الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (7)
حين تصبح الثقافة جزءا من مشروع “البديل التقدمي” عند حزب التقدم والاشتراكية
المختار العنقا الإدريسي
استهلال أولي:
حزب التقدم والاشتراكية، يفرض علينا قدراً أكبر من التدقيق، لأن الثقافة عنده ليست مجرد إشارات متناثرة. فخطابه الانتخابي الحالي يعلن صراحةً عن “ثقافة متاحة للجميع وهوية غنية بتنوعها” ويربطها بالديمقراطية، والرأسمال اللامادي، والإبداع، والتفكير الحر، ومجتمع المعرفة، والأمازيغية والرقمنة والذكاء الاصطناعي. كما أن هذا التصور ليس طارئاً، فقد سبق للحزب في برنامجه الانتخابي لسنة 2021 أن اقترح مشروع “مغرب الثقافة” باعتباره ذا دور استراتيجي في المجتمع.
فإذا كان الاتحاد الاشتراكي قد قادنا إلى مساءلة الثقافة من زاوية العدالة الاجتماعية والحرية، فإن حزب التقدم والاشتراكية يفتح أمامنا نافذة أخرى: الثقافة باعتبارها حقاً ديمقراطياً، ورأسمالاً لامادياً، وشرطاً لبناء مجتمع المعرفة، علما أنها ليست قراءة مفروضة من الخارج على خطاب الحزب. ففي تصوره الانتخابي لسنة 2026 يعلن بوضوح عن تعميم ودمقرطة الولوج إلى الثقافة، وعن إدماج الرأسمال اللامادي في المجهود التنموي، والارتقاء بالإبداع والتعبير والتفكير الحر والعقلاني، والتأسيس لمجتمع المعرفة، ومحاربة الأمية والفجوة الرقمية، والانفتاح على الذكاء الاصطناعي، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والتحصين المنفتح للشخصية المغربية بكل مكوناتها وروافدها. وهنا تتقدم الثقافة خطوة إضافية: لأنها لم تعد فقط أداة لتحقيق العدالة، بل أصبحت، في التصور المعلن، جزءاً من تعريف المجتمع الذي يراد بناؤه.
1: “ثقافة متاحة للجميع”… هل تصبح الثقافة حقاً مواطنياً؟
أقوى ما يمكن أن نبدأ به في مساءلة حزب التقدم والاشتراكية هو العبارة التي اختارها لتقديم تصوره الثقافي: “ثقافة متاحة للجميع”. فقد تبدو العبارة بسيطة، لكنها في الحقيقة تحمل موقفاً سياسياً عميقاً. فالثقافة وفق هذا المنظور، ليست امتيازاً لمن يسكنون المدن الكبرى، ولا لمن يملكون القدرة المالية على شراء الكتاب أو حضور المسرح أو زيارة المعارض. إنها حق ينبغي أن يصل إلى الجميع. ومنه تصبح الثقافة جزءاً من الديمقراطية الاجتماعية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على الحزب هو: كيف ننتقل من مبدأ إتاحة الثقافة إلى ضمان الحق فيها؟ ونحن نعلم أن الحق يحتاج إلى: بنيات ثقافية، ومكتبات، ومراكز للفنون، ومسارح، ودور شباب حقيقية ومجهزة، ومؤسسات جهوية، دون إغفال لدعم الإنتاج، وتوفير وسائل نقل المحتوى الثقافي إلى المناطق النائية، وولوج رقمي عادل ومنصف لكل جهات المملكة الحضرية والقروية. وإلا بقيت “إتاحة الثقافة” مبدأً أخلاقياً جميلاً دون أدوات لتحقيقه.
2: الثقافة والعدالة الاجتماعية… هنا يلتقي التقدم والاشتراكية مع الاتحاد الاشتراكي
ثمة تقاطع واضح بين الحزبين في النظر إلى الثقافة من زاوية العدالة. لكن التقدم والاشتراكية يذهب خطوة أخرى حين يجعل دمقرطة الولوج إلى الثقافة جزءاً من التصور الثقافي نفسه. وهذا يقودنا إلى مفهوم ينبغي أن يأخذ مكانه في قاموس السياسات العمومية: إنه العدالة الثقافية، فالعدالة ليست فقط: عدالة في الدخل، أو الصحة، أو التعليم، أو السكن. بل هي أيضاً عدالة في الوصول إلى المعرفة والجمال والكتاب والفن والذاكرة… ومن هنا يمكن أن نقول: بأن المجتمع الذي يحرم فئة من أبنائه من الثقافة، يعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية حتى لو نجح في تقليص بعضها اقتصادياً. وهذه نقطة قوة حقيقية في المنظور الذي يقدمه الحزب. غير أنها تضعه أمام امتحان أكثر صعوبة: فهل يمتلك مشروعاً عملياً لتقليص الفوارق الثقافية بين المركز والهامش، وبين المدينة والقرية، وبين كل جهات المملكة؟
3: الرأسمال اللامادي… الثقافة من “الحق” إلى “الثروة”
وهنا يقدم التقدم والاشتراكية مفهوماً بالغ الأهمية للرأسمال اللامادي. ويدعو إلى إدماجه فعلياً في المجهود التنموي الوطني. وهذا يعني أن الثقافة لا تُرى فقط كحق إنساني، وإنما أيضاً كقيمة اجتماعية واقتصادية ورمزية. وهذا في جوهره تطور مهم. فالمغرب يمتلك رأسمالاً هائلاً لا يظهر في الحسابات التقليدية كـ: ذاكرة، وتراث، ولغات، وفنون، ومعارف محلية، وحرف، وإبداع، وتنوع جهوي، وتقاليد شفوية، وموسيقى، وأدب، وفنون شعبية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نريد استثمار الرأسمال اللامادي، أم تحويله إلى سلعة؟ فالاستثمار الثقافي مشروع. لكن اختزال الثقافة في قيمتها الاقتصادية قد يقتل جانباً أساسياً من وظيفتها. خاصة وأن الثقافة ليست هي ما يمكن بيعه فقط. إنها أيضاً ما يجعل الإنسان أكثر إنسانية.
4: الإبداع والتفكير الحر… الثقافة هنا ليست مجرد أداة تلقين
من أكثر العناصر دلالة في التصور الثقافي للحزب الدعوة إلى الارتقاء بقيم: الإبداع والتعبير والتفكير بشكل حر وعقلاني. وهنا نجد نقطة التقاء عميقة بين الثقافة والديمقراطية. لأن الثقافة التي تعلم المواطن(ة) ماذا يقول فقط، فهي ليست ثقافة حقيقية. أما الثقافة الحية فتعلمه: كيف يفكر؟ كيف يسأل؟ كيف يختلف؟ كيف يبدع؟ كيف يتأمل؟ كيف ينتقد؟ كيف يصغي؟ ومن هنا فإن حرية التفكير ليست امتيازاً للمثقف، وإنما هي شرط لتقدم المجتمع ككل. لكن هذه الرؤية تضع الحزب أمام سؤال شديد الأهمية: هل ستُحمى حرية الإبداع والتفكير فقط في الخطاب السياسي، أم ستترجم إلى بيئة مؤسساتية وقانونية وثقافية تسمح للمبدع بأن يختلف دون خوف؟ ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
5: التحول من “مجتمع يستهلك” إلى “مجتمع ينتج”
ربما تكون هذه هي أكثر النقاط التصاقاً برؤيتنا للثقافة باعتبارها رافعة للنهوض بالمجتمع. فالحزب لا يكتفي بالحديث عن الثقافة، بل يربطها صراحةً بـ “مجتمع المعرفة”. وهو ما يسهم في تغيير مستوى النقاش، لأن مجتمع المعرفة لا يقاس بعدد المدارس فقط، ولا بعدد الجامعات فقط. بل بقدرته على: إنتاج المعرفة… تداولها… ترجمتها… توظيفها، وبالتالي تحويلها إلى ابتكار، وتحريرها من كل احتكار. فتلتقي الثقافة مع: التعليم، والبحث العلمي، والرقمنة، والإعلام، والذكاء الاصطناعي. فتصبح الثقافة بنية تحتية معرفية للتنمية.
6: محاربة الأمية… هل الأمية الثقافية أقل خطراً؟
يضع الحزب محاربة الأمية ضمن منظوره الثقافي. وهو أمر طبيعي، يجعلنا نقترح توسيع السؤال، ليصبح على الصيغة التالية: فهل الأمية تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة؟ ثم ماذا عن:
- الأمية الرقمية؟
- الأمية الإعلامية؟
- الأمية العلمية؟
- الأمية الثقافية؟
- الأمية الحقوقية؟
قد يكون المواطن(ة) قادراً على قراءة نص معين، لكنه يبقى عاجزاً عن التمييز بين الخبر والمعلومة المضللة. كما قد يكون متصلاً بالإنترنت، لكنه يظل عاجزاً عن إنتاج أي معرفة. وقد يكون حاصلاً على شهادة، لكنه لا يقرأ كتاباً واحداً خارج تخصصه، إما لكسله أو عجزه. لذلك فإن مجتمع المعرفة يحتاج إلى مفهوم جديد لمحو الأمية. وهنا يستطيع حزب التقدم والاشتراكية، بما يملكه من مرجعية تقدمية، أن يدفع النقاش نحو هذا الأفق.
7: من الفجوة الرقمية… إلى الفجوة الثقافية الجديدة
من اللافت أن حزب التقدم والاشتراكية يربط الثقافة بالفجوة الرقمية، وهذا في نظرنا جد مهم. فالفجوة الرقمية لم تعد تعني فقط: من يملك هاتفاً ومن لا يملكه. بل أصبحت تعني:
- من يستطيع الوصول إلى المعرفة؟
- من يستطيع إنتاج المحتوى؟
- من يمتلك مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي؟
- من يستطيع التحقق من المعلومات؟
- من يملك القدرة على التعلم المستمر؟
وهكذا تتحول الفجوة الرقمية إلى فجوة ثقافية ومعرفية. ومن ثم فإن دمقرطة الثقافة في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تنفصل عن دمقرطة الوصول إلى العالم الرقمي.
8: الذكاء الاصطناعي… هل دخل الثقافة أم دخل السياسة؟
إدراج الذكاء الاصطناعي في التصور الثقافي للحزب يفتح باباً جديداً تماماً. فنحن لم نعد نتحدث فقط عن: حفظ التراث أو دعم الكتاب أو تشييد للمؤسسات، بل عن الكيفية التي سيغير بها الذكاء الاصطناعي علاقتنا بالمعرفة والإبداع؟
ومن هنا ينبغي أن يكون السؤال الثقافي سابقاً للسؤال التقني. فهل نريد مواطناً يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ أم مواطناً يفهمه وينقده ويعرف حدوده ومخاطره؟ وهل سيصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوسيع الإبداع المغربي؟ وهل سيخدم العربية والأمازيغية؟ وهل سيساعد على رقمنة الذاكرة المغربية؟ وهل يمكن أن يصبح أداة لإتاحة المعرفة للأطفال والشباب في المناطق المهمشة؟ فهذه جميعها ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة ثقافية بامتياز.
9: الأمازيغية والشخصية المغربية… الهوية بوصفها تعدداً
يؤكد الحزب على تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وعلى التحصين المنفتح للشخصية المغربية الغنية بمكوناتها وكل روافدها المتعددة. وهنا – أيضاً – تبرز نقطة مهمة، تلخص في القول بأن الهوية في هذا التصور ليست كتلة واحدة مغلقة. بل هي تعدد متكامل. الشيء الذي يسمح لنا بالقول: إن الشخصية المغربية لا تقوى بتقليص تعددها، وإنما بتدبيره وتحويله إلى مصدر غنى، انطلاقاً من ثنائيات متكاملة هي: [العربية والأمازيغية – المحلي والوطني – التراث والحداثة – الأصيل والمعاصر – المغرب والعالم…] دون أن تتحول إلى معارك إقصاء. ومنه نفضي إلى السؤال التالي: كيف يتحول هذا الاعتراف بالتعدد إلى إنتاج ثقافي ومؤسساتي ولغوي ملموس؟ خاصة وأن الاعتراف وحده لا يكفي.
10: الثقافة والتعليم… من المدرسة العمومية إلى مجتمع المعرفة
يضع الحزب الاستثمار في المدرسة العمومية والتكوين والبحث العلمي في قلب مشروعه الانتخابي، وهو ما يتناغم مباشرة مع تصوره الثقافي. وهنا نجد أنفسنا أمام علاقة لا يمكن فصلها: إذ لا مجتمع معرفة بلا مدرسة قوية. علما أن المدرسة القوية ليست هي تلك التي ترفع معدلات النجاح، بل إنها التي تعمل على جعل المتعلم(ة): قارئاً… باحثاً… مبدعاً… مواطناً ناقداً. ومن هنا فإن المساءلة الثقافية للحزب ينبغي أن تمتد إلى المدرسة: فهل الثقافة جزء من تكوين المتعلم(ة)، أم أنها ستظل نشاطاً موازياً؟ وهو سؤال مهم للغاية، إذا ما اعتبرنا المدرسة هي أكبر مؤسسة ثقافية رسمية في البلاد.
11: من “مغرب الثقافة” إلى “ثقافة المغرب”
من المفيد استحضار أن الحزب سبق أن طرح في برنامجه الانتخابي لسنة 2021 مشروعاً تعبويّاً بعنوان “مغرب الثقافة”، باعتباره تكريساً للدور الاستراتيجي للثقافة في المجتمع. وهذا يمنحنا معياراً مهماً للمساءلة. فنحن لا نسأل الحزب فقط عن: ماذا يقول سنة 2026، من خلال برنامجه الانتخابي؟ بل نسأله أيضاً: ماذا بقي من الفكرة السابقة؟ ويبقى هذا سؤالاً مشروعاً في وثيقة ببرنامجه الانتخابي الحالي. علما أن مساءلة الأحزاب لا ينبغي أن تحاسب فقط على ما تعد به، بل أيضاً على استمرارية أفكارها وتطورها وقدرتها على تحويلها إلى سياسات. ومن هنا بالضبط فإن “مغرب الثقافة” في 2021 كان عنواناً تعبويّاً. فهل أصبح في 2026 مشروعاً سياسياً أكثر نضجاً وقابلية للتنفيذ؟ وهذه نقطة ينبغي الاحتفاظ بها في النسخة النهائية من هذه القراءة.
12: الثقافة والدولة… هل نحتاج إلى دولة ثقافية؟
يتحدث الحزب عن دولة قوية بمضمون ديمقراطي: دولة استراتيجية ومنمية وموجهة، ديمقراطية وحقوقية، ومستثمرة اقتصادياً وحامية اجتماعياً. وهنا يمكن أن نطرح السؤال الثقافي التالي: إذا كانت الدولة قوية في الاقتصاد والاجتماع، فهل ينبغي أن تكون قوية أيضاً في الثقافة؟
نعم، ولكن ليس بمعنى أن تتحول الدولة إلى منتج لكل الثقافة. بل أن تكون: ضامنة للحق الثقافي وحامية للتنوع، ومؤسسة للعدالة الثقافية، ومستثمرة في البنيات، وداعمًا للإبداع، وحامية لحرية الفكر. وبتعبير آخر أن تكون دولة قوية في ضمان شروط الثقافة، لا في التحكم في مضامينها. وهذا فرق جوهري.
13: المرأة… الثقافة بوصفها حقاً كاملاً
يربط الحزب المساواة بين النساء والرجال بحقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية. وهنا تظهر الثقافة مرة أخرى بوصفها حقاً، فالمرأة ليست فقط مستفيدة من الثقافة، بل هي أيضاً: منتجة لها وكاتبة وفنانة، وباحثة، ومؤرخة، وصانعة للذاكرة وحافظة لها. ومن ثم فإن العدالة الثقافية تستوجب أيضاً: حضورها في المؤسسات الثقافية، وفي الإنتاج الفني، وفي البحث، وفي صناعة القرار الثقافي.
14: أين تكمن قوة التصور؟ وأين تكمن ثغرته؟
إذا أردنا أن نكون أوفياء لمنهجنا القرائي فلا يكفي أن نثني على اتساع الرؤية. فقوته تتمثل في كونه لا يحصر الثقافة في قطاع واحد، بل يربطها بـ: الديمقراطية… العدالة… المعرفة… الهوية… الرقمنة… التعليم… الإبداع. ناهيك أن العبارة المركزية “ثقافة متاحة للجميع” تمنح التصور بعداً اجتماعياً وديمقراطياً واضحاً.
لكن ثغرته المحتملة هي: أن كثرة المداخل قد تجعل المشروع الثقافي واسعاً إلى درجة يصعب معها تحديد أولوياته التنفيذية. فماذا يأتي أولاً؟ أهي دمقرطة الولوج؟ أم البنيات الثقافية؟ أم الصناعة الثقافية والكتاب؟ أم أنها الأمازيغية؟ أو الرقمنة؟ والبحث ومحاربة الأمية؟ أم الذكاء الاصطناعي؟ وهذه جميعها مداخل تدفعنا إلى القول بأن السياسة الثقافية لا تحتاج فقط إلى قائمة صحيحة من المطالب، وتحتاج إلى: ترتيب محكم، وميزانية كافية، وآجال زمنية، ومؤشرات قياس، ومسؤوليات واضحة. ومن هنا يبدأ الامتحان السياسي الحقيقي.
15: من “الاهتمام بالثقافة” إلى “الحكم الثقافي”
إذا كان التقدم والاشتراكية يقدم تصوراً يجعل الثقافة جزءاً من مشروعه التقدمي، فإن المساءلة ينبغي أن تتجاوز السؤال البسيط المحدد في: هل يهتم الحزب بالثقافة؟ إلى السؤال التالي: هل يستطيع الحزب أن يحول هذا الاهتمام إلى سياسة عمومية ثقافية متكاملة؟ علما أن السياسة الثقافية ليست: مهرجانات. كما أنها ليست مؤسسات، أو دعم الفنانين فقط. وليست حماية للتراث فقط. إنها رؤية متكاملة للمواطن والمجتمع والمعرفة والهوية والإبداع.
الخلاصة النقدية: حين تتحول الثقافة إلى حق ومعرفة ورافعة للتنمية
إذا كانت محطتنا مع الاتحاد الاشتراكي قد انتهت إلى أن الثقافة عنده تلتقي مع العدالة الاجتماعية والحرية، فإن التقدم والاشتراكية يقدم لنا تصوراً أكثر التصاقاً بمفهوم الحق الثقافي ومجتمع المعرفة.
إنه يقول، بصورة صريحة أو ضمنية: لا ديمقراطية كاملة دون ثقافة متاحة للجميع. فلا تنمية حديثة دون رأسمال لامادي. ولا مجتمع معرفة دون تعليم وبحث وإبداع. ولا هوية قوية دون انفتاح على تعدد روافدها. ولا مستقبل رقمي دون وعي ثقافي ومعرفي. وهذا جميعه يجعل الثقافة، في فلسفة البرنامج الحزبي أقرب إلى بنية تحتية غير مرئية للتنمية.
لكننا لا نريد أن نختم بالإعجاب، بل بالسؤال التالي: هل يستطيع حزب التقدم والاشتراكية أن ينقل الثقافة من مستوى “المبدأ التقدمي” إلى مستوى “السياسة العمومية القابلة للقياس والمساءلة”؟
وهناك سؤال آخر أكثر عمقاً: فإذا كانت الثقافة حقاً للجميع، فهل يستطيع الحزب أن يجعل الوصول إليها مستقلاً عن الموقع الجغرافي والدخل الاجتماعي والمستوى التعليمي للمواطنين؟ ثم إذا كان الحزب يريد بناء مجتمع المعرفة، فهل سيضع الثقافة في قلب إصلاح المدرسة والجامعة والبحث والإعلام والرقمنة، أم ستظل هذه الملفات جزرًا متجاورة؟ وأخيراً، هل يستطيع أن يحمي حرية الإبداع والتفكير، في الوقت نفسه الذي يسعى فيه إلى تحصين الشخصية المغربية وهويتها؟
فهنا بالضبط تتحدد قيمة المشروع. لأن الثقافة التي نبحث عنها في هذه القراءة ليست ثقافة “الاحتفال”، وإنما ثقافة “التكوين”. وليست ثقافة “الاستهلاك”، وإنما ثقافة “الإنتاج”. وليست ثقافة “النخبة”، وإنما ثقافة “الحق للجميع”. وليست ثقافة “الماضي وحده”، وإنما ثقافة تستطيع أن تصل الماضي بالمستقبل.
ومن ثم يمكن اختزال موقع حزب التقدم والاشتراكية في خريطة مساءلتنا حتى الآن في العبارة التالية:
- الأحرار: الثقافة داخل منطق الفرص والكرامة.
- الأصالة والمعاصرة: الثقافة داخل تغيير المسار.
- الاستقلال: الثقافة في تقاطع التعليم والهوية والإعلام.
- الاتحاد الاشتراكي: الثقافة في صميم العدالة الاجتماعية والحرية.
- التقدم والاشتراكية: الثقافة من حق الجميع إلى مجتمع المعرفة.
وهذه الصيغة الأخيرة مهمة، لأنها تجعل الثقافة عند التقدم والاشتراكية لا مجرد موضوع اجتماعي، بل شرط لبناء المجتمع الذي يدّعي المشروع التقدمي أنه يسعى إليه. فيصبح الامتحان الحقيقي للحزب ليس في أن يقول: “نريد ثقافة متاحة للجميع”، بل في أن يجيب: كيف؟ وبأي مؤسسة؟ وبأي ميزانية؟ وفي أي أجل؟ وبأي مؤشرات؟ ففي السياسة، كما في الثقافة، جمال الفكرة لا يعفي من صرامة التنفيذ.
