الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية (5)

الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب: قراءة في البرامج الانتخابية (5)

قراءة تركيبية في برامج أحزاب الأغلبية الحكومية الثلاثة

 المختار العنقا الإدريسي

         بعد الوقوف عند الثقافة كما تكشفها فلسفات البرامج الانتخابية لأحزاب الأغلبية الحكومية الثلاثة، لا يعود السؤال: ماذا قالت الأحزاب عن الثقافة؟ بل يغدو أكثر عمقاً: أي إنسان تريد هذه الأحزاب أن تبني؟ وأي مجتمع تريد أن تصنع؟ وأي دور تمنحه للثقافة في بلوغ ذلك؟ ولمقاربة ذلك نجد أنفسنا أمام تباين في المداخل، حتى وإن كانت تلتقي في بعض الغايات.

فالتجمع الوطني للأحرار يدخل إلى الثقافة من بوابة الفرص والكرامة، والأصالة والمعاصرة من بوابة تغيير المسار وإعادة التوازن، بينما يدخل حزب الاستقلال من بوابة الوطن والمستقبل، عبر التعليم والهوية والإعلام. فهي ثلاثة مداخل، وثلاثة تصورات ضمنية لوظيفة الثقافة.

أولاً: ثلاثة مداخل… وثلاثة تعريفات للثقافة

يمكن تكثيف الفروق في صيغة شديدة الدلالة:

  • يتبنى حزب التجمع الوطني للأحرار مدخل الفرص والكرامة، ويرى بأن الثقافة رافعة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
  • أما حزب الأصالة والمعاصرة فيعتمد مدخل تغيير المسار، ويذهب إلى القول بأن الثقافة أداة لإعادة التوازن والإدماج والمواطنة.
  • بينما نجد أن حزب الاستقلال اعتمد مدخل الوطن والمستقبل، معتبراً أن الثقافة تبقى كحامل للهوية والقيم وصناعة الانتماء.

ولا يمكن اعتبار هذه الفروق شكلية فقط، فهي تكشف اختلافاً في السؤال السياسي الذي ينبغي أن يسبق السؤال الثقافي الذي نسعى إليه في هذه القراءات.

فالأحرار يسأل أساساً: كيف نخلق الفرص ونحقق الكرامة؟ أما الأصالة والمعاصرة فيسأل: كيف نغير المسار ونحقق التوازن؟ في حين يذهب الاستقلال إلى السؤال عن: كيف نحافظ على الوطن ونبني مستقبله؟ ومن داخل كل سؤال تظهر الثقافة بصورة مختلفة.

ثانياً: أين تلتقي الأحزاب الثلاثة؟

رغم اختلاف المداخل، ثمة أرضية مشتركة لا ينبغي إغفالها. فالثقافة عند الأحزاب الثلاثة لم تعد—في قراءتنا—مجرد قطاع للترفيه أو مجال للمهرجانات، فهي تتقاطع مع: التعليم، والشباب، والهوية، والإعلام، والرقمنة، والتشغيل، والعدالة المجالية، والقيم… وهذا تطور مهم في حد ذاته، لأن الثقافة بدأت تغادر، ولو جزئياً، موقع “القطاع الملحق” لتدخل في صميم قضايا المجتمع. لكن المفارقة تبدو في أن حضورها القوي في هذه التقاطعات لم يؤدِّ بالضرورة إلى ظهور فلسفة ثقافية جامعة ومتكاملة عند أي منهم. ومن هنا تبدأ المساءلة.

ثالثاً: الاختلاف الأعمق ليس في حضور الثقافة… بل في وظيفتها

وهذه – في تقديرنا- أهم خلاصة للمقارنة. فالثقافة يمكن أن تكون: وسيلة للتشغيل، وسيلة للإدماج، وسيلة لحماية الهوية، وسيلة لإنتاج القيم، وسيلة لبناء المواطن. لكنها يمكن أن تكون أيضاً: غاية إنسانية في ذاتها. وهنا يظهر الفرق، فعندما تُقرأ الثقافة أساساً من زاوية ما تستطيع أن تفعله لقطاع آخر، فإنها تصبح وظيفية. أما عندما يُنظر إليها باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان… مجالاً للإبداع… إنتاجاً للمعنى… بناءً للوعي، فإنها تصبح تأسيسية.

ولعل السؤال الذي تتركه برامج الأغلبية مفتوحاً هو: هل الثقافة عندها وظيفة تخدم مشروعاً آخر، أم أنها جزء من تعريف المشروع نفسه؟

رابعاً: حزب الأحرار – الثقافة من أجل الفرصة

في برنامج التجمع الوطني للأحرار، تظهر الثقافة بوضوح حين تتقاطع مع التشغيل والاقتصاد والخدمات، بما يجعلها مورداً لخلق فرص جديدة، وهذا يمنحها قيمة عملية. غير أن الخطر يكمن في أن تصبح قيمة الثقافة مرتبطة بما تنتجه من وظائف. وعندئذ يمكن أن نسأل: ماذا عن الثقافة التي لا تحقق مردودية اقتصادية مباشرة؟ فالكتاب، والمسرح، والفكر، والبحث، والشعر، والتراث، قد تكون قيمتها الاجتماعية والإنسانية أكبر من مردودها المالي.

ومن هنا فإن فلسفة الأحرار تطرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل تستطيع اقتصادية الثقافة أن تقويها، أم يمكن أن تختزلها؟ والجواب الذي نراه ضرورياً يتلخص في القول: إن الاقتصاد الثقافي مطلوب، لكن الثقافة تبقى أكبر من اقتصادها.

خامساً: الأصالة والمعاصرة – الثقافة من أجل تغيير المسار

أما الأصالة والمعاصرة، فتفتح الثقافة على مفهوم أوسع: يتلخص في إعادة التوازن. فتظهر الثقافة هنا من خلال الشباب، والمواطنة، والأمازيغية، والرقمنة، والعدالة المجالية. وهو ما يمنحها وظيفة اندماجية، ويفرض علينا أن نسأل: إذا كانت الثقافة جزءاً من تغيير المسار، فأين المشروع الثقافي الذي يحدد إلى أي مسار ثقافي نريد أن نذهب؟ خاصة وأن الانتقال من مسار إلى آخر يحتاج إلى بوصلة.

والبوصلة الثقافية تعني تحديد: ما الذي نريد الحفاظ عليه؟ وما الذي نريد تغييره؟ ثم ما الذي نريد إنتاجه؟ وأخيراً ما الذي نريد أن نورثه للأجيال المقبلة؟ لذلك يبدو أن الأصالة والمعاصرة يفتح الباب أمام الثقافة باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل المجتمع، غير أنه يترك سؤال السياسة الثقافية الجامعة مفتوحاً.

سادساً: الاستقلال – الثقافة من أجل الوطن والمستقبل

أما حزب الاستقلال، فإن الثقافة عنده تتخذ بعداً أكثر ارتباطاً بالهوية والقيم والانتماء. وهو الأمر المفهوم بالنظر إلى موقع سؤال الهوية في مرجعية الحزب. وهو تصور يحمل سؤالاً دقيقاً، نلخصه في القول: كيف نحمي الهوية دون أن نحول الثقافة إلى حارسة للماضي فقط؟ فالهوية الحية ليست متحفاً، إنها قدرة على التجدد.

ومن ثم فإن الثقافة الوطنية لا ينبغي أن تكتفي بحفظ الذاكرة، بل عليها أن تنتج المستقبل الثقافي للوطن. وهنا تصبح عبارة الحزب “وطني.. مستقبلي” ذات دلالة ثقافية عميقة: فلا مستقبل لوطن بلا ذاكرة، ولا حياة للذاكرة بلا إبداع.

سابعاً: ثلاث صور للإنسان المغربي

إذا ذهبنا بالمقارنة إلى مستواها الأعمق، فإن البرامج الثلاثة تكشف لنا ضمنياً عن ثلاث صور للإنسان:

  • عند حزب الأحرار: هو إنسان مُمكَّن، قادر على العمل وصناعة الفرصة.
  • عند الأصالة والمعاصرة: إنسان مُدمَج، مواطن مشارك في تغيير المسار.
  • عند الاستقلال: فهو إنسان منتمٍ، يحمل ذاكرته وقيمه ويتجه نحو المستقبل.

وهذه الصور ليست متعارضة، بل يمكن أن تكون متكاملة، لأن المواطن يحتاج إلى: الكرامة… التمكين… المواطنة… الانتماء. غير أن هناك عنصراً رابعاً ينبغي أن يضاف إليها جميعاً: إنه القدرة على التفكير والإبداع. ومن هنا تحديداً تأتي الثقافة.

ثامناً: الحلقة الغائبة – الثقافة كحق مستقل

إذا جمعنا مداخل البرامج الثلاثة، نجد الثقافة قوية في تقاطعاتها، لكنها أقل وضوحاً باعتبارها حقاً مستقلاً ومتكاملاً. فأين:

  • حق الطفل في الكتاب؟
  • حق المواطن في الوصول إلى الثقافة؟
  • حق الفنان في الحماية الاجتماعية؟
  • حق الجهات والمجالات الهامشية في العدالة الثقافية؟
  • حق المبدع في حرية التعبير؟
  • حق المجتمع في حماية ذاكرته؟
  • حق الأجيال المقبلة في تراثها؟

وهذه جميعها ليست قضايا ترف فحسب، إنها—في تصورنا—جزء من المواطنة الكاملة. ومن هنا فإن قراءتنا لا تدعو الأحزاب إلى أن تضيف “صفحة الثقافة” إلى برامجها، بل تريد منها شيئاً أعمق، وهو: أن تجعل الثقافة جزءاً من فلسفة الدولة والمجتمع.

تاسعاً: من الثقافة القطاعية إلى الثقافة الأفقية

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي نستخلصه من التوقف عند البرامج الثلاثة. فالثقافة لم تعد قابلة للحبس داخل وزارة، إنها تمتد أفقياً عبر معابر وقنوات: التعليم، والإعلام، والشباب، والاقتصاد، والرقمنة، والسياحة، والجماعات الترابية، والأسرة… وأن الثقافة الأفقية تبقى في أمس الحاجة إلى مركز فكري وسياسي ينظمها، وإلا تحولت إلى عناصر متناثرة: ثقافة في التعليم، وهواية في الإدارة، وفن في المهرجانات، ومحتوى في الإعلام، وصناعة في الاقتصاد، وتراث في السياحة. الأمر الذي يفرض علينا السؤال التالي: من يجمع هذه الخيوط في نسيج واحد؟

عاشراً: المساءلة الحقيقية للأغلبية

وحتى تكون قراءتنا أكثر تشدداً، ينبغي أن لا نسأل الأحزاب الثلاثة: هل لديكم اهتمام بالثقافة؟ لأن الجواب- لا محالة- سيكون بنعم. وأن لا نسألها: هل وردت الثقافة في برامجكم؟ لأنه سؤال سطحي. بل يجب أن نسأل: هل تمتلك الأغلبية الحكومية تصوراً ثقافياً متكاملاً، قادراً على الانتقال من التدبير القطاعي إلى بناء سياسة ثقافية وطنية؟ وهل الثقافة في تصورها أداة لتدبير المجتمع، أم أداة لتحرير طاقاته؟

ويبقى السؤال الأبعد: هل كانت هذه الأغلبية تريد مواطناً يعرف كيف يعمل فقط، أم مواطناً يعرف أيضاً كيف يفكر ويبدع ويسائل وينتمي؟ فيصبح الحكم أكثر وضوحاً: لا يمكن بناء إنسان كامل بسياسات جزئية.

الحصيلة النهائية

إذا أردنا اختزال المقارنة في جملة واحدة، سنقول: الأحرار ينظرون إلى الثقافة من نافذة الفرصة، والأصالة والمعاصرة من نافذة تغيير المسار، والاستقلال من نافذة الوطن والمستقبل، لكن النوافذ الثلاثة لم تفتح بعد على رؤية ثقافية وطنية واحدة.

وهذه ليست إدانة للأحزاب، بل هي مساحة المساءلة التي ينبغي أن تحتفظ بها قراءتنا. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى: اقتصاد قوي، وتعليم جيد، وحماية اجتماعية، وعدالة مجالية، ومؤسسات فعالة… إنه يحتاج كذلك إلى: إنسان يقرأ، وشاب يبدع، وفنان يعيش بكرامة، ومواطن يفكر، وهواية تتجدد، وذاكرة تحفظ، وإعلام ينتج المعرفة، وثقافة تصل إلى الجميع.

وتأسيساً عليه، فإن المساءلة التي نريدها لا تنتهي بالسؤال عن أين الثقافة في البرنامج الانتخابي؟ بل تبدأ منه لتصل إلى السؤال الأكبر والأعمق: أين الثقافة في تصور الحزب للإنسان المغربي؟ فإذا كانت الإجابة غائبة، مهما كثرت الإشارات المتفرقة، فإن الثقافة ما تزال خارج مركز المشروع. أما إذا أصبحت الثقافة جزءاً من بناء المواطن، ومن إنتاج المعرفة، ومن حماية الهوية، ومن تحرير الإبداع، ومن تحقيق العدالة المجالية، فإنها تكون قد ارتقت من “قطاع” إلى “رافعة” للتنمية.

وهذا هو المعيار الذي سنحمله معنا ونحن ننتقل إلى برامج أحزاب المعارضة البرلمانية: الاتحاد الاشتراكي – التقدم والاشتراكية – العدالة والتنمية – الحركة الديمقراطية الشعبية – الاتحاد الدستوري – وتحالف اليسار، ثم النهج الديمقراطي.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!