انطلاق السّباق المَحمُوم الى المَنَاصِب الأثيرة والكراسي الوثيرة!

انطلاق السّباق المَحمُوم الى المَنَاصِب الأثيرة والكراسي الوثيرة!

د. محمّد محمّد الخطّابي

                   طفق العدّ التنازلي لانطلاق السّباق المحمُوم إلى المناصب الأثيرة ،والكراسي الوثيرة، وإلى بَاحَة القُبَّة النضيرة..!  تعالت الأصوات، وبُحّت الحناجر، وانتفخت المحاجر، وقُضّت المضاجع ، وتفاقمت  الشكاوي والمواجع  بالاتّهامات المتبادلة  بين المتبارين والمتسابقين  .

كلّهم يزعمُون ، كلّهم يتوقون بأن يصبحُوا  “زعماء ”  فمعنى ” الزّعيم” فى المعاجم اللغوية العربية ذاك الذي  َيزعُم زعماً وزعامةً أيّ إنه يقول  قولاً يُحتمل الصّدق أو الكذب اأو الظنّ أو الوعد  أو البهتان الذي لا يستند الى دليلٍ قاطعٍ او يقين  ثابت .

تكَاثرَ الإكتظاظ  وتفاقَمَ الازدحام

أيّها المواطنون ارفعُوا الأعلام والبنُود ، واجعلوا الرّايات، واللاّفتات، والشّعارات تخفق فى الآفاق عاليةً مثجلجلةً بالوعود  ، ولا تبالُوا بعذب الخطابة، وحلاوة البيان، وطلاوة البلاغة، ورونق الكلام الذي يعدكم فيه وبه المُتسابقون ببلوغ المرام ، وتحقيق الغايات، والأهداف التي تترى أمام أعينكم فى هذه الايام .

 تكاثرَ الإكتظاظ ، وتفاقم بين الناس الازدحام.. إنّهم يجُوبون الحواضرَ والبوادي والنواحي والارباض  عبر الحافلات، وداخل القطارات،  وعلى  صهوات الخيول ،وعلى ظهور الإبل، وعلى متن السيارات ، يُحدِثونَ لَجَباً، ودَأَباً، وصَخَباً وضَوْضاءً بين الأنام ، وكأنه وقت الإفطار قد حان بعد الصّيام.. تُرى ماذا حدث في علم الله بين البشر ؟ ما الذي أمسينا نراه  هذه الأيام في الشّوارع، والأزقة، والطرقات والدّروب من ضجيجٍ وصياح..؟

رموز الاحزاب السياسيّة  في مضامير السّباق

 الناس في حيرةٍ، وقلقٍ من أمرهم، في شدوهٍ، واندهاشٍ، وانبهارٍ في الغدوّ والرّواح . الكلّ يركض، ويُهروِل في كلّ الاتجاهات، وفى كلّ ساحةٍ وبراح.. لقد أزِفَ موعدُ الانتخابات وآن الأوان.. ودنا وقتُ المُواجهات، والاتّهامات، والإختبارات والرّهان، حيثُ يُعزّ المرءُ فيها أو يُهان… لقد تحشرجتِ، وتغصغصتِ الحناجر..وكثرت الوعود، وأُغدِقتْ العطايا، وتكاثرت المطايا، والذخائر والعهود..وخفقت الأفئدة، ونبضت القلوب، وطفحت الألسنُ، والأجنان بفيضٍ من المفاخر، وازدانت بهالاتٍ من الزّينة وبرونق المظاهر ، وكثرت المطبّات، والحُفرُ، والأعطاب، في المدن والحواضر، ناهيك عن القرى، والضيعات والمداشر، لكثرة توارد الحافلات، وتكاثرسباق  السّيارات، وضجيج الدرّاجات، وازدانت الجدران والحيطان بصور رموز:  الحمَامَات، والجياد، والأسود، وفاح عطر الورود، وتوسّط الجوقة الميزان ، وبدأت الجرارات فى حرث الأرض دون أن تُحدث طحيناً، وتعالت السنابل الشّامخات، والمليئة منها تنحني تواضعاً وتودّداً ، وخبا نور المشكاة، وانحسرت فسحة الأمل، وتوارت الشمس، واغلقت الكتب، وصاحت الدّيكة، وانطلق الفلك يشقّ عُبابَ البحار واليمّ والأنهار، وفي الطريق غير السيّار تسرع الحافلة الزرقاء.. ووو .!

عباد الله إليكم أدعو

عباد الله، إليكم أدعُو لتعُوا .. كثير من بني طينتنا  قبلكم قد خُدعُوا.. فافتحُوا أعينَكم وألبابَكم وتشجّعُوا.. إنهم يسعونَ أن يُصبحُوا مُمثّليكم فلا تتراجعُوا!.. ضَعُوا أصواتكم، وآراءَكم في الصناديق الشفافة، وتدافعوا، وإذا أكلتم، وتفكّهتم، فانتشرُوا، وافرنقعُوا، وجُوبُوا في أرض الله الواسعة، وترقّبوا، وانتظرُوا يومَ  العدّ والحِساب، والفرز والإحصاء الدقيق لتنفعُوا وتستنفعُوا !.

خصُومُكم الأبعدُون والأقربون يُجيدون اللّعبة، إنّهم بارعون في حبكها إلى درجةٍ تحار معها وبها الفِكَر، وتزيغ لها العقول، لديكم الكلمة التي كنتم فيما مضى أسيادها، وأربابها، كنتم تكتبونها بماء الذّهب والّلجين، ولكنّكم لا تعرفون كيف تحافظون على توازنكم واعتدادكم، جرَفتكم تيّارات الكلمات حتى نسيتم أو تناسيتم قضاياكم، وقضايا مواطنيكم، لقد وضعتم المناشير، وطبعتم المطبوعات، وأعددتم البرامج، ورسمتم الصّور المُعبّرة، ونمّقتم الرّموز السياسية المُوحية، والشعارات المُوفية، ونظمتم الأشعارَ والأزجال، وسطّرتم الملاحمَ، تدافعون فيها وبها عن  نواياكم وآمالكم، وتطلعاتكم، وَتَوْقكم للأعالي السّامقات، وتواترت، وتوتّرت معاناتكم من أجل الظفر في هذه السّباقات، والفوز في هذا اللحاقات، وبلوغ الأماني والأمنيات، والأمالي والمعالي التي تتوالى نصب أعينكم، ولا من حسيب ولا من رقيب.

الماضي فاتَ والمُؤمّل غيبٌ!

إنكم ما فتئتم موثوقين إلى ماضيكم العتيد، وعزّه المجيد، ما زلتم أسرى أنفسكم، وما سيطر وهيمن عليها منذ سنوات طويلة خلتْ، وعقود متعاقبة مَضتْ، ومنذ عقود وقرون انصرمت في حبّكم للكلم المُنمّق، وهيامكم بالبلاغة المُوشّاة، حتى حادت بكم المُواجهات إلى مشاكسات جانبيّة، حزبية ضيّقة تغلب عليها المصالح،الصّالح منها أو الطالح، ليس لتباينكم حول المضمون، بل في اختلافكم على الشّكل في نضالكم، وتفانيكم في الذود والدفاع عن حقوق مواطنيكم، وصَون متطلباتهم الضرورية، وكلّ ما يمتّ إليهم من صلة في القضايا، والحقوق، والسّجايا، والمزايا، والمنافع، والبُعد عن العقوق، حتى إن اقتضى الحال فإنكم لا تتورّعوا من استعمال البيادق، والبنادق، والأنفاط والمدافع من فوهة الكلم.. إنكم مشهورون عند الأمم  فى بناء حضارة عريقةٍ حقّاً، ولكنّها حضارة طغى عليها الكلام ، تضاهيها، وتشابهها، وتدانيها مرتبةً حضارة الزّخرف المنمّق الذي يظهر جليّاً مُجسّماً في أعمدة بناياتكم، وقِباب دُوركم، وداخل الباذخ من بيوتاتكم، والسّامق من قصوركم، والمنيع من حصونكم ..إنّه التجسيد الحيّ لحضارة القول، ممّا شاع وذاع، وشنّف الآذانَ، وملأ الأسماع، من أنواع الأنغام، والترخيم، والأسجاع، في مختلف الضّيع، والبقاع، والأصقاع، إنّه سرّ الصناعتيْن الذي طبع حياتكم قديماً وحديثاً، وألّف عنه أجدادُكم الميامين الأسفارَ، والكتب، والمجلّدات، بشروحها، وحواشيها، وشواردها، ومتونها، وهوامشها، وتذييلاتها، وتعقيباتها.

مَنْ طلبَ المعالي سَهر الليالي!

لن يُغمض لكم جفن، ولن تأخذكم سِنةٌ ولا غفوة خلال هذه الأيام، فمَنْ طلب المعالي، سهر الليالي، وأحجية فقهاء  عن الجِدّ والاجتهاد، والعِلم والتحصيل والإسناد، تقول على سبيل الدعابة والمزاح: “إذا أردتم الكرامَه.. فقولوا للكرامه”.. أيّ قولوا (للكرىَ مَهْ)..!

 ما زال البّعض فيكم يعاني  من  طغيان العواطف على العقول، واستئثار الأحاسيس عن الأفكار… وليس عيباً فيكم أن تكونوا بلغاء.. خلال هذه الأيام أثناء حملاتكم الانتخابية السّاخنة الأوار، الحامية الوطيس، شنّفتم أسماعَنا بخُطبِكم البليغة العصماء، ودغدغتم حواسَّنا، وألهبتم حماسَنا بوعودكم الصَمّاء، في سباقكم المحمُوم إلى باحات القباب المخمليّة الفيحاء، وإلى مراتب السّؤدد والصّدارة والرِّفعة العلياء.

هذه مفخرة ومأثرة، وميمنة، ومبرّة لكم، ولا عليكم.. فالخطابة فنٌّ عريق، وإبداع أنيق، عند مختلف الأمم القديمة، وعند كلّ شعبٍ عريق.. كان مثلكم مبهوراً بإجادة فنون القول.. ألم يفرد لها أرسطو كتاباً بعينه؟ بلى إنه قد فعل..! ولا بدّ، ولا جَرَمَ، أنكم حفظتموه عن ظهر قلب، وآليتم على أنفسكم أن تبلوا البلاءَ الحَسَن في حملاتكم، وها قد فعلتم.. عيبُ هذا الفنّ أنّه قديم أكل الدهرُ عليه وشرب.. وغنّى ونامَ وطرِب..! إنه يضاهي فنّ المسايفة الذي لم يعد له وجود سوى في مبارياتكم الرياضية الوطنية منها والدولية داخل القاعات المغلقة ، وهي تكاد أن تكون حاضرة في كلّ وقتٍ وحين في خلافاتكم الكلاميّة، ومشاكساتكم، وشنآتكم، ونضالاتكم اليوميّة. إلاّ أنكم مللتم، وسئمنا معكم كلماتكم المكرّرة التي طالها الوَهَن، وأصابها الدّرن، وتراخت لُحمتها، وانفرط عِقدُها، وأصبح بعضُها يثير فينا وفى أنفسنا اشمئزازاً، وقرفاً، وتقزّزاً،  وضنكاً، وكدراً، وازدراءً وسخريةً لا حدّ  لها ولا حدودَ !.

(ما أحلىَ الرّجوع إليه)!

إنّها جعبة الأيام، أو لعبة “الشطّار” التي يهيم بها الأنام، أو فلنقل لعبة “الشطرنج” التي يُغري فيها البعضُ ببيادق عديمة القيمة والجدوى، لينالوا مبتغاهم في تحقيق الأهداف الحزبية، وبلوغ الغايات السياسوية المنشودة للعودة إليه.. أو الرجوع إليه.. وقديماً، صدحَ تحت سماء أرض الكنانة صوتُ مُطربة الشّرق الرّقيقة “نجاة الصغيرة” التي قالت ذات يوم بصوتها الرخيم (ما أحلى الرّجوع إليه)!

الحملات المُحتدمة لابدّ انها ستستمرّ أياماً إلاّ أنها لن تخلُو من مواجهات، واشتباكات وملاسنات.. ولن تُحترمْ، ولن تُراعَى فيها وخلالها أصول، وقواعد “لعبة الدّمقرطة” التي يتغنّى بها الجميع، ويبرع في تنميقها، وتزويقها، وتطويرها، وتمطيطها واستعمالها بكلّ ما أوتي من قوّة، وجلدٍ، وبأس، وكثافة، وزخم بدون هوادة كذلك في أحدث وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمقروءة، فضلاً عن التبليغ، والاتصال، والتواصل الاجتماعي عبر مختلف العناكب والشبكات الأثيرية التي أصبحت تَغشىَ  حياتنا المعاصرة وتملأ رؤوسَنا، وتقتحم دورَنا، وتؤمّ مقاهينا، وتغمر قاعاتنا، وتتسكّع في واحاتنا، وباحاتنا،وأحيائنا، وأجوائنا ليلَ نهار في هذا العالم الأزرق الافتراضي الأثيري الغريب.

ناهيكم عن المآدب، والولائم، والعزائم!

ناهيكم عن المآدب، والولائم، والعزائم، والمكارم، والحفلات، والسّهرات، والتجمّعات، والملتقيات، والندوات التي تقيمها الأحزاب السياسية ومرشّحوهم  المأثورون في مختلف ربوع البلاد، وأرباضها ونواحيها ، والتي دُعِيَ إليها كلّ الناس وكلّ العباد فى أقاصي البلاد .. لقد أجمعَ الجميع بالإجماع على أنها كانت فوق الوصف، وتفوق التصوّر، وقد سَمَتْ عن كلّ نقدٍ، وعلتْ عن كلّ تعليقٍ.. لأنها اتّسمت بأفخم مظاهر البذخ الباهظة، وبأنصع صُور البهرجة والزّينة الزائدة، والشئ إذا زاد على حدِّه إنقلب إلى ضدِّه كما تعلمون !.

 لقد قيّض الله لنا أن نتابع لقاءاتكم، ونرصد تحركاتكم، ونتابع مسيراتكم، ونهنأ بسكناتكم، ونصغي إلى هرَجكم، ومرَجكم، ونستمتع بمرَحكم. وكان من نصيبنا خلال هذه الحملات أن تُصَمّ آذانُنا بزمّارات ومُنبّهات سياراتكم، وحافلاتكم، وجرّاراتكم، في مختلف ربوع الوطن الغالي الحبيب من وجدة إلى طنجة، ومن طنجة إلى الكويرة، وفعلتم كلّ ما في وسعكم، وأفرغتكم كلّ ما في جُعبكم لتحقيق رغباتكم، وبلوغ أحلامهم، وأهدافهم، وإدراك مآربهم.

خلال الأيام القليلة المقبلة سوف تدغدغون عواطفَنا، وتحاولون إسعاد أنفسَنا، وإنعاش أرواحَنا، وتحريك لواعجَنا، وها قد دنا يومُ الحَسْم.. وأزفت ساعةُ الصّفر لتُفتحَ الصّناديق الزجاجيّة الشفّافة التي من المنتظر أن تُودَع في بطونها آمال شعبٍ طيّبٍ، كريمٍ، عريقٍ مِضياف فلا تخدعوه، ولا تخذلوه، وكونوا في مستوىَ المسؤولية الجسيمة، والحِمل الثقيل الذي ستضعه هذه الأمّة  العظيمة على عواتقكم، وعلى كهولكم، وعلى ظهوركم،وأكتافكم ، كونوا أهلاً لهذه الحمُولة الشّريفة .

ونختم  بالأبيات التي جاءت ذات يومٍ من أيّام الله الخوالي في المقامة الجاحظية لبديع الزّمان الهمذاني التي تقول:

لَعَمْرُ الَّذي أَلقَى عَلَيَّ ثِيَابَهُ / لَقَدْ حُشِيَتْ تلْكَ الِّثيابُ بِهِ مَجْدَا

فَتىً قَمَرَتْهُ المَكْرُمَاتُ رِدَاءَهُ / وَمَا ضَرَبَتْ قِدْحاً ولاَ نَصَبَتْ نَرْدَا

قَالَ بْنُ هِشَامٍ: فَارْتاحَتِ الجَمَاعَةُ إِلَيْهِ، وَانْثَالَتِ الصِّلاَتُ عَلَيهِ، وَقُلْتُ لَمَّا تآنَسْنَا: مِنْ أَيْنَ مَطْلُع هَذاَ البَدْرِ؟ فَقالَ:

المغربُ دَارِي / لَوْ قَرَّ فِيها قَرَارِي

لكِنَّ لَيْلِى بِنَـجْـدٍ / وَبِالحِجَازِ نَهارِي.

وأنا أقول عن حيرتي ووجودي وتنقالي هذه الأيّام بين حواضرومُدن وطني الغالي:

بتطوان أهلي والحسيمة الهَوى  وأنا  .. بطنجة و في الرّباط إخوانيِ

ولا أظنُّ النّوىَ  ترضىَ بما صنعتْ   ..  حتى تُلاقي بي أقصىَ تمسمَانِ!

شارك هذا الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!