تأمل في الأمية والبشرية والنبوة
د. محمد الشاوي
باسم الحقيقة، وحباً لها، أقول وبصدق: إنه ليس من عادتي الخوض في الموضوعات الدينية، لاسيما تلك المتصلة بالوحي والنبوة، لما تقتضيه من دقة في النظر، وتحفّظ في القول، واحترام لخصوصية المجال العقدي. غير أن ما أُثير أخيراً حول مفهوم الأمية وعلاقته بالبشرية والنبوة، دفعني إلى إبداء رأيي في هذا الموضوع، لا رغبةً في الجدل، ولا ادعاءً لامتلاك القول الفصل، وإنما رغبةً في المساهمة، من جهتي، في إعادة قراءة بعض المنقول، وتمييز الثابت من المتحوِّل، وربط المعقول بالمنقول، بما يفتح مجالاً لفهم أكثر اتزاناً وعمقاً.
ولعل غايتي من هذه المقالة يمكن اختزالها في عبارة واحدة: المساهمة في تصحيح المنقول وتأصيل المعقول، مع كامل الاحترام للمقام النبوي الشريف، وللمتلقي الذي قد يختلف معي في بعض ما أذهب إليه.
لا شك أنَّ القراءة العالِمة للسيرة النبوية الشريفة تستدعي، دون جدال عقيم، فحصاً دقيقاً لمفاهيم: الأمية، والبشرية، والنبوة، وذلك قصد بناء تصور علمي متوازن يجمع بين التكليف الإلهي والواقع الحضاري كما يراه الإنسان المعاصر.
وعلى هذا الأساس، فإن لفظ “الأمي” في سياقه القرآني، لا يقتصر على نفي القراءة والكتابة، بل يُعبّر أيضاً عن النسبة الاصطلاحية لأمة العرب التي لم يكن لها كتاب منزل قبل الإسلام، وهي مسألة لا يشك فيها مؤمن، ولا يختلف حولها مسلم عاقل مؤمن حق الإيمان.
أما من الناحية المهارية، فإن نفي القراءة والكتابة عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان لحكمة الإعجاز الإلهي الذي أراده تعالى للرسالة المحمدية، حيث إن هذا لا يعني تجرده، عليه الصلاة والسلام، عن المعرفة الثقافية واللغوية أو جهله بها، وحاشا لله، فما كنا لنقبل أن يكون رسولنا جاهلاً.
فقد أسهمت سفرياته التجارية ورحلاته قبل النبوة في احتكاكه المباشر بأسواق الشام واليمن، وكان هذا الاحتكاك يُحتم عليه التواصل الفعّال وفهم لسان القوم، سواء بالمعرفة السمعية المكتسبة أو بما تقتضيه معاملات البيع والشراء. كما يظهر من خلال الروايات أن رسولنا كان على علم واسع بأخبار الأمم الماضية؛ وهو علم تواشج فيه الوحي الإلهي مع السماع والمجالسة ومخالطة الرواة وأهل البيان من الشعراء، كأمية بن أبي الصلت على سبيل المثال لا الحصر، وبعضٍ من أهل الكتاب، والقائمة في ذلك تطول.
نعم! لقد كان رسولنا على معرفة بالكتابة والقراءة أو أجرى الله ذلك على يده من باب التكليف بالرسالة، دون أن يفصح عن هذه القدرة المهارية أو يمارسها بانتظام. وإن هذا في رأينا لا يناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾. وعليه نؤكد أنَّ نفي الخط والتلاوة كان مقيداً بالمرحلة التي سبقت نزول الوحي تثبيتاً للطابع الإلهي للإعجاز الذي خصّه به. أما أنْ تظهر عليه صلى الله عليه وسلم هذه المعرفة بعد تحقُّق الأمية أو احتفاظه ببعض ذلك، فإنه يدل حقاً وصدقاً على حكمة ربانية وشرعية لا تُخرج رسولنا الكريم عن صفته التي اختصه الله بها دون سائر الخلق، بل تجعل بالضرورة من معرفته الذاتية دون تعليم بشري مظهر إعجاز آخر يُضاف إلى معجزة القرآن الكريم.
وفي هذا الإطار، يأتي التمييز الفقهي والمفهومي بين محمد الرسول، وهو الناطق بالوحي المعصوم فيما يخص الرسالة والدين، ومحمد الإنسان، وهو الممارس لشؤون الحياة والاجتماع، والمُجتهد في القرارات القيادية وتوجيه المسلمين في شؤون الدنيا، إذ يتجلى البُعد البشري والاجتهادي في التعامل مع الواقع، كما في عتاب القرآن في سورة “عبس”، وكما في حادثة “تأبير النخل”. ولعل المسلم العاقل يظهر له بجلاء هذا البُعد الإنساني والمهاري في مواقف تاريخية مفصلية، كصلح الحديبية، حيث كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكتب وثيقة الصلح، فلما اعترض سهيل بن عمرو على عبارة “محمد رسول الله”، طلب النبي من علي أن يمحوها، فلما امتنع علي، محاها النبي بيده، ثم أُثبت في الوثيقة “محمد بن عبد الله” بدلاً منها.
ومن ثم، يتضح لنا أن الأمية لا تساوي الجهل، والبشرية لا تناقض النبوة، والخبرة الإنسانية لا تنتقص بحال من الأحوال من الاصطفاء الإلهي. ولعل جوهر المسألة أن عظمة النبي وعبقريته لا تكمن في تجرده من صفاته البشرية، وإنما في اجتماع البشرية الكاملة مع النبوة الخاتمة. وسبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، والحمد لله رب العالمين.
