درب غلف: حين تتكلم السياسة بلسان البسطاء

درب غلف: حين تتكلم السياسة بلسان البسطاء

الدار البيضاء- خاص

         في قلب حي درب غلف الشهير بالعاصمة الاقتصادية، وفي شارع عبد الرحمن الزموري الذي يخلع رداءه الهادئ مع أطراف الصباح ليرتدي صخب سوق شعبي هائج، كانت الأجواء تغلي بالحياة.: صيحات باعة الخضار والأسماك تتصاعد متداخلة مع روائح السردين الطازج والأتربة المتطايرة. وسط هذا المهرجان اليومي جلس رجل أربعيني على كرسي بلاستيكي متهالك أمام باب حانوت، يقلب بيده منشورا انتخابيا ملونا لحزب الحصان ببطء شديد، وكأنه ينقب في غياهب كتاب فلسفي معقد.

لم يطل استغراقه، إذ باغته شاب يقف بجانبه بنبرة استنكارية، وهو يشير إلى صورة وكيلة اللائحة المطبوعة على الورق الصقيل:

– هل هي بنت الدرب؟

هز الأربعيني رأسه بزهد ولامبالاة، ودون أن يرفع بصره كثيرا عن الورقة قال:

– لا أظنها من عندنا.. لم أر وجهها قط في هذه الأزقة.

قبل أن ترتد أنفاسه، تدخلت امرأة حامل كانت تتكئ على تعبها وسط زحام السوق، وقفت لتلتقط أنفاسها وقالت بنبرة يعصرها السأم والحرقة:

– في كل استحقاق يأتون إلينا.. يوزعون الابتسامات العريضة والوعود الوردية.. يضحكون على ذقوننا، ثم يختفون كالملح إذا ذاب في الماء…

دفعتني غريزة الفضول الصحفي إلى الاقتراب من هذه الحلقة العفوية التي تشكلت وسط السوق، فبادرتهم بالسؤال:

– إذن على من ستصوتون هذه المرة؟

جاء رد الأربعيني حاسما وبلا ذرة تردد:

– على لا أحد!

أما المرأة الحامل فنظرت إلى الأفق بعيدا، ورفعت سبابتها ونظرها نحو السماء كمن يستغيث بالقادر الأعلى، وقالت بيقين مطلق:

– سأصوت على الله…

كانت كلماتها شفرة تختزل حسرة عميقة وقطيعة تامة مع طبقة سياسية فقدت في نظر هؤلاء البسطاء آخر أوراق مصداقيتها. لكن الشاب الأصغر لم يستسلم لهذا التيار المظلم، بل رد بملامح يمتزج فيها الأمل بالتحدي:

– أما أنا فسأصوت على نبيلة منيب.

باغته الأربعيني معيدا سؤال القرب ذاته:

– وهل هي بنت الدرب؟

ابتسم الشاب ورد بثقة:

– قضيتنا ليست محصورة في كون المرشح من أبناء الدرب أم لا.. إن مقاطعة صندوق الاقتراع هي تصويت غير مباشر للفاسدين، لأنهم يعبرون بأقل عدد من الأصوات. واجبنا اليوم أن نصوت ضد من نعلم فسادهم وفساد الأحزاب التي يرتدون عباءاتها.

وفي ذروة النقاش انضم للجمع بائع خضار مسن، وقد أثقلت كاهله الشائعات المتداولة حول هدم الحي العتيق، فقال بصوت يملؤه التوجس:

– لا أحد من هؤلاء المرشحين تطرق لمصيرنا أو تحدث معنا في هذا الموضوع.. هل سيحدث لنا ما وقع لسكان زنقة موحى وسعيد في المدينة القديمة؟

تداخلت الأحاديث وارتفعت الأصوات متضاربة في تلك البقعة الصغيرة. انسحبت بهدوء وساقتني خطاي بعيدا عنهم وسط صخب الخضارين وهتافات الداعين لبضائعهم، بينما كان سؤال يتردد في صدري و خاطري:

هل سيقدر هذا الشاب المتحمس على غرس أمله في نفس الرجل الزاهد والمرأة المكلومة؟ أم أن جذور الحرمان واليأس المترسبة في القلوب أعمق وأعتى من أن تحركها شقشقة الشعارات الانتخابية؟

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!