الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية (6)

الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية (6)

  الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية..  الثقافة من موقع العدالة الاجتماعية والحرية

المختار العنقا الإدريسي

استهلال مدخلي:

             في البدء أقر أني سأختبر البرنامج الحزبي للاتحاد الاشتراكي في ضوء مرجعيته التاريخية والاجتماعية الديمقراطية، ثم في ضوء برنامجه الانتخابي لسنة 2026. فالبرنامج الحالي يقدم نفسه تحت شعار: “20 التزاماً من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم: إنصاف، شغل، كرامة”، ويضع الثقافة ضمن أحد أقطابه المجتمعية والثقافية. ناهيك عن أن الوثائق المنشورة للحزب تتضمن تصورات ثقافية أكثر تحديداً من مجرد الإشارات العابرة. وهو ما يجعلنا ننطلق من التساؤل التالي: هل الثقافة عند الاتحاد الاشتراكي امتداد طبيعي لفلسفة التحرر والعدالة الاجتماعية، أم أنها ما تزال مشروعاً قطاعياً يحتاج إلى أن يستعيد موقعه داخل المشروع المجتمعي الاتحادي؟

فإذا كان التجمع الوطني للأحرار قد قادنا إلى الثقافة داخل منطق الفرص والكرامة، والأصالة والمعاصرة إلى الثقافة داخل تغيير المسار، وحزب الاستقلال إلى الثقافة في تقاطع التعليم والهوية والإعلام، فإن الاتحاد الاشتراكي يفرض علينا مدخلاً مغايراً، هو: الثقافة من موقع العدالة الاجتماعية والحرية.

ذلك أن البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي لسنة 2026 لا يقدم نفسه بوصفه لائحة مطالب متفرقة، وإنما يربطه صراحة بمرجعيته الديمقراطية الاجتماعية، وبقيم الحرية، المساواة، العدالة الاجتماعية، الإنصاف المجالي، والديمقراطية المؤسساتية. ويضع “الكرامة” في قلب السياسة العمومية. ومن هنا تصبح مساءلتنا مختلفة: فإذا كانت العدالة الاجتماعية هي إحدى ركائز المشروع الاتحادي، فأين تقع العدالة الثقافية داخله؟

1- الثقافة ليست ترفاً في الفلسفة الاتحادية

لعل أقوى مدخل لقراءة الثقافة عند الاتحاد الاشتراكي هو التخلص من النظر إليها باعتبارها قطاعاً ثانوياً يأتي بعد الخبز والشغل والسكن والصحة. فالمرجعية الاشتراكية الديمقراطية التي يستند إليها الحزب تنطلق من أن الدولة لا تقاس فقط بقوة اقتصادها، وإنما بقدرتها على تقليص الفوارق وضمان الحريات وتكافؤ الفرص.

ومن هنا يمكن أن نطرح السؤال الذي لا يظهر دائماً في البرامج الاقتصادية والاجتماعية عند الكثير من الأحزاب: هل تكافؤ الفرص يشمل الثقافة؟ فإذا كان ابن المدينة يستطيع الوصول إلى المكتبة والمسرح والسينما والمعرض والجامعة والفضاء الثقافي، فإن طفل القرية أو الهامش الحضري يحرم من معظم هذه الإمكانات، وبذلك نكون أمام تفاوت لا يقل دلالة عن تفاوتات أخرى. فالعدالة الاجتماعية التي لا تصل إلى المعرفة والثقافة تظل عدالة ناقصة. ومن هنا تصبح العدالة الثقافية امتداداً طبيعياً للعدالة الاجتماعية، لا إضافة تجميلية إليها.

2- “التنمية العادلة”… وموقع العدالة الثقافية

لقد اختار الاتحاد الاشتراكي لبرنامجه الانتخابي لسنة 2026 عنواناً دالاً: “التنمية العادلة والعيش الكريم”، وربطه بشعار مكثف: “إنصاف – شغل – كرامة”. لكن التنمية العادلة لا تعني فقط عدالة توزيع الثروة والخدمات، لأن هناك أيضاً عدالة في توزيع المعرفة والرموز والفرص الإبداعية. فإذا كانت الثقافة مركزة في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس… فإن المجال القروي والجبل والهامش الحضري، يظل في موقع المتلقي المحدود، وتصبح التنمية الثقافية نفسها غير عادلة.

ومن هنا نسأل الاتحاد الاشتراكي: هل يمكن أن نتحدث عن تنمية عادلة من دون سياسة وطنية للعدالة الثقافية والمجالية؟ وإذا كانت الجهة، كما يقترح الحزب، ينبغي أن تصبح فاعلاً أساسياً في التنمية مع توزيع جهوي عادل للاستثمار العمومي، فإن السؤال الثقافي الذي يفرض نفسه تلقائياً هو: لماذا لا يكون الاستثمار الثقافي جزءاً صريحاً من هذا التوزيع؟

3- نقطة القوة الواضحة لمخطط المغرب الثقافي

فحزب الاتحاد الاشتراكي ليس جديداً تماماً على فكرة السياسة الثقافية المندمجة. ففي الوثائق المنشورة للحزب نجد مقترحاً صريحاً لـ “مخطط المغرب الثقافي”، على غرار المخططات القطاعية الكبرى، بهدف بناء قطب ثقافي ينتصر للفكر الحر والإبداع، ويحمي الهوية المغربية ويعزز التنوع الثقافي.

وهذه النقطة -بالذات- تستحق التوقف، لأنها تنقل الثقافة من منطق التدبير اليومي إلى منطق التخطيط الوطني. ويبقى الفرق بين الاثنين جوهرياً، لأن التدبير يسأل: ماذا سننظم هذه السنة؟ كم مهرجاناً؟ كم معرضاً؟ وكم دعماً؟… أما التخطيط الثقافي فيقتصر سؤاله على: أي مجتمع ثقافي نريد أن نبني خلال عشر سنوات؟ ثم ما مكان الكتاب؟ وما موقع المسرح؟ وما مستقبل السينما؟ وكيف نحمي التراث؟ وكيف نطور الصناعات الإبداعية؟ ثم كيف نضمن العدالة الثقافية؟ وكيف نؤهل المواطن(ة) للعيش في مجتمع المعرفة؟

ويبقى هذا هو السؤال الذي يضعه “مخطط المغرب الثقافي” على الطاولة.

4- الفكر الحر والإبداع… ومن هنا تتمايز الرؤية

من أكثر العبارات دلالة في التصور الثقافي الاتحادي الحديث عن “قطب ثقافي منتصر للفكر الحر والإبداع”. وهذه العبارة ليست تفصيلاً، إنها تكشف أن الثقافة في هذا التصور الحزبي ليست مجرد أداة لحماية القيم أو الهوية، بل إنها أيضاً فضاء للحرية المنشودة.

وهنا يظهر الاختلاف المهم المميز للحزب عن بعض مداخل الأحزاب التي قرأناها سابقاً. فإذا كان حزب الاستقلال يقترب من الثقافة عبر الهوية والقيم والسردية الوطنية، فإن الاتحاد الاشتراكي يضيف إلى المعادلة بقوة: الفكر الحر. وهو ما يعني أن الثقافة لا تكون حية إلا إذا سمحت بالسؤال… النقد… الاختلاف… التجريب… الإبداع. لأن الهوية التي لا تسمح بالنقد قد تتحول إلى قفص، والثقافة التي لا تسمح بالاختلاف تتحول إلى خطاب أحادي. وعطفاً عليه، نقول بأن حرية الثقافة ليست امتيازاً للمثقفين، إنها شرط من شروط حيوية المجتمع.

5- الثقافة والهوية… حماية بلا انغلاق

يؤكد التصور الاتحادي على حماية الهوية المغربية وتعزيز التنوع الثقافي. وهنا نجد صيغة أكثر توازناً من مجرد الدفاع عن هوية ثابتة. فالهوية المغربية ليست مكوناً واحداً، إنها تراكم تاريخي وثقافي ولغوي وحضاري متعدد. ولهذا فإن التنوع الثقافي ليس تهديداً للهوية، بل هو أحد مكونات قوتها.

واعتماداً عليه، يمكن أن نطرح على البرنامج الحزبي السؤال التالي: هل يستطيع أن يحول التنوع الثقافي من شعار إلى سياسة؟ بمعنى، هل تُمنح الثقافات الجهوية والمحلية فضاءاتها؟ وهل تُحفظ الذاكرة الشفوية؟ وتوثق التراث؟ وهل يجد المبدع المحلي طريقه إلى الجمهور الوطني؟ وأخيراً: هل تصبح الجهة منتجة للثقافة لا مجرد مستهلكة لمنتجات المركز؟ ولن يصبح الإنصاف المجالي ثقافياً أيضاً إلا إذا كانت الإجابة بنعم.

6- من الثقافة كحق إلى الثقافة كقوة اقتصادية

من اللافت للانتباه أن التصور الاتحادي لا يقف عند الثقافة بوصفها حقاً اجتماعياً فحسب، بل ينفتح أيضاً على الصناعة الثقافية والإعلامية، ويسعى إلى ترويج المنتوج الثقافي الوطني، وتبسيط المساطر والحوافز للإنتاج الفني، وتطوير السياحة الثقافية، وتشجيع الاحترافية في مهن الثقافة، مع الحرص على حماية الحقوق الاجتماعية للمبدعين والمهنيين.

وهنا نجد أنفسنا أمام تركيب مهم نصوغه في المعادلة:

الثقافة حق+الثقافة إبداع+الثقافة اقتصاد

وهي معادلة نعتبرها أكثر نضجاً من اختزال الثقافة في أحد أبعادها. فالثقافة لا ينبغي أن تكون عبئاً على الدولة، لكنها لا ينبغي كذلك أن تصبح سلعة لا قيمة لها إلا إذا ربحت. والمطلوب إذاً هو اقتصاد ثقافي في خدمة الإبداع، وإبداع قادر على إنتاج القيمة.

7- الكاتب، الفنان…؟-من “أصحاب موهبة” إلى أصحاب حق

يقترح التصور الاتحادي النهوض بالوضع الاعتباري والاجتماعي للفنان والكاتب، كما يربط الاحترافية في مهن الثقافة بحماية الحقوق الاجتماعية للمبدعين والمهنيين. وهذه نقطة جوهرية في فلسفة العدالة الاجتماعية. فالفنان لا ينبغي أن يكون مواطناً من الدرجة الثانية لأنه اختار مهنة الإبداع، والكاتب ليس هاوياً لمجرد أن عمله غير منتظم الدخل.

والموسيقي والمسرحي والسينمائي والمترجم والمصور وغيرهم من المهن الإبداعية، يحتاجون إلى:

  • الحماية الاجتماعية والتكوين.
  • التعاقد والملكية الفكرية.
  • التقاعد والتأمين.
  • حقوق مهنية واضحة…

ومن هنا يصبح السؤال: إذا كانت الكرامة إحدى كلمات البرنامج المركزية، فهل يمكن أن تكتمل كرامة الثقافة من دون كرامة الكاتب والمبدع… وغيرهما؟

8- ينبغي أن تبدأ العدالة الثقافية من التعليم

في برنامجه، يربط الاتحاد الاشتراكي إصلاح المدرسة بتكافؤ الفرص والانفتاح على العالم والارتقاء الاجتماعي، ويطرح الإدماج المدرسي الكامل ومحاربة الهدر والانقطاع، إلى جانب عصرنة التعليم الأولي وربطه بالتعليم الابتدائي. لكن القراءة الثقافية تدفعنا إلى إضافة السؤال التالي: أي مدرسة لتكافؤ الفرص نريد؟ هل نريد مدرسة تمنح الجميع فرصة اجتياز الامتحان؟ أم مدرسة تمنح الجميع فرصة بناء الشخصية؟ لأن الفرق بينهما جوهري.

فالمدرسة الثقافية هي التي تعطي الطفل حق الوصول إلى: الكتاب، الموسيقى، المسرح، الفن، النقاش، التفكير النقدي، والقدرة على التعبير. ولهذا فإن مشروع المدرسة العادلة لا يكتمل بمجرد العدالة في الولوج، لأنه يحتاج إلى عدالة في نوعية التجربة الثقافية التي يعيشها الطفل(ة) داخل المدرسة.

9- الإعلام…  من نقل الخبر إلى إنتاج الوعي

يتضمن التصور الاتحادي سياسة عمومية لتطوير أدوار التواصل والإعلام، كما يدعو إلى تعزيز الموارد البشرية والمالية للإعلام العمومي، وتأهيل المقاولات الصحافية وتعزيز المكاسب الاجتماعية للصحافيين. وهذا مهم، لأن الإعلام ليس مجرد قناة للمعلومة، إنه أحد أهم مصانع الوعي الجماعي.

ومن هنا تصبح السياسة الإعلامية جزءاً من السياسة الثقافية. لكن السؤال الذي نضعه هنا هو: هل المطلوب إعلام قوي فقط، أم إعلام قوي ومستقل ومتعدد وقادر على إنتاج المعرفة والنقد؟ فرغم أن الإعلام الذي يخبر المواطن يبقى مهماً، فإن الإعلام الذي يساعده على الفهم والتفكير والمساءلة هو أكثر أهمية. وهنا تلتقي الثقافة بالديمقراطية.

10- الحقوق والحريات هي البنية التحتية غير المرئية للثقافة

لعل أعمق ما يميز المدخل الاتحادي أن الثقافة لا يمكن فصلها عن الحريات. فالبرنامج الحالي يضع حماية الحقوق والحريات في صلب المشروع، ويؤكد أن الحريات ليست ترفاً يؤجل إلى حين تحسن الظروف، بل تبقى هي الشرط الذي يجعل التقدم والتنمية ممكنين.

ومنه نصل إلى قلب المسألة: فلا ثقافة حية بلا حرية الكتابة… حرية البحث… حرية التعبير… حرية الإبداع… حرية النقد… حرية الصحافة… وحرية الوصول إلى المعرفة… ولهذا فإن السياسة الثقافية لا تبدأ فقط من وزارة الثقافة، بل تبدأ من المناخ الديمقراطي الذي يسمح للثقافة بأن تتنفس. وهذه إحدى أقوى نقاط التمايز في القراءة الاتحادية.

11- هل عاد الاتحاد إلى الثقافة التي تليق بتاريخه؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر جرأة. فالاتحاد الاشتراكي ليس حزباً وليد اللحظة، لأن له تاريخاً طويلاً في الدفاع عن الديمقراطية، الحداثة، العدالة الاجتماعية، الحقوق والحريات، والفكر -رغم كل المؤاخذات عليه بعد مؤتمره الأخير-. ولذلك فإن مساءلته ثقافياً لا ينبغي أن تكون مثل مساءلة حزب حديث التكوين.

ويتبقى السؤال الذي يليق به هو: هل يستعيد الحزب في برنامجه الجديد الثقافة باعتبارها جزءاً من مشروعه المجتمعي، أم يكتفي باستعادة بعض المطالب الثقافية التي عرفها خطابه في مراحل سابقة؟ فالفرق بين الاثنين كبير، لأن الاستعادة الحقيقية تعني أن تصبح الثقافة جزءاً من نظرية الحزب في الإنسان والمجتمع والتنمية. أما مجرد إعادة طرح المطالب، مهما كانت وجيهة، فإنه لا يكفي.

12- المفارقة الاتحادية

يبدو أن الاتحاد الاشتراكي، من خلال الوثائق الثقافية المنشورة، يبقى من أكثر الأحزاب وضوحاً في تقديم هندسة مؤسساتية للثقافة: مخطط وطني، مجالس جهوية، مجلس وطني للغات والثقافة، أكاديمية للفنون والتراث، صندوق ثقافي، حماية للتراث، احتراف المهن الثقافية، وصناعة ثقافية وإعلامية.

لكن المساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند قوة المقترحات، بل تتجاوزها للسؤال عن:

  • ما ترتيب الثقافة داخل سلم الأولويات السياسية للحزب؟
  • هل تستطيع هذه المقترحات أن تصبح جزءاً من سياسة حكومية قابلة للتنفيذ والقياس، أم ستظل في مستوى التصور الثقافي الجيد؟

لأن المشكلة المغربية لم تكن دائماً في غياب الأفكار، بل كانت في كثير من الأحيان في الفصل بين الفكرة والتنفيذ.

13- الثقافة والتنمية… من “الملحق” إلى “الرافعة”

وهنا نقترب من السؤال الذي جعلناه أساس هذه القراءة كلها، خاصة وأنّا ننطلق من أن الثقافة ليست زينة للتنمية، بل هي حجرة أساس ورافعة للنهوض بالمجتمع.

والتصور الاتحادي في بعض جوانبه يقترب من هذا المنظور، لأنه لا يكتفي بالثقافة كحق، بل يتحدث عن: الرأسمال اللامادي… الصناعة الثقافية… الاستثمار… السياحة الثقافية… الاحترافية… الإعلام… التراث… وهذا جميعه يعني أن الثقافة يمكن أن تصبح منتجة للقيمة المادية والرمزية في آن واحد.

لكن المطلوب هو ألا نسمح للبعد الاقتصادي بابتلاع البعد الإنساني. فالغاية النهائية ليست أن تصبح الثقافة صناعة مربحة فحسب، بل أن يصبح المجتمع أكثر معرفة وإبداعاً وتماسكاً وقدرة على التفكير.

14- ماذا تكشف لنا فلسفة البرنامج عن الثقافة؟

إذا ابتعدنا عن عدّ فقرات الثقافة، فإن الصورة التي تظهر يمكن تلخيصها في خمس محطات هي:

  • الثقافة بوصفها عدالة: لأن تكافؤ الفرص لا يكتمل من دون تكافؤ في الوصول إلى المعرفة والثقافة.
  • الثقافة باعتبارها حرية: خاصة وأن الفكر الحر والإبداع لا يزدهران في بيئة مقيدة.
  • الثقافة هوية متجددة: لأن حماية الهوية تقترن بالتنوع والانفتاح وليس بالانغلاق.
  • الثقافة بوصفها اقتصاداً: من خلال الصناعات الثقافية والسياحة الثقافية والاحترافية.
  • الثقافة بوصفها مؤسسة: من خلال التخطيط الوطني والمجالس والأكاديميات والصناديق والمؤسسات.

وهنا تبدو الصورة أكثر تركيباً من مجرد “اهتمام بالثقافة”.

الخلاصة التأملية

وقبل أن ننهي هذه القراءة، نتساءل: هل الثقافة عند الاتحاد الاشتراكي قطاع… أم أنها جزء من مشروعه المجتمعي؟

لقد كشفت لنا القراءة المتأنية أن الاتحاد الاشتراكي يدخل إلى الثقافة من الباب الذي ينسجم أكثر مع مرجعيته التاريخية، المحددة في الحرية والعدالة الاجتماعية. ثم يأخذ في توسيع هذا المدخل ليمل: الهوية، التنوع، التعليم، الإعلام، الصناعة الثقافية، التراث، والحقوق الاجتماعية للمبدعين. وهذا يمنحه -في المقارنة الأولية مع أحزاب الأغلبية- موقعاً يستحق الانتباه.

لكنه ليس من حقنا أن نمنحه شهادة التميز الجاهزة، بل نريد أن نضع أمامه السؤال الذي يموضع نفسه فيه أمام المجتمع: إذا كانت الثقافة فضاءً للفكر الحر والإبداع، فهل تستطيع الدولة أن تمنحها الاستقلال المؤسسي والمالي والفكري الذي يجعلها كذلك؟ ثم نسأل: إذا كانت التنمية عادلة، فهل ستكون الثقافة عادلة أيضاً؟ وإذا كانت الكرامة حقاً للجميع، فهل تشمل كرامة الكاتب والفنان والمثقف…؟

ويتبقى السؤال الأبعد هو: هل يستطيع الاتحاد الاشتراكي أن يجعل من الثقافة جزءاً من مشروعه لإعادة بناء المواطن المغربي، لا مجرد قطاع يحتاج إلى مزيد من الميزانية والمؤسسات؟ -خاصة أنه يرى بضرورة الرفع من الميزانية المخصصة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، من 1% التي خصصتها لها الحكومات السابقة، إلى 2% على الأقل من الميزانية العامة للدولة-.

علماً أن جوابنا المبدئي هو أن برنامج الحزب يقترب كثيراً من هذا الأفق، لكنه لا يُعفى من اختبار التنفيذ والأولوية والربط بين السياسة الثقافية والسياسة العامة للدولة. خاصة وأن الثقافة التي نبحث عنها في هذه القراءة ليست: مهرجاناً إضافياً، ولا مؤسسة جديدة، ولا صندوقاً أكبر فقط، بل إنها الثقافة التي تعلّم المواطن أن يفكر، وتمنحه حق أن يختلف، وتفتح أمامه إمكانات الإبداع، وتحفظ ذاكرته، وتصون كرامة مبدعيه، وتجعل المعرفة متاحة للجميع.

وعند هذه النقطة بالذات يمكن أن نضع الاتحاد الاشتراكي، الذي يدعو إلى تعزيز بنية تحتية ثقافية وجعلها في خدمة جميع المغاربة، أمام امتحانه الثقافي الحقيقي، ونسأله: هل يستطيع أن يحول “الفكر الحر والإبداع” من عبارة في التصور الثقافي إلى مبدأ ناظم للسياسة العمومية؟ فإذا استطاع، فإن الثقافة عنده لا تكون مجرد قطاع ثقافي، بل تصبح كما ينبغي أن تكون في أي مشروع اجتماعي ديمقراطي: بنية تحتية للحرية، ورافعة للعدالة، وأحد شروط بناء المواطن الذي يستطيع أن يصنع المستقبل.

وهنا نصل إلى صيغة تختزل موقع الاتحاد الاشتراكي في خريطة المساءلة التي بنيناها حتى الآن:

  • الأحرار: الثقافة داخل منطق الفرص والكرامة.
  • الأصالة والمعاصرة: الثقافة داخل تغيير المسار.
  • الاستقلال: الثقافة في تقاطع التعليم والهوية والإعلام.
  • الاتحاد الاشتراكي: الثقافة في صميم العدالة الاجتماعية والحرية.

لكن الحكم النهائي يبقى مؤجلاً، لأننا لم ننته بعد من مساءلة بقية أحزاب المعارضة. وخلاصة القول أن هذه الوثيقة / القراءة، لن تمنح الأفضلية لمن يتحدث أكثر عن الثقافة، وإنما لمن يثبت أن الثقافة عنده جزء من فلسفة بناء المجتمع، لا هامشاً ينضاف إلى البرامج الحزبية حين تقترب الانتخابات.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!