من صدام إلى القذافي وصالح… والعودة إلى ملاديتش (الحلقة الثالثة)
د. زياد منصور
لماذا يعيد الحاضر السيئ صناعة زعماء الماضي؟
في الحلقة الأولى بدأنا من بلغراد، من راتكو ملاديتش وسلوبودان ميلوشيفيتش، ومن سؤال الذاكرة الصربية التي لم تقبل دائماً أن تتذكر الرجلين كما أراد خصومهما. وفي الحلقة الثانية انتقلنا إلى بيروت، فرأينا كيف تتحول صورة الزعيم بعد موته إلى جزء من هوية الجماعة، وكيف تستطيع الجدران والقبور والذكريات السنوية أن تمنح الموتى حياة سياسية جديدة.
لكن بقي نوع آخر من الخلود؛ نوع لا تصنعه الذكرى وحدها، ولا الاغتيالات وحدها، ولا السجن والمحكمة فقط، بل يصنعه شيء أكثر قسوة، هو فشل الحاضر.
فأحياناً لا يعود الزعيم إلى الذاكرة لأن الناس نسوا ما فعله، بل لأن ما جاء بعده جعل بعضهم يعيد النظر في كل شيء. وهنا يبدأ الحنين السياسي. وهو ليس حنيناً بريئاً، ولا حكماً نهائياً على التاريخ، لكنه حقيقة موجودة في المجتمعات التي تنهار فيها الدولة بعد سقوط الحاكم. ومن هنا نصل إلى بغداد، وطرابلس، وصنعاء، ثم نعود إلى بلغراد.
صدام حسين: حين تسقط الصورة ولا يسقط الرمز
في التاسع من نيسان 2003 شاهد العالم تمثال صدام حسين يسقط في ساحة الفردوس ببغداد. كانت الصورة مصممة تقريباً لتكون خاتمة: التمثال في الأعلى، والحشود، والمركبة الأميركية، ثم السقوط. كأن العالم كله يقول: انتهى الرجل.
لكن التاريخ لا يحب النهايات التلفزيونية النظيفة. فبعد سنوات قليلة بدأ اسم صدام يعود إلى المجال العام في صور شديدة التناقض.
بالنسبة إلى كثير من العراقيين، لا يمكن فصل اسمه عن القمع، والحروب، والسجون، والتعذيب، والقتل السياسي، والتدمير الذي أصاب المجتمع العراقي في عهده. وهذه ذاكرة حقيقية لا يجوز إنكارها أو تذويبها.
لكن، بالتوازي، ظهرت ذاكرة أخرى داخل العراق وخارجه: صدام الذي تحدى الولايات المتحدة، وصدام الذي خاض حروباً باسم العراق، وصدام الذي أطلق الصواريخ باتجاه إسرائيل، وصدام الذي ظهر في المحكمة واقفاً لا راكعاً، وصدام الذي صعد إلى المشنقة بطريقة قرأها أنصاره بوصفها ثباتاً. وهكذا عاد الرجل الذي أسقطت صوره.
لماذا عاد؟
ليس لأن العراقيين جميعاً ندموا على سقوطه؛ فهذا تبسيط سخيف. وليس لأن النظام الذي حكم العراق تحول فجأة إلى نظام مثالي في الذاكرة. بل لأن العراق بعد 2003 دخل في مرحلة شديدة القسوة: احتلال، وانهيار مؤسسات، وعنف طائفي، وتفجيرات، وميليشيات، وفساد، وانقسام، وداعش، ومدن مدمرة، وملايين البشر الذين عاشوا سنوات متتالية لا تبدو فيها الدولة قادرة على حماية الحياة اليومية.
وهنا بدأ سؤال الذاكرة يتغير. قبل 2003 كان السؤال: هل نريد صدام أم لا؟ وبعد سنوات أصبح السؤال، عند بعض الناس: هل كان العراق دولة أقوى في عهده مما أصبح بعده؟
وهنا لا يعود النقاش حول الرجل وحده، بل حول الدولة.
الحنين لا يقول دائماً إن الماضي كان جيداً
هذه نقطة جوهرية. فكثيرون يظنون أن الشخص الذي يحن إلى عهد قديم يقول تلقائياً إن ذلك العهد كان عادلاً، لكن الأمر ليس بالضرورة كذلك. فقد يقول شيئاً أكثر بساطة: كان هناك أمن، وكانت للدولة هيبة، وكان البلد موحداً، وكانت السلطة موجودة.
وهذا النوع من الحنين يظهر عادة عندما يصبح الحاضر هشاً. فالمواطن الذي يعيش الفوضى لا يقارن الماضي بالديمقراطية المثالية، بل يقارن الماضي بحياته الحالية. وهنا يبدأ الماضي في التحسن داخل الذاكرة، لا لأن الوقائع تغيرت، بل لأن معيار المقارنة تغير.
صدام العربي غير صدام العراقي
وهذه واحدة من أكثر المفارقات إثارة. ففي أجزاء من العالم العربي، عاش صدام حسين حياة رمزية ربما كانت مختلفة حتى عن صورته داخل العراق.
فالعربي الذي لم يعش القمع الداخلي العراقي كان يرى شيئاً آخر: يرى الرئيس الذي وقف في وجه الغرب، ويرى حرب الخليج، ويرى فلسطين، ويرى صورة الرجل في المحكمة، ويرى المشنقة. وهنا يتحول صدام من رئيس عراقي إلى رمز عربي؛ ليس عند الجميع، لكن عند قطاع واسع بما يكفي كي تبقى صورته حاضرة.
والسبب أن الجماعات تختار من الرجل ما يخصها. فالعراقي الذي فقد أخاً في سجن يرى سجناً، والعربي الذي لم يعرف السجن قد يرى صاروخاً على إسرائيل. الشخص واحد، لكن التجربة ليست واحدة.
الموت على المشنقة يصنع خاتمة جاهزة للأسطورة
طريقة الموت مهمة. فلو مات صدام شيخاً في منفاه، ربما كانت صورته مختلفة. لكن الإعدام صنع مشهداً أخيراً، والذاكرة تحب المشاهد الأخيرة: المحكمة، والحكم، والفجر، والحبل، والكاميرات، والكلمات الأخيرة. وهذه كلها عناصر توفر للأنصار مادة مثالية لصناعة قصة الثبات.
بالنسبة إلى خصومه، كان الإعدام نهاية حاكم مسؤول عن حقبة دامية. وبالنسبة إلى مؤيديه، أصبح لحظة تحدٍ أخيرة. ومرة أخرى، الفعل واحد، لكن الذاكرة تمنحه اسماً مختلفاً.
من بغداد إلى طرابلس
إذا كانت حالة صدام تعكس سقوط دولة تحت الاحتلال ثم إعادة تشكيل الذاكرة، فإن معمر القذافي يقدم نموذجاً مختلفاً. لقد حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود، وكانت صورته في حياته حاضرة في كل مكان تقريباً: الكتاب الأخضر، والخطب، والخيمة، والملابس الغريبة، والزيارات، والمؤتمرات، والشعارات. كانت الدولة كلها ممتزجة بصورة الرجل.
ثم جاءت سنة 2011: الثورة، والتدخل الدولي، وسقوط طرابلس، ثم مقتله. وكان يفترض أن تبدأ ليبيا جديدة.
لكن الدولة الجديدة لم تأتِ كما حلم كثيرون
بدلاً من الاستقرار، دخلت ليبيا في انقسام شديد: ميليشيات، وحكومات متنافسة، وصراع على الشرعية، وحروب داخلية، ومدن ومناطق تخضع لسلطات مختلفة، وتدخلات إقليمية ودولية. وهنا بدأت صورة القذافي تتحرك من جديد. ليس لأن كل الليبيين اشتاقوا إليه، فكثيرون لا يزالون يرونه مسؤولاً عن عقود من القمع والإقصاء، لكن ظهر خطاب آخر يقول: على الأقل كانت هناك دولة، وعلى الأقل كان الأمن موجوداً، وعلى الأقل لم تكن البلاد مقسمة بهذه الصورة، وعلى الأقل لم تكن الميليشيات تملك ما تملكه اليوم. وهنا نرى آلية الحنين السياسي بأوضح صورها.
الحاضر يستطيع أن يعيد تأهيل الماضي
هذه جملة خطيرة، لكنها صحيحة؛ فحين يفشل الحاضر، يبدأ الناس في إعادة تقييم الماضي. والذاكرة البشرية ليست محكمة مستقلة، لأنها تتأثر بما يعيشه الإنسان الآن. فإذا كان حاضره آمناً ومزدهراً، قد يصبح أكثر قسوة على ماضيه، أما إذا كان يعيش الانهيار، فقد يصبح أكثر تسامحاً معه.
وهذا لا يبرئ الحاكم السابق، لكنه يفسر لماذا يعود اسمه.
الدولة أقوى من الديمقراطية أحياناً في ذاكرة الخائف
بالنسبة إلى الإنسان الذي يعيش الفوضى، تصبح كلمة «الدولة» شيئاً مقدساً: شرطة، وجيش، وحدود، وراتب، ومدرسة، وطريق، ومستشفى، وعملة، ومؤسسات. كل ما يبدو عادياً في الدولة المستقرة يتحول إلى أمنية في الدولة المنهارة. وعندما ترتبط هذه الأشياء في الذاكرة بشخص واحد، يبدأ ذلك الشخص في الاستفادة من الحنين إلى الدولة. وهكذا يعود القذافي؛ لا يعود وحده، بل يعود معه شكل الدولة التي يتذكرها مؤيدوه.
لكن هل كانت ليبيا القذافي مستقرة فعلاً؟
نعم، بمعنى وجود سلطة مركزية أقوى بكثير من مرحلة ما بعد 2011، لكن لا ينبغي الخلط بين الاستقرار والعدل. فقد تكون الدولة مستقرة وهي قمعية، وقد تكون قوية وهي تضيّق على معارضيها.
المشكلة أن الذاكرة تختصر. تقول: كان هناك أمن، وتنسى أحياناً ثمن ذلك الأمن. أو يحدث العكس عند الخصوم، فيتذكرون القمع وينسون عناصر الاستقرار. ومن هنا تتشكل ذاكرتان، كما في كل الحالات السابقة.
صورة القذافي بعد موته ليست صورة القذافي في حياته
وهذه نقطة شديدة الأهمية. ففي حياته كان الناس يتعاملون معه باعتباره سلطة، أما بعد موته فأصبح رمزاً، والرمز يمكن إعادة تحريره.
يمكن اختيار خطابه الإفريقي، أو موقفه من الغرب، أو دعمه لحركات تحرر، أو غرابته السياسية، أو قمعه، أو النفط، أو الدولة. كل جماعة تختار القذافي الذي تحتاجه.
ثم اليمن
علي عبدالله صالح مثال آخر على كيف يعيد انهيار الدولة تشكيل صورة الرجل. حكم اليمن ثلاثة عقود، وكان بارعاً في إدارة التوازنات القبلية والعسكرية والحزبية. وكان خصومه يرونه مسؤولاً عن نظام المحسوبية والفساد وإضعاف الدولة لصالح شبكات الولاء.
ثم جاءت احتجاجات 2011، فترك الرئاسة، ودخل اليمن مرحلة انتقالية، ثم انفجرت الحرب. وتحول صالح نفسه إلى لاعب في الصراع الجديد قبل أن يُقتل سنة 2017. لكن موته لم يغلق سيرته.
عندما يصبح الماضي أقل سوءاً من الحاضر
اليمني الذي عاش قبل الحرب يستطيع أن يتذكر دولة مليئة بالمشكلات، لكن عندما يعيش بعد ذلك سنوات من الحرب والجوع والانقسام وانهيار الخدمات، يبدأ الماضي في التغير داخل ذهنه. وهو لا يقول بالضرورة: كان صالح عادلاً. قد يقول: كان اليمن موجوداً. وهذه الجملة وحدها تكفي لإعادة بناء صورة الرجل.
هنا لا يتحول الرئيس السابق إلى بطل بسبب إنجاز واحد، بل بسبب المقارنة.
الحنين إلى الدولة لا يعني الحنين إلى النظام كله
وهذا التفريق ضروري. يمكن لإنسان أن يكره فساد نظام سابق، ويشتاق في الوقت نفسه إلى الأمن الذي كان قائماً. ويمكن أن يرفض الاستبداد، ويحن إلى وحدة الدولة. ويمكن أن يكون قد شارك في الثورة، ثم يشعر بعد عشر سنوات بأن النتيجة كانت أسوأ مما توقع.
هذا التناقض ليس نفاقاً، بل هو إنساني. فالناس يستطيعون حمل حكمين متعارضين في الوقت نفسه، وهذا من أسباب صعوبة دراسة الذاكرة.
وهنا نعود إلى ميلوشيفيتش
صربيا في التسعينيات كانت فقيرة، ومعاقبة دولياً، وممزقة بالحروب. ومن السهل لهذا السبب أن نفترض أن لا أحد سيحن إلى تلك المرحلة، لكن الذاكرة لا تعمل بهذه البساطة. فميلوشيفيتش عند بعض الصرب لا يرمز إلى الفقر وحده، بل يرمز إلى الدولة التي قاومت، وإلى يوغوسلافيا، وإلى كوسوفو، وإلى 1999، وإلى رفض الشروط الغربية، وإلى مرحلة يشعر بعضهم أن صربيا كانت فيها، رغم كل شيء، أكثر سيادة.
وهنا يبدأ الحنين السياسي بالطريقة نفسها.
لكن الفارق كبير
لا ينبغي مساواة الحالات بين بعضها البعض. ميلوشيفيتش لم يكن صداماً، وصدام لم يكن القذافي، والقذافي لم يكن صالحاً، وملاديتش لم يكن رئيس دولة أصلاً. لكل حالة سياقها.
لكننا نبحث في الآلية المشتركة: كيف يعيد المجتمع بناء صورة زعيم بعد موته حين يشعر أن الحاضر لا يحقق ما وعد به؟ وهنا تصبح المقارنة مشروعة.
ملاديتش والحنين إلى الوضوح
قد يبدو غريباً أن نضع ملاديتش داخل هذا الباب، فهو لم يحكم دولة ولم يدِر اقتصاداً، لكن هناك نوعاً آخر من الحنين يمكن أن يرتبط به: الحنين إلى الوضوح.
ففي الحرب، بالنسبة إلى الجندي، يكون العالم مقسماً: جبهة، وعدو، وأمر، ودفاع، وأرض. أما في السياسة بعد الحرب، فكل شيء يتحول إلى تفاوض، وتسويات، وضغوط دولية، وانتخابات، وتنازلات.
وهنا يستطيع قائد الحرب أن يبدو في الذاكرة أكثر صفاء من السياسي المعاصر.
الجنرال لا يساوم في الصورة
حتى لو ساوم في الواقع، فهذه إحدى وظائف الأسطورة: أن تأخذ القائد من تعقيدات الحياة وتضعه في لقطة واحدة؛ واقفاً بالزي العسكري، ينظر إلى الجنود. وتصبح هذه الصورة أقوى بكثير من مئات الوثائق التي تثبت أن الحرب نفسها كانت مليئة بالمفاوضات والتراجعات والتسويات. فالرمز يحتاج إلى الوضوح، والحاضر المربك يجعل الوضوح القديم جذاباً.
هل الحنين كذب؟
ليس الحنين كذباً دائماً، لكنه انتقائي، لأن كل حنين يختار ما يريد الاحتفاظ به من الماضي. فالإنسان لا يشتاق إلى الضرائب، ولا إلى الخوف، ولا إلى الطوابير، بل يشتاق إلى الشباب، وإلى الأمن، وإلى زمن كان يعرف فيه مكانه. ولهذا ينبغي للمؤرخ أن يكون حذراً. عندما يقول الناس: كان الزمن أفضل، ينبغي أن يسأل: أفضل في ماذا؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟ فهذه الأسئلة تفكك الحنين من دون السخرية منه.
الذاكرة ليست استطلاع رأي عن الماضي
الذاكرة ليست استطلاع رأي عن الماضي، بل هي طريقة يعيش بها الناس حاضرهم، وهذه مسألة مهمة جداً. فحين يرفع شخص صورة صدام اليوم، قد يكون يتحدث عن الولايات المتحدة أكثر مما يتحدث عن العراق في الثمانينيات. وحين يرفع آخر صورة القذافي، قد يكون يتحدث عن ميليشيات الحاضر أكثر مما يتحدث عن لجان الثورة. وحين يتحدث يمني بحنين عن صالح، قد يكون يحاكم الحرب الحالية. وحين يرسم صربي ملاديتش، قد يكون يعترض على الحاضر الدولي أكثر مما يقدم حكماً تفصيلياً عن حرب البوسنة.
وهكذا يصبح الماضي لغة للحاضر.
لماذا تحتاج المجتمعات المنهارة إلى الأب القوي؟
هذه واحدة من أقدم ظواهر السياسة؛ فحين يضعف القانون، يزداد الحنين إلى الزعيم القوي. والرجل الذي كان يُنتقد في حياته لأنه يسيطر على كل شيء، قد يصبح بعد موته مرغوباً لأن لا أحد يسيطر على شيء. المفارقة قاسية، لكنها تتكرر.
وهنا لا يعود السؤال: هل كان الزعيم ديمقراطياً؟ بل يصبح: هل كان أحد يستطيع أن يمنع الفوضى؟ وهذا السؤال وحده قادر على إعادة تشكيل التاريخ.
الدولة الحديثة صنعت نوعاً جديداً من الأبطال
في المجتمعات القديمة كان البطل غالباً محارباً، أما في القرن العشرين فأصبح رئيس الدولة نفسه يستطيع أن يتحول إلى بطل عسكري وسياسي معاً. الزي، والخطب، والجماهير، والحرب، والنشيد، والعلم؛ كلها تلتصق بالشخص، وهكذا تندمج الدولة في الرجل. وعندما يسقط الرجل، يشعر الناس أحياناً أن الدولة نفسها سقطت.
هذه كانت مشكلة صدام والقذافي وصالح وميلوشيفيتش بدرجات مختلفة
كان النظام شخصانياً بدرجات متفاوتة، ولهذا لم يكن الانتقال بعد سقوطهم انتقالاً بسيطاً. فعندما تكون المؤسسات ضعيفة والشخص أقوى منها، يسقط الشخص فتظهر هشاشة الدولة. ثم يبدأ الناس في القول: كان الرجل هو الدولة. وهنا تتضاعف أسطورته.
لكن هذا ليس مديحاً للحكم الشخصي
بل ربما يكون أخطر نقد له؛ فالدولة التي لا تستطيع العيش بعد زعيمها لم تكن دولة مؤسسات قوية. وإذا أدى موت الرجل أو سقوطه إلى انهيار كل شيء، فهذا يعني أن النظام بنى الشخص أكثر مما بنى المؤسسة.
لكن العامة لا تقرأ الأمر دائماً بهذه الطريقة، بل ترى النتيجة وتقول: حين كان هنا، كانت الدولة هنا. وهكذا يتحول فشل المؤسسة إلى فضيلة شخصية للزعيم.
سقوط التمثال لا يسقط الذاكرة
هذه صورة ينبغي أن نتوقف عندها. فالتمثال جسم يمكن إسقاطه بحبل، أما الصورة في الذاكرة فلا تملك رقبة تمسكها. ولهذا كانت محاولة محو رموز الأنظمة السابقة بعد سقوطها دائماً محدودة النجاح.
يمكن تغيير اسم شارع، لكن إذا بقي الاسم في البيوت، فهو لم يمت. ويمكن إزالة صورة، لكن إن بدأ الناس يطبعونها من جديد، تكون قد انتقلت من الدولة إلى المجتمع. وهذا الانتقال أكثر خطورة على من يريد محوها.
الدولة تفرض صورة؛ الذاكرة تختارها
عندما تكون صورة صدام في كل مؤسسة لأنه رئيس الدولة، فهذا لا يخبرنا وحده عن حب الناس له. لكن عندما تسقط الدولة، وتختفي الصورة الرسمية، ثم يعيد شخص تعليقها بإرادته، يصبح معناها مختلفاً. هنا تبدأ الصورة حياة جديدة: من الدعاية إلى الذاكرة، ومن الإلزام إلى الاختيار. وهذه نقطة مهمة في دراسة الزعماء بعد الموت.
وكذلك صورة ملاديتش
لم تكن صورة ملاديتش صورة رئيس دولة مفروضة على المؤسسات، لكن عندما تظهر بعد الحرب على الجدران رغم الإدانات الدولية، تصبح إعلاناً سياسياً. وكلما كان الخارج يرفضها، زادت قيمتها عند بعض الأنصار. وهنا يتحول الرفض نفسه إلى عنصر من عناصر التقديس.
البطل الذي يحتاج إلى خصومه
هذه مفارقة تستحق أن نختم بها: الزعيم المثير للانقسام يعيش أحياناً بفضل أعدائه. فلو توقف الجميع عن الحديث عن صدام، قد يخفت رمزه، لكن خصومه يستدعونه عندما يتحدثون عن الاستبداد، وأنصاره يستدعونه عندما يتحدثون عن السيادة، وكلاهما يحفظ اسمه.
والقذافي كذلك، وميلوشيفيتش، وملاديتش. فالشخصية التي يحتاج إليها طرفان متعارضان لتفسير ماضيهما تتمتع بعمر أطول من الشخصية التي لا يحتاجها أحد.
المحكمة والسجن والإعدام لا تصنع النسيان
هذه من نتائج السلسلة كلها. ميلوشيفيتش مات في لاهاي، وصدام أُعدم، والقذافي قُتل بعد سقوط نظامه، وصالح قُتل في حرب داخلية، وملاديتش مات بعد سنوات السجن. ومع ذلك، لم ينته أي منهم في الذاكرة بالطريقة نفسها التي انتهى بها جسده. فالسلطة على الجسد شيء، والسلطة على المعنى شيء آخر.
لماذا يفشل المنتصر في امتلاك التاريخ كاملاً؟
لأن التاريخ لا يعيش فقط في المؤسسات، بل يعيش في البيوت، وفي القصص، وفي الصور، وفي المقابر، وفي الأغاني، وفي الهواتف، وفي الذاكرة العائلية.
يمكن للدولة الجديدة أن تكتب كتاباً مدرسياً، لكن الأب يستطيع أن يقول لابنه: الكتاب لا يخبرك كل شيء. وهنا تبدأ رواية أخرى.
وهل يعني هذا أن كل الروايات متساوية؟
لا. وهذا هو الخط الذي ينبغي ألا نتجاوزه. فوجود رواية شعبية لا يجعلها صحيحة تلقائياً. الحب ليس دليلاً، والكراهية ليست دليلاً، والحنين ليس وثيقة.
ولهذا يبقى دور المؤرخ ضرورياً؛ فهو يضع الذاكرة إلى جانب الأرشيف، ويسأل: أين تتفق؟ وأين تنتقي؟ وأين تبالغ؟ وأين تصمت؟
لكن المؤرخ الذي يهين الذاكرة لا يفهمها
إذا قال المؤرخ للناس: أنتم حمقى لأنكم تحنون إلى صدام، فلن يفهم العراق. وإذا قال لليبي: أنت جاهل لأنك تشتاق إلى زمن القذافي، فلن يفهم ليبيا. وإذا قال للصربي: أنت مجرم لأنك ترى ملاديتش بطلاً، فلن يفهم كيف تشكلت الذاكرة الصربية. الفهم يبدأ بالسؤال: لماذا؟
لماذا كان الأمن مهماً؟
لماذا كانت السيادة مهمة؟ ولماذا كان القصف مهماً؟ ولماذا كان انهيار الدولة صادماً؟ ولماذا أصبحت المحكمة رمزاً للغرب؟ ولماذا تحولت صورة الجندي إلى حماية؟ ولماذا تحولت المشنقة إلى بطولة؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من الشتيمة.
هنا يعود ميلوشيفيتش بقوة
إذا أردنا فهم جزء من الحنين إليه، ينبغي ألا نكتفي بالقول إنه كان رئيساً مثيراً للجدل، بل نحتاج إلى فهم صربيا بعده: كيف ترى نفسها؟ كيف ترى الغرب؟ كيف ترى كوسوفو؟ كيف ترى حروب التسعينيات؟ وكيف ترى قصف 1999؟
كلما بقيت هذه الأسئلة مفتوحة، بقي ميلوشيفيتش موجوداً.
وكذلك ملاديتش
كلما بقيت البوسنة منقسمة في الذاكرة، بقي الرجل. وكلما بقي السؤال عن جمهورية صربسكا والشرعية والهوية والضحايا، عاد الاسم. وكلما شعر صربي أن روايته عن الحرب مستبعدة، يمكن أن يعود ملاديتش رمزاً. وهكذا يعيش الرجل داخل القضية.
الزعيم لا يعيش بعد موته وحده؛ القضية تحمله
هذه خلاصة مهمة. فصدام تحمله قضية السيادة والاحتلال والدولة العراقية، والقذافي تحمله قضية انهيار ليبيا، وصالح تحمله قضية الدولة اليمنية، وميلوشيفيتش تحمله كوسوفو والناتو ويوغوسلافيا، وملاديتش تحمله حرب البوسنة وجمهورية صربسكا. كل واحد منهم مرتبط بسؤال لم يُغلق، ولهذا لا يستطيع الموت إغلاقه.
هل يستطيع جيل جديد كسر هذه الدائرة؟
ربما.. لكنه يحتاج إلى شيء أصعب من إزالة الصور؛ يحتاج إلى دولة ناجحة، وإلى مؤسسات، وإلى أمن، وإلى عدالة، وإلى تاريخ يدرس الوقائع من دون إذلال جماعة كاملة، وإلى الاعتراف بالضحايا جميعاً، وإلى قدرة على نقد البطل من دون اعتبار النقد خيانة، وإلى قدرة على الاعتراف بمظلومية الخصم من دون اعتبار الاعتراف استسلاماً.
لأن الحاضر الجيد يضعف الحنين إلى الرجل القوي
إذا شعر المواطن أن الدولة تعمل، يقل احتياجه إلى الأب السياسي. وإذا شعر أن القانون يحميه، يقل حنينه إلى القائد الذي يحميه شخصياً. وإذا شعر أن البلد يحترم نفسه، يقل احتياجه إلى زعيم يجسد الكرامة وحده.
وهكذا يكون أفضل جواب على أسطورة الزعيم ليس تشويه صورته، بل بناء حاضر لا يحتاج إلى صورته.
العودة إلى الجدار الأول
نعود الآن إلى بلغراد، إلى وجه ملاديتش، وإلى اسم ميلوشيفيتش. بعد بغداد وطرابلس وصنعاء وبيروت، لم يعد الجدار الصربي غريباً، بل أصبح جزءاً من ظاهرة أوسع. فالشعوب تحتفظ بأبطالها، والجماعات تختار من الماضي ما يساعدها على فهم الحاضر، والزعماء الذين ارتبطوا بالخوف والحرب والسيادة والدولة والمظلومية يملكون قدرة خاصة على العودة.
ملاديتش لم يكن استثناء
وكذلك ميلوشيفيتش. هما مثالان صربيان على ظاهرة إنسانية أوسع، لكن لكل ظاهرة لغتها المحلية.
في صربيا، اللغة هي: كوسوفو، ويوغوسلافيا، والناتو، والبوسنة، ولاهاي.
وفي العراق، هي: الغزو، والاحتلال، والدولة، والطائفية.
وفي ليبيا، هي: الثورة، والناتو، والميليشيات، وانهيار المركز.
وفي اليمن، هي: الثورة، والحرب، والتفكك.
وفي لبنان: الاغتيال، والطائفة، والحرب، والشهيد.
لكن الآلية واحدة في جوهرها: الجماعة تبحث عن شخص تختصر فيه قصتها. لذلك قد يكون بطلهم قاتلاً عند الآخر.
وهنا نعود إلى السؤال الأول الذي بدأت منه السلسلة: كيف يستطيع رجل واحد أن يكون بطلاً عند شعب وقاتلاً عند خصومه؟
لأن كلمة «بطل» لا تصف دائماً السجل الأخلاقي الكامل للرجل، بل تصف أحياناً الوظيفة التي يؤديها في ذاكرة جماعته. وهذا لا يلغي الوقائع، ولا يبرئ الجرائم، لكنه يفسر الظاهرة.
الذاكرة لا تعمل كالمحكمة
المحكمة تسأل: ماذا فعل؟ أما الذاكرة فتسأل: ماذا يعني لنا؟
وهذان السؤالان قد يقودان إلى جوابين مختلفين تماماً. والمؤرخ وحده مطالب بمحاولة جمعهما: أن يعرف ما فعله الرجل، وأن يفهم لماذا يعني شيئاً مختلفاً عند كل جماعة.
وربما هذه هي أصعب عدالة
أن ترى الضحية، وأن ترى أيضاً كيف يرى الخصم نفسه. أن ترفض الكذب، لكن ترفض أيضاً اختزال شعب كامل في صورة واحدة. أن تقول إن الجريمة جريمة، لكن أن تقول أيضاً إن ذاكرة الجماعة لا تختفي بقرار دولي. وأن تدرك أن السلام الحقيقي لا يبدأ عندما ينسى الناس موتاهم، بل عندما يستطيعون تذكرهم من دون الحاجة إلى قتل ذاكرة الآخر.
ملاديتش بعد النهاية
مات الرجل، لكن صورته ستبقى. ستتغير، وستضعف في مكان، وتقوى في مكان آخر. سيأتي جيل يقدسه، وجيل ينتقده، ومؤرخون يفتحون وثائق جديدة، وسيظل اسمه مرتبطاً بحرب لا تزال ذاكرتها حية.
وهذا هو الخلود السياسي: ليس أن يحبك الجميع، بل أن يعجز التاريخ عن تجاهلك.
وميلوشيفيتش كذلك
عشرين عاماً بعد موته، ما زال الرجل يدخل في نقاشات صربيا عن الماضي، والغرب، وكوسوفو، والسيادة. وهذا دليل كاف على أن الموت لم يحسم قضيته. إنه لم يعد يحكم، لكن اسمه ما زال يعمل. وهذه هي السلطة الأخيرة للزعماء الموتى.
من يملك الميت؟ ربما نستطيع الإجابة بصورة أوضح.
لا أحد يملك الميت وحده: لا المحكمة، ولا الدولة، ولا الحزب، ولا العائلة، ولا الضحية، ولا المؤيد. كل واحد يملك زاوية. أما الرجل نفسه، فقد خرج من ملك نفسه، وصار مادة للتاريخ.
لكنه يعيش حيث يحتاجه الأحياء
هذه هي الخلاصة الأهم. فالناس لا يحفظون الزعماء لأنهم يحبون الماضي فقط، بل يحفظونهم لأنهم يحتاجون إليهم في الحاضر: لكي يفسروا هزيمة، أو انتصاراً، أو ظلماً، أو انهيار دولة، أو فقدان سيادة، أو موت أب، أو هوية جماعة. وعندما ينتهي هذا الاحتياج، يبدأ النسيان.
لهذا فإن أفضل سؤال ليس: هل يستحق الخلود؟
بل: لماذا احتاجه الناس بعد موته؟
لماذا احتاج الصربي إلى ملاديتش؟ ولماذا احتاج آخر إلى ميلوشيفيتش؟ ولماذا احتاج عربي إلى صورة صدام؟ ولماذا عاد القذافي إلى ذاكرة بعض الليبيين؟ ولماذا أصبح صالح عند بعض اليمنيين رمزاً لدولة ضائعة؟ ولماذا بقي جنبلاط وبشير والصدر والحريري وحاوي ونصرالله حاضرين في لبنان بعد موتهم أو غيابهم؟
حين نجيب عن هذا السؤال، لا نكون قد برأنا أحداً، ولا أدنا أحداً، بل نكون قد فهمنا شيئاً عن الإنسان.
والإنسان لا يعيش بالتاريخ وحده
يعيش بالمعنى. والزعماء الموتى يصبحون خطيرين أو عظماء أو خالدين حين يتحولون من أشخاص إلى معانٍ.
فراتكو ملاديتش لم يعد مجرد رجل، ولا سلوبودان ميلوشيفيتش، ولا صدام، ولا القذافي، ولا صالح. صار كل منهم كلمة مختصرة في قاموس جماعة: حرب، وسيادة، ودولة، ومظلومية، ومقاومة، وخوف، وهزيمة، وكرامة. وكلما بقيت الكلمة حية، بقي صاحبها معها.
هكذا يعيش الزعماء بعد الموت
ليس في القبور، بل في المقارنة. في جملة: «كان زمانه أفضل». أو: «هو الذي حمانا». أو: «هو الذي وقف في وجههم». أو: «من بعده ضاعت الدولة». أو: “قتلوه لأنه لم يخضع”.
كل جملة من هذه تستطيع أن تمنح إنساناً ميتاً عقوداً أخرى من الحياة. ولهذا لا يكفي أن نعرف كيف مات الزعيم، بل ينبغي أن نعرف ماذا فعل الأحياء بموته. وهناك، بين الذاكرة والحاضر، تُكتب حياته الثانية.
يتبع الحلقة الرابعة والأخيرة
