً عن الحماس الحزبي أو الحسابات الضيقة، يُعيد النقاش الدائر حول تشكيل فريق برلماني مشترك بين “حزب التقدم والاشتراكية” و”تحالف اليسار” (المتشكل من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي) طرح سؤال قديم متجدد: كيف يمكن لليسار المغربي أن يحوّل تعدده السياسي إلى تأثير مؤسساتي حقيقي؟
لقد أفرزت الاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 خريطة جديدة، حيث حصل “التقدم والاشتراكية” على 19 مقعداً (بفارق مقعد واحد عن النصاب القانوني لتشكيل فريق مستقل)، بينما حصل “تحالف اليسار” على 8 مقاعد. وبجمع الطرفين يصل العدد إلى 27 نائباً، أي بفارق سبعة مقاعد فوق العتبة المطلوبة.
هذا المعطى يفتح الباب أمام صيغة يسارية تتجاوز مجرد سد العجز العددي، شريطة حسن تدبيرها.
دوافع التأييد: الانتقال من التشتت إلى الفاعلية
يرى المؤيدون للفكرة أن امتلاك فريق نيابي يمنح مكاسب متعددة:
- الحضور المؤسساتي واللوجستي: توفير إطار يتجاوز وضعية المجموعة النيابية المحدودة، مما يتيح توزيع الملفات، وإنشاء مجموعات عمل متخصصة (في الاقتصاد، الحريات، التعليم، والصحة)، وتفادي تكرار المبادرات والأسئلة الشفوية.
- توحيد الصوت اليساري: تجاوز حالة التشتت التاريخية عبر الانتقال من تعدّد الأصوات إلى تنسيق المواقف بشأن القضايا الكبرى، كالحريات، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد.
- الأمن السياسي للمبادرات: حماية المبادرات التشريعية والرقابية من التهميش المؤسساتي، وتوفير الدعم القانوني والتقني للنواب، دون الذهاب نحو انضباط حزبي صارم يلغي الاجتهاد.
هواجس المتحفظين: الهوية، والقيادة، والقرار
في المقابل، تبرز تخوفات مشروعة لدى معارضي أو المتحفظين على الخطوة:
- الخلط بين التنسيق والاندماج: خشية أن تُفرض وحدة سياسية قسرية قبل نضج شروطها، مع التأكيد على أن لكل طرف مرجعيته وتاريخه ومساره التنظيمي.
- فقدان الاستقلالية: الخوف من ذوبان الهوية الخاصة لكل مكون داخل الكتلة البرلمانية الجديدة.
- عقدة الحكامة والقيادة: التساؤل حول رئاسة الفريق، وتوزيع المسؤوليات، ومدى اعتبار ثقل الـ19 مقعداً في مقابل الـ8 مقاعد، وهل ستُعتمد آلية التوافق أم التناوب؟ وهي جزئيات قد تُتحول إلى اختبار مبكر للثقة.
الصيغة العملية: ميثاق برلماني لا اندماج حزبي
لتفادي هذه العقبات، تبدو الصيغة الأكثر واقعية هي تأسيس تحالف برلماني قائم على ميثاق محدد المدة والاختصاصات، لا يُحمّل الفريق أكثر مما يحتمل، ولا يُلزم الأحزاب بتبني مواقف تتناقض مع قراراتها التنظيمية.
ويستحسن أن يحدد هذا الميثاق بوضوح:
- القضايا الخاضعة للتصويت والموقف المشترك.
- الملفات التي يحتفظ فيها كل حزب بحريته في الاتخاذ المستقل للموقف.
- آليات التوافق والرئاسة الدورية وإدارة الخلافات.
أما بشأن التموقع بين المعارضة والأغلبية الحكومية، فيمكن للفريق أن يستمر كإطار تنسيقي برلماني حتى وإن اختلفت تقديرات مكوناته بشأن الأداء الحكومي، ما لم يتم التوصل إلى ميثاق سياسي شامل.
منطق الربح المتبادل
على الصعيد البراغماتي، يحقق الطرفان مكاسب متكافئة:
- حزب التقدم والاشتراكية: يتجاوز عقبة الـ20 مقعداً ويوسع إطاره البرلماني.
- تحالف اليسار: ينقل تمثيليته من مجرد مجموعة نيابية إلى موقع مؤسساتي أقوى داخل اللجان والدينامية التشريعية.
غير أن هذا “الربح” يشترط ألا يشعر أي طرف بأنه مجرد “ضيف” أو “أداة عدادية” لحساب طرف آخر.
الاستنتاج: تحويل الضرورة إلى فرصة
إن النجاح الحقيقي للتحالف يستدعي الانتقال من منطق الاضطرار العددي (“نتحد لأننا لا نملك العتبة”) إلى منطق الفرصة السياسية (“نستثمر 27 نائباً لصناعة قطب ديمقراطي وازن”).
فالرقم وحده لا يصنع القوة، بل تخلقها كفاءة التنسيق، والانضباط الديمقراطي، والوضوح الإيديولوجي. وإذا استطاعت الأحزاب الثلاثة صياغة إجابات دقيقة توازن بين وحدة العمل البرلماني واستقلالية القرار السياسي، فقد تشكل هذه التجربة مختبراً عملياً لبناء جسور جديدة وثابتة داخل المشهد اليساري المغربي.
