قصة مخاض في موسم الخريف

قصة مخاض في موسم الخريف

عبد الرحيم التوراني

      نظر إلى صاحبه ونفث دخان سيجارته في وجهه، ثم سأله:

ألا ترى معي أن هذه الانتخابات تشبه رواية بوليسية أو شيئا من أدب الرعب؟

ردّ عليه صاحبه وهو يقلب القلم بين أصابعه:

أنا أراها قصة قصيرة جدا.. لا تحتمل ثقل التفاصيل البوليسية، لكنها بلا شك تختزل رعبا كاملا.

تساءل الأول:

كيف ذلك؟

قال له:

إذا أنهيت شبكة الكلمات المتقاطعة التي بين يديك، فسأقرأ عليك هذه القصة..

– تفضل.. كلي آذان صاغية…

أطفأ سيجارته وبدأ يقرأ:

(المرأة مستلقية على ظهرها فوق صفيح ساخن، تعاني جفافا يبس له الحلق. كلما دنا الخريف واكتملت السنون الخمس، أعلن القائمون على الحفل عن موعد صياغة العهد الجديد، وصرخ المتعهدون في وجه الحاضرين: استعدوا.. هناك مخاض جديد…

يحيط بالمرأة رجال يرتدون جلابيب من حرير، في أيديهم أكياس ثقيلة تفوح منها رائحة الدراهم والوعود البراقة. يمسحون على بطنها المنتفخ بالمتمنيات، ويتهامسون بين الجماهير المنتظرة عند الصناديق: هذه المرة سيولد النور.

لكن الأم تعرف الجنين جيدا.. ففي الأحشاء لا يتحرك أمل، بل يتشكل مسخ جديد بأسنان حادة وعينين تبتلعان السراب. وعندما يرتفع صراخ الوضع وتتلطخ الأفرشة بالبيانات والشعارات الانتخابية الملونة، لا يخرج إلى صحن الدار سوى كائن مشوه، يشبه تماما إخوته الذين سبقوه إلى المجالس، أولئك الذين يركضون في الأزقة الحافية، يسرقون الرغيف من أفواه الصغار، ويبصقون في السواقي الميتة.

وقف رجل يلتحف بؤسه في منتصف الساحة العريضة وقال للجمع:

– العيب في هذه السلالة.. دعونا نوقف هذا المولد عند صندوق الاقتراع حتى تستريح المناطق والجهات…

رد عليه شيخ  غاضب:

– بل العيب في الرحم نفسه، اقتلوا الأمل كي لا تتكرر المواسم…

وفيما كان أهل القرية يتهامسون حول هذه اللعبة الدورية التي يطلقون عليها مكافأة الصناديق، ويضربون كفا بكف أمام هذا المشهد الكوميدي المظلم، كانت الأم تنظر إلى السقف المثقوب، وتعرف أن المتعهدين وأصحاب الأكياس هم الذين يصرون على إعادة المسرحية ذاتها بذات الوجوه الفاسدة في كل خريف).

***

نظر صاحبه إليه من خلال زجاج نظارة طبية سميكة، حك ذقنه برهة ثم ابتسم وقال:

قصة قصيرة جدا، نعم.. لكنها محبوكة بلغة الفاجعة، وملغومة بكل ما يكفي لجعل المشهد أشد رعبا من أعتى الروايات البوليسية.

ثم وضع القلم على شبكة الكلمات المتقاطعة التي كان يلهو بها وأضاف:

أتعرف يا صديقي؟ الكلمات المتقاطعة هنا أرحم بكثير، ففيها على الأقل حلول قابلة للتحقيق، ومربعات بيضاء تنتظر كلمة صادقة لتكتمل. أما في قصتك هذ فاللعبة كتبت بمداد الخديعة المسبقة، والكل يدرك أن الكائن القادم لن يكون سوى امتداد لرعب قديم يتجدد كل خريف.

سكت قليلا ونظر بعيدا باتجاه العتمة المرخاة على أطراف الشارع ثم تمتم بأسى:

المأساة الحقيقية ليست فقط في المسخ الذي يولد، بل في أصحاب الشكارة والفراقشية الذين حولوا الرحم إلى مزاد، والولادة إلى مهرجان، وتركوا القافلة تعتقد أن الخلاص يكمن في انتظار مسخ جديد.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!