“ما الخَبَر؟”.. رثاء لشعلة انطفأتْ في “مَاجِسْتِيك”
عبد الرحيم التوراني
سأتحدث اليوم عن بعض الأرواح التي حرقها الحلم… عن تراجيديا مناضل منسي، حكاية من حكايات زمن اليسار المنكوب.
في العتمات الشفافة لأزمنة اليسار المغربي القديم، مرّت أسماء كالشهب المارقة.. أسماء أثقلت كاهلها بأحلام شاهقة بحجم وطن حر ترفرف فوقه أسطورة الكرامة والمساواة… راديكاليون متفردون حملوا الجمر في أكفهم النحيلة، ورسموا بالطبشور الثوري على جدران العتمة ملامح غد ناصع.
غير أن تلك الأحلام الرعناء ما لبثت أن تكسّرت على صخرة الواقع العنيد، فتحوّل الاندفاع الثوري إلى انكسار صامت، واختفت تلك الأجساد التي ملأت الدنيا صخبا.
رجال غيبهم الموت أو أكلهم المرض، أو عضهم الفقر بأنيابه لينسحبوا واحدا تلو الآخر إلى أرض العزلة الرهيبة، وأصابهم القول الفاجع لمحمود درويش: “تُنسَى كأنكَ لمْ تَكُن”…
غابوا فلم يتبق من أثرهم الباذخ سوى شظايا صور باهتة تسكن ذاكرة أوفياء قلة يلوكون حسرتهم في صمت.
ومن بين هذه الأرواح المنسية التي سقطت من ذاكرة التاريخ الرسمي، يتجسد أمامي الآن مصطفى الذهبي… طيف قامة مائل، ظهر فجأة في ثمانينيات القرن الماضي بحي المعاريف البيضاوي. رجل تسلل من خلف الغبار ليصير حاضرا كالقضاء والقدر بين حانات شارع إبراهيم الروداني، وتحديدا في حانة “ماجستيك”… ذلك الملاذ الدافئ الذي كان كان محرابا أدبيا للكاتب الكبير محمد زفزاف والشاعر المرهف أحمد الجوماري، ومقصدا دائما لطيور الثقافة والفن الوافدين على العاصمة الاقتصادية.
***
سرعان ما انخرط مصطفى الذهبي في النسيج اليومي لحانة “ماجستيك”. كان مربوع القد ذو سمرة آسيوية دافئة تشبه ملامح أهل بنجاب أو الهند، بشعر أملس منسدل، وجه حليق وناب مغلف بالذهب يلمع تحت أضواء الحانة الخافتة كلما تحركت شفتاه. ولأنه كان معدما لا يملك ما ينفقه على الخمرة التي استبدت به وأدمنها، فقد صار يعيش على ما تجود به كؤوس الآخرين، يقرع زجاجات البيرة وكؤوس الروج بنهم مأزوم ليهرب من واقعٍ كئيب. وأحيانا حين يشتد به العطش الروحي، كان يتطفل على طاولات الغرباء الذين يستثقلون جلوسه ويلوحون له بالانصراف.
مع الأيام سيغيب اسم مصطفى من الألسنة ليحل محله لقب عجيب: “ما الخَبَر؟”.
كانت هذه جملته الأثيرية التي تسبق أي سلام. بمجرد أن يطأ عتبة المكان، يتقدم نحو أحدهم مائلا برأسه ويسأله بنبرة جادة: “ما الخبر؟”…
لم يكن الأمر جديدا على أغلبية المغاربة الذين اعتادوا تبادل تحية “آش خبارك؟”، لكن مصطفى كان يلقيها بلغة فصحى صارمة وبعينين شاخصتين، وكأنه صحفي حربي يعود للتو من خطوط النار الأمامية، أو مراقب أممي يتقصى أنباء جبهة تتساقط فيها القلاع…
بالنسبة لي لم أكن أوليه اهتماما يذكر.. كنت أتجنب الحديث معه وأتحاشى الجواب عن سؤاله المكرر.. لقد رسمه لي الآخرون شخصا متسكعا، ثرثارا لا همَّ له سوى الظفر بكأس بيرة أو روج يسد به رمقه…
تحول مع الوقت إلى كائن منبوذ، يزدريه الزبائن ويتبرم منه النادلون، بل إن إدارة الحانة أخذت تفكر جليا في منعه من الدخول.
***
وظل الذهبي على تلك الحال، حتى جاء يوم فارق غير مجرى الرؤية تماما.
كان لدي موعد مع القيادي الاتحادي الراحل أحمد بنجلون. بعد أن احتسينا القهوة في مقهى “الصحراء” بشارع الروداني وانتصف النهار، اقترحت عليه أن ننزل إلى “ماجستيك”… وما أن ولجنا الحانة وحتى قبل أن نختار طاولتنا، التقت عينا أحمد بنجلون بعيني مصطفى الذهبي القابع في زاويته المعتادة بمعطفه الثقيل.
وفجأة.. حدث ما لم أكن أتوقعه!
استدار أحمد بنجلون وغادر المكان هروبا.. فلحقت به والذهول يكاد يعصف بي، لأجده يغالب هزة البكاء ورعشةَ الفزع.. يضع كفه على وجهه ليحبس دموعا سخينة تفجرت من أعماقه. سألته بذهول:
– أحمد.. ما بك؟ ماذا حدث؟…
رد عليّ بصوت متهدج وهو يرتجف:
– هل صاحب المعطف الثقيل.. هو مصطفى الذهبي؟
أجبته: – نعم، هو بذاته.. هل تعرفه؟
مشينا بضع خطوات في الشارع وأحمد يمسح دموعه، ثم بدأ يحكي لي عن صورة أخرى لهذا الكائن المنبوذ. تحدث عن شاب ثائر متمرد، متوهجٍ بالحماسة الثورية، كان مناضلا صلبا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. حكى كيف التقى به في أواخر الستينيات في مدينة بلغراد، عاصمة دولة يوغوسلافيا السابقة، حيث كان الذهبي من القيادات البارزة لفرع المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
قال أحمد بنجلون بصوت خنقته العبرات إنه لا يزال يحفظ تعابيره الثورية الحارقة وهو يحلم بالثورة المظفرة في المغرب، وعن تشبيهاته الخالدة للجمر الذي إذا صُبّ عليه الماء أحدث صوت النشنشة المدوية (تشششش).. كان الذهبي جمرة تتوهج قبل أن يصبّ عليها ماء الخيبة والشتات…
***
في وقت لاحق أمدني المناضل عبد الرحمان الطيار بقطعٍ إضافية من موزاييك هذه السيرة الضائعة. مصطفى الذهبي هو أحد أبناء درب غلف الأوفياء، ولد في الزنقة ذاتها التي كان يقطنها السباح الشهير “بودية”، ذلك البطل الذي فقد ذراعه وظل رغم إعاقته حارس شاطئ عين الذئاب وسيدي عبد الرحمان وأسرعهم سباحة.
ترعرع الذهبي في تلك الزنقة الشعبية، كان والده يملك مكتبةً لبيع الأدوات المدرسية والكتب، مما غذّى شغفه المبتكر بالمعرفة. ولكن عقب الحملة القمعية الشرسة التي طالت مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إثر ما عرف بـ “مؤامرة يوليوز 1963″، اضطر مصطفى إلى الهجرة نحو أوروبا لاستكمال دراسته والفرار من قبضات الأمن. وهناك انقطعت أخباره سنوات طويلة، قبل أن يعود جثةً حيةً تتسكع في بارات المعاريف…
أتذكر الآن كيف صار الذهبي يظهر في أيامه الأخيرة ببارات شارع الروداني وعنقه مطوق بجبيرة طبية ثقيلة إثر رضوض أو كسور ألمّت برقبته. كان بدنه يذبل وخطواته توهن، لكنه ظل مرابضا ومواظبا على الطواف حول كؤوسه الأخيرة، كأنه يمارس طقسا جنائزيا لدفن أوهامه.
حين سألت عنه بعض أصدقاء تلك المحطة بعد رحيله، لم أجد لدى معظمهم أي علم بسيرته الناصعة كمناضل ثوري، كان الجميع لا يذكر سوى “ما الخبر؟”.. ذلك المتشرد المهزوم الذي يتسول الكؤوس على الطاولات.
ومات مصطفى الذهبي في ظروف غامضة، ظروف التهمها الصمت ليغيب في مجهول سحيق.
غاب في صمت مريب ولفه النسيان الأبدي كأنه لم يطأ هذه الأرض يوما..
***
ليس مصطفى الذهبي سوى اسم واحد في قائمة طويلة، تضم مواكب الحالمين بالتغيير والثورة الذين انتهت بهم معارك الحياة وأيديهم تقبض على كؤوس مكسورة يسيل من بين شظاياها الحادة دم القلوب المجهدة.
ألم يكن المناضل الشيوعي محمد بن عمر لحرش مثالا آخر لهذه التراجيديا الإنسانية؟ ذلك الذي غادر البلاد يوما ليحارب في صفوف الثورة الفيتنامية، وترقى في أدغالها وخنادقها حتى بلغ رتبة جنرال متوجا بالبطولة والرفعة، لكنه ما أن عاد إلى وطنه بعد انتصار الثورة الفيتنامية حتى تقاذفته أرصفة الفراغ ليعيش بقية أيامه غارقا في الإدمان والضياع.
ولعل لحرش كان استثناء يتيما، لأن باحثا بحجم عبد الله ساعف قيّض الله له أن يخلد ذكره في كتاب توثيقي آسر.. أما مصطفى الذهبي ورفاقه الكثر الذين أكلت المنافي والجدران أجسادهم ورسائلهم، فلن يؤلف عنهم أحد أي شيء ولن يتذكرهم أحد، ولن يمر على مقابرهم المجهولة غريب أو رفيق ليرفع رأسه ويسألهم بسؤال مصطفى الأخير: “ما الخَبَر؟”.
سلام على مصطفى الذهبي وعلى محمد بن عمر لحرش.. وعلى كل الجمر الذي انطفأ في صمت دون أن يسمع أحد صوت “نشنشته”…
