عقلية “الهولدينغ” في التدبير السياسي

عقلية “الهولدينغ” في التدبير السياسي

عبد الرحيم التوراني

       منذ اعتلاء رجل الأعمال الثري عزيز أخنوش سدة القيادة في حزب التجمع الوطني للأحرار، عبر عملية إنزال سياسي أشبه بهبوط المظليين، خضع الحزب لنمط جديد من الإدارة، إذ جرى تسييره بعقلية التاجر ورجل الأعمال الذي يسعى إلى تحويل كل تنظيم إلى فرع إنتاجي.

لم يعد الحزب مجرد تنظيم سياسي، بل ألحق عمليا بهولدينغ “أكوا” الذي يتربع أخنوش على عرشه، ذلك التكتل الاقتصادي الذي يجمع شركات متفرقة في قطاعات المحروقات والإعلام والخدمات، ليضيف إليها قطاع السياسة باعتبارها المشروع الأهم والأكثر ربحية ونفوذا.

 تجلى هذا المنطق بوضوح في إخضاع الخطاب الحزبي والإعلامي لقواعد التسويق التجاري الصارمة. فدعاية الحزب باتت آلة صماء لا تتحرك إلا في مواسم الانتخابات لتحقيق أغراضها، وقد كلفت بتنفيذها شركات الإشهار والعلاقات العامة التي يتعامل معها الهولدينغ، أو تلك التي تشكل جزءا من بنيته المادية. ولأن هذه المؤسسات الإعلانية تفتقر بالضرورة إلى الحس السياسي والعمق الفكري، فقد تعاملت مع الحزب وكأنه منتوج استهلاكي يطلب إغراء الزبناء بشرائه، متجاهلة المعاني العميقة للعمل السياسي القائم على الإيديولوجيا والنضال الميداني.

يكفي أن نلقي نظرة فاحصة على الملصقات والمطبوعات والوسائط الإشهارية التي أصدرها الحزب خلال عهد أخنوش، وهو العهد الذي لم ينته عمليا حتى بعد الشكليات التي وصفت بالاستقالة وتنصيب محمد الشوكي خلفا له. إذ يظل هذا الأخير قريبا من وصف النكرة السياسية، وهو ما يؤكده هو بنفسه في معظم المقاطع المصورة التي يظهر فيها إلى جانب أخنوش في الاجتماعات والمؤتمرات، حيث يبدو دوره مجرد صدى أو ظل يخدم الهيكل القيادي الثابت دون أن يحمل حمولة فكرية أو سياسية مستقلة.

 في الحملات الأخيرة تفتقت عبقرية مستشاري التسويق الذين لجأ إلى خبراتهم أخنوش، عن استيراد تقنيات حديثة في مخاطبة الجماهير، من أبرزها الاستعانة بمدربين متخصصين في لغة الجسد والتواصل البصري… ألقوا نظرة على الفيديوهات التي تناوب فيها قياديون من حزب الحمامة على إعطاء التصريحات أو اعتلاء المنصات، ستلاحظون فورا كيف يتحركون جميعا بنفس الآلية المسرحية.. نفس الخطوات المحسوبة فوق الخشبة، ونفس الإشارات اليدوية المتأرجحة بين البسط والإغلاق وتوجيه الأصابع… لقد تخلى الحزب عن الطرق التقليدية التي كان يتحدث فيها السياسي من خلف خطابة متزنة، ليتبنى بدلا منها عروضا إخراجية مدروسة بالمسطرة.

 إن هذا الأسلوب يذكرنا تماما بالطرق التي يلجأ إليها المبشرون في القنوات التلفزيونية واللقاءات الاستعراضية، حيث يعتمد كليا على السيطرة السيكولوجية وجذب اهتمام الجمهور عبر الانفعالات الجسدية المنظمة بدلا من قوة الحجة ومصداقية الطرح. غير أن المشكلة التأسيسية تكمن في أن لا أخنوش ولا الفريق المحيط به يمتلكون الشفرة الحقيقية لفهم لغة الشعب المغربي، أو استيعاب عمق أزماته الاجتماعية والاقتصادية.

 إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى عروض تواصلية ولا إلى تسويق صوري يدار بآليات مقاولاتية، بل يحتاج إلى سياسات عمومية حقيقية تستجيب للواقع وتلامس تطلعات المواطنين. وإن الإصرار على قيادة الشأن العام بعقلية الربح والتسويق التجاري يؤدي إلى تأكيد حقيقة اغتراب الحزب عن الشارع، ومحاولة قيادة البلاد والعباد بأساليب تفتقر إلى صمام أمان سياسي، مما يدفع بها نحو مسارات طافحة بالمخاطر، لا يمكن لكابح الإشهار ولا لشركات التسويق أن توقف تداعياتها عندما تبلغ لحظة الحقيقة.

 إن وقوف أخنوش وأتباعه فوق خشبة الحملة الانتخابية لحزب الأحرار لم يتعد كونه رداءة في الأداء المسرحي، حيث فشل رئيس الحزب ومن معه حتى في إتقان الدور الذي رسم لهم. ظن القائمون على المشهد أن اعتلاء المنصة ومخاطبة الجماهير مجرد استعراض ميكانيكي بسيط، فإذا بالنتيجة تكشف عورات هذا التكلف، ولذا صدق الشارع المغربي حين لخص المشهد بعبارة حاسمة: “إنهم يمثلون علينا.. ولا يمثلوننا مطلقا”.

 يتجلى الخلل الأساسي في كون أخنوش والدوائر المحيطة به يجهلون الفارق الجوهري بين إدارة الفاعل في المسرح والسينما، وإدارة السياسي في المهرجانات الخطابية والحملات الانتخابية. فالعمل السياسي الميداني يتطلب قدرات لا يمكن استيرادها من شركات الإشهار.. يتطلب تلقائية نابعة من صدق الانتماء، وتعابير وجه حقيقية تعكس هموم الشارع، ونظرات عين تحصر الرهان في البناء لا في الخداع، بعيدا عن الانفعال المزيف وحركات الجسد المصنوعة داخل الصالونات.

إن الخطاب السياسي الحقيقي يبنى على الثقة والإنصات المتبادل، لا على الاستعراض الذي يفصل بين السياسي والجمهور.

 الواقع أن أخنوش وأصحابه يمارسون نوعا من السينما.. أو “السوليما” كما يسميها التعبير الشعبي بكل تهكم، تلك التي تصور لقطاتها غالبا خارج ترتيبها الزمني، وتمر عبر غرف المونتاج والتوضيب، وتعاد صياغتها بالقص والتجميع ومكياج الألوان (الميكساج) لتبدو في الصورة النهائية خالية من العيوب، لكنها في الحقيقة مجرد مشاهد وهمية مقطوعة الصلة بالحياة الواقعية للأفراد. 

فعلى من تمثلون أيها الممثلون الفاشلون؟ وتجاه من تلقون هذه البيانات الممسرحة وكراسي المسرح السياسي باتت خاوية من الجماهير المفترضة؟

يبدو أن فراغ قاعات المسرح لا يعنيكم في شيء، ولا يربك حساباتكم التجارية، فأنتم لا تسعون إلى كسب تصفيق الجماهير على كراسي المسرح بقدر ما تتسابقون بضرواة نحو الظفر بكراسي الوزارة ومراكز النفوذ ومنابع القرار…

 إنه المكر التسويقي الذي يستبدل رجل الدولة بالسياسي المُصنَّع ، ويستبدل نبل الرسالة بالنفعية المالية، متناسيا أن لحظة السدادة السياسية لا تدار بمؤثرات الشاشة ولا بشركات العلاقات العامة، بل بالصدق والتلاحم الفعلي مع تطلعات الناس.

إن ما يجتازه المشهد السياسي المغربي اليوم من تحولات سريعة ومربكة، يبعث على القلق الشديد ويشي بإرهاصات حتمية لحرائق اجتماعية وسياسية مهولة… وليس من قبيل الصدفة أو المفارقة العابرة أن يكون الحزب المهيّأ من جديد للقبض على زمام الحكومة، هو التنظيم الذي يطلق عليه الشارع وتصفه الصحافة بـ “إمبراطور المحروقات”.. في دلالة رمزية واضحة على خطورة جمع الثروة بالسلطة. إنها المعادلة الشديدة الحساسية التي تلقي بشراراتها في بيئة محتقنة، وفي غياب تام لفرق الإطفاء السياسية والوسائط الوطنية القادرة على نزع فتيل الأزمات قبل فوات الأوان.

هامش لا بد منه:

لا يعني هذا التشخيص بحال من الأحوال أن الحريرة السياسية المغربية تعود حموضتها الصارخة إلى حزب أخنوش وحده، أو أننا نبرئ بقية الفرقاء من التورط والمشاركة الفاعلة في رداءة حمّصها وكرافسها وباقي مكوناتها العصية على الهضم.

يكفي المرء أن يتأمل في لوحة المشهد العام، في صورة إدريس لشكر وهو يلملم أزرار معطفه المنتفخ خلف ذكريات البلوكاج، أو في أولئك الذين يركبون عجلات التراكتور التي يدفع بها فوزي لقجع اليوم نحو الأمام معتقدا أنه يدحرج كرة قدم في ملعب سياسي، أو في صورة حفيد علال الفاسي، نزار البركة، بحضوره الباهت وشخصيته المبهوتة، مرورا بعبد الإله بنكيران الذي بالغ في مزج العمل السياسي بالإيمان والعقيدة الدينية وشحن الخطاب بالنبرة الوعظية، ناهيك عن بقية الأسماء والرموز التي يعرفها الشارع جيدا… ناهيك عن بقية الأسماء والرموز التي يعرفها الشارع جيدا، والتي لا يستحق جلّها حتى مجرد الذكر. 

الجميع هنا يسبح في نفس الفلك، والجميع متهم ومسؤول أمام الشعب، وأمام التاريخ، وأمام الله قبل كل شيء.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!