الأمن والسيادة الغذائية في المغرب: بين الإكراه التكتيكي والاستقلالية الهيكلية
الدكتور عبد الواحد غيات
رهان بقاء وطني في عصر الأزمات المتعددة
أمام تصاعد حدة الاختلالات المناخية، وتواتر موجات الجفاف التي عرفها المغرب ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع التوترات الجيوسياسية العالمية التي عمّقتها النزاعات في شرق أوروبا والشرق الأوسط، أضحت قضية الأمن الغذائي وتأمين الإمدادات تحتل موقعًا متقدمًا في أجندة الأمن الوطني. فبالنسبة إلى المملكة المغربية، لم يعد تأمين الغذاء للسكان مجرد مسألة زراعية أو تدبير محاسبي للمحاصيل، بل أصبح جزءًا من استراتيجية للأمن الشامل، تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الاستقرار الاجتماعي والقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية وحرية القرار الوطني.
ويقف المغرب، باعتباره مستوردًا صافيًا وهيكليًا للحبوب، ومعتمدًا بدرجة مهمة على الأسواق الدولية لتغطية جزء من احتياجاته من القمح اللين والقمح الصلب والشعير والذرة، أمام معادلة استراتيجية معقدة. فقد كشفت اضطرابات أسواق الحبوب العالمية، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أن الاعتماد على الأسواق الخارجية لا يمثل في حد ذاته مصدر ضعف، لكنه يصبح كذلك عندما يقترن بارتفاع تقلب الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد المخاطر المناخية والجيوسياسية.
وفي هذا السياق، يوفر تحسن الموسم الزراعي 2025–2026، بعد سنوات متتالية من الجفاف، فرصة لإعادة التفكير في النموذج الزراعي الوطني، لا من منظور السعي إلى تحقيق اكتفاء ذاتي كامل، وهو هدف يصطدم بقيود مناخية ومائية وبنيوية، وإنما من أجل تقليص درجة التعرض للصدمات الخارجية، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، ورفع قدرة الإنتاج الوطني على امتصاص تقلبات الأسواق الدولية.
ومن هنا يبرز مفهومان أساسيان في النقاش حول الأمن الغذائي: “المخزون الاستراتيجي والسيادة الغذائية”. وهما ليسا مفهومين متعارضين، بل يمثلان مستويين متكاملين من سياسة واحدة تقوم على الاستباق والمرونة. فالمخزون يوفر هامش الأمان في مواجهة الانقطاعات المؤقتة أو المفاجئة في الإمدادات، بينما تمنح السيادة الغذائية الدولة قدرة أكبر على الاختيار، وتنويع مصادر الغذاء، والتحكم في المخاطر، وعدم الارتهان لمصدر واحد أو سوق واحدة.
وبالنسبة إلى المغرب، لا تعني السيادة الغذائية الانغلاق خلف حدود الدولة أو السعي إلى إنتاج كل ما يستهلكه السكان محليًا، وإنما تعني بناء قدرة وطنية على الاختيار والصمود: إنتاج ما يمكن إنتاجه بكفاءة، واستيراد ما يصعب إنتاجه بكلفة اقتصادية وبيئية معقولة، وتنويع الموردين، وتأمين الممرات التجارية، وتكوين احتياطيات استراتيجية قادرة على امتصاص الصدمات.
يقدم هذا المقال قراءة معمقة لهذين البعدين، من خلال تحليل آليات المخزون الاستراتيجي والسيادة الغذائية، وحدودهما وشروط فعاليتهما، والعلاقة التكاملية بينهما، قبل الانتقال إلى استعراض التدابير التي اعتمدتها السلطات المغربية لتعزيز القدرة الوطنية على مواجهة اضطرابات الإمدادات، والانتقال تدريجيًا من منطق إدارة التبعية إلى منطق إدارة المخاطر وبناء القدرة على الصمود.
الجزء الأول: المخزون الاحتياطي – الدرع التكتيكي في مواجهة المخاطر الفورية
في عالم يتسم بالتقلبات المزمنة للأسواق العالمية وعدم القدرة الهيكلية على التنبؤ بالمحاصيل، يشكل المخزون الاحتياطي الخط الدفاعي الأول للأمة؛ فهو يمثل استجابة تكتيكية لا غنى عنها، وصمام أمان لمواجهة حالات الطوارئ. ويغطي المخزون المغربي حالياً ثلاثة أشهر من الاستهلاك، وهو مستوى يظل دون الهدف الاستراتيجي المحدد من طرف السلطات والمتمثل في ستة أشهر.
أ. حماية ضد الصدمات الظرفية متعددة الأبعاد
المخزون الاستراتيجي ليس مجرد تجميع للحبوب، بل هو أداة للتنظيم الاقتصادي الكلي تتيح امتصاص ثلاثة أنواع رئيسية من الصدمات:
- الصدمة المناخية الوطنية: عند حبس التساقطات المطيرة وتراجع الإنتاج الوطني من القمح، يجنب اللجوء إلى المخزونات الاندفاع نحو الأسواق الدولية في ظروف الندرة، حيث تكون الأسعار عادة متضخمة بفعل الإعلانات والتوقعات. وقد جسد الجفاف التاريخي الذي شهدته البلاد بين عامي 2015 و2025 هذه الهشاشة بشكل جلي.
- الصدمة اللوجستية: تُهدد اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، على غرار اختناق قناة السويس عام 2021 أو حصار البحر الأسود عقب النزاع الأوكراني، الواردات بشكل مباشر. ويتيح وجود مخزون تعديلي تجاوز هذه الانقطاعات دون حدوث ارتباك في التدفقات.
- المضاربات السعرية المحمومة: غالباً ما تخضع أسواق السلع الأساسية الزراعية لفقاعات مضاربة منفصلة عن الحقائق المادية للسوق. ومن خلال إفراج الدولة عن جزء من احتياطياتها في السوق الداخلية، يتم كسر توقعات الارتفاع وإعادة الاستقرار إلى الأسعار.
ب. ضامن للسلم الاجتماعي والتماسك الترابي
في المغرب، حيث يشكل الخبز المدعوم عماد التغذية الشعبية، فإن أي ارتفاع في أسعار الدقيق من شأنه أن يثير توترات اجتماعية. ومن خلال ضمان الوفرة المستمرة للمواد الأساسية كالقمح اللين، والسكر، والزيت، والأعلاف، تحافظ الدولة على القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما في الأوساط الحضرية والشبه حضرية التي أنهكتها معدلات التضخم.
علاوة على ذلك، يضطلع المخزون الاحتياطي بدور كابح للصدمات على المستوى الترابي؛ ففي المناطق القروية النائية بالأطلس الكبير أو الريف، حيث يصعب الوصول إلى الأسواق، يتيح عدم تمركز المخزونات لدى التعاونيات المحلية تفادي حالات الندرة الموضعية التي قد تُذكّي الشعور بالتهميش.
ج. استجابة على المدى القريب لكنها ليست حلاً هيكلياً
باعتباره أداة مثالية لإدارة الأزمات، يمنح المخزون هامش مناورة زمني في غاية الأهمية. ومع ذلك، فإنه لا يحل بمفرده إشكالية الهشاشة الهيكلية؛ فالاعتماد حصراً على بناء مخزونات مُغذاة عبر الواردات يعرض البلاد لعدة عثرات:
- الارتهان الميزانياتي: تضغط فاتورة الحبوب بشكل ثقيل على الميزان التجاري.
- الهشاشة أمام تقلبات الدولار: تخضع عمليات الشراء بالعملات الأجنبية النفقات العمومية لتقلبات أسعار الصرف.
- الارتهان اللوجستي: يتطلب الحفاظ على مخزون يغطي ستة أشهر بنية تحتية ضخمة وإدارة دورية صارمة لتجنب تلف الجودة.
وبعبارة أخرى، فإن المخزون الاحتياطي هو طوق نجاة وليس سفينة عابرة للمحيطات؛ إنه يشتري الوقت، لكن يجب استغلال هذا الوقت لإعادة التفكير بالعمق في النموذج الزراعي الوطني.
الجزء الثاني: السيادة الغذائية – رافعة الاستقلالية الهيكلية
إذا كان المخزون التكتيكي يمتص الصدمات الفورية، فإن السيادة الغذائية تبني مرونة الغد؛ فهي تمثل طموحاً استراتيجياً طويل المدى يرمي إلى إعادة توجيه منظومة الإنتاج الوطنية نحو تحقيق الاستقلالية في اتخاذ القرار والتنفيذ. ويضع المغرب هذا المفهوم في قلب استراتيجيته “الجيل الأخضر 2020-2030″، التي خلفَت “مخطط المغرب الأخضر” (2008-2018).
أ. إعادة تعريف النموذج الزراعي: المفاضلة الاستراتيجية بين التصدير والمحاصيل المعيشية
يتطلب تحقيق السيادة الغذائية مفاضلة ذكية بين منطقين زراعيين غالباً ما يُنظر إليهما كمسارين متناقضين:
- الزراعة التصديرية (الحوامض، الطماطم، الفراولة، الأفوكادو): وهي مصدر رئيسي لتوفير العملة الصعبة الضرورية للاقتصاد الوطني، وتعتمد على مدارات مسقية ذات كفاءة عالية.
- المحاصيل المعيشية (القمح، الشعير، القطاني): وهي أساسية لاستهلاك الساكنة الوطنية، إلا أنها غالباً ما تكون أقل ربحية وأكثر عرضة للتقلبات المطرية.
ويكمن التحدي في الاستغلال الأمثل للأراضي والموارد المائية لتأمين السلة الغذائية الأساسية دون التضحية بعائدات الصادرات. ويتأتى ذلك عبر سياسات تحفيزية مستهدفة (أسعار مرجعية أدنى، تأمين زراعي) وبحث علمي زراعي مخصص لتحسين إنتاجية الحبوب في الظروف الجافة.
ب. التحكم في كامل سلسلة القيمة
لا تقتصر الاستقلالية الهيكلية على الإنتاج الخام فحسب؛ بل تتطلب السيطرة على كافة مراحل سلسلة القيمة:
- البذور: ما يزال المغرب يستورد جزءاً كبيراً من بذور القمح اللين. ويعد تطوير أصناف مقاومة (تتحمل الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة) عبر معاهد متخصصة مثل المعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA) ضرورة لحماية السيادة الجينية.
- التسميد: يشكل الارتهان للأسمدة النيتروجينية المستوردة (خاصة من روسيا وأوكرانيا) نقطة ضعف؛ لذا فإن تثمين الموارد المحلية (الفوسفاط) وتطوير الأسمدة العضوية يمثلان آفاقاً مستقبلية واعدة.
- التحويل والتحسين: تمر السيادة أيضاً عبر القدرة على معالجة المواد الخام محلياً (المطاحن، وحدات أعلاف الماشية) لامتصاص القيمة المضافة وتقليل تكاليف النقل. ولا يتجاوز معدل تحويل المنتجات الزراعية حالياً 20%، بينما يستهدف مخطط “الجيل الأخضر” الوصول إلى 70% بحلول عام 2030، وهو فارق يبرز حجم الشوط الواجب قطعه.
- العنصر البشري: تعد إعادة الاعتبار لعمل الفلاحين المحليين، من خلال التنظيم التعاوني، والتكوين المستمر، وتسهيل الحصول على القروض، أمراً حاسماً لجعل مهنة الفلاحة جاذبة ولضمان استدامة الخبرات والمهارات.
ج. الضرورة القصوى للسيادة المائية
في المغرب، لا يمكن فصل السيادة الغذائية عن التدبير المائي. فبعد عدة سنوات من الجفاف التاريخي، شهدت المملكة في عام 2026 تحولاً مائياً تميز بتساقطات استثنائية؛ حيث قفزت نسبة ملء السدود بشكل ملحوظ من 27.77% في مارس 2025 إلى ما يقارب 70% (69.97%) في نفس الفترة من عام 2026، لتصل إلى 75.9% في مايو 2026 مقابل 39.9% قبل ذلك بعام. وفي 6 يوليوز 2026، بلغت النسبة الإجمالية 72.9% باحتياطيات سجلت 12.42 مليار متر مكعب، و68.66% في غشت 2026.
غير أن هذا الانتعاش المائي، رغم أهميته البالغة، يجب ألا ينسينا ضرورة الاستمرار في الاستثمارات الهيكلية المستدامة:
- الري الدقيق: أتاح التحول نحو الري بالتنقيط في السهول الكبرى (سائس، دكالة) تحقيق توفير كبيرا في المياه، غير أن توسيع نطاقه يظل مكلفاً بالنسبة لصغار الفلاحين.
- إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة: تفتح المشاريع الابتكارية المجال لسقي المساحات الخضراء وبعض الزراعات العلفية دون المساس باحتياطيات المياه الصالحة للشرب.
- تحلية مياه البحر: من خلال مشاريع ضخمة مثل محطة اشتوكة أيت باها، يراهن المغرب على خيار التحلية، رغم أن هذه التكنولوجيا، المستهلكة للطاقة بكثافة، تطرح إشكالية الإمداد الكهربائي والتكلفة النهائية للمياه بالنسبة للفلاح.
الجزء الثالث: التمفصل الاستراتيجي – زمنان لطموح وطني واحد
لا ينفي المخزون الاحتياطي والسيادة الغذائية أحدهما الآخر؛ بل يتمفصلان في إطار تكامل واستجابة مزدوجة لا غنى عنها.
أ. المخزون كركيزة للانتقال
يوفر المخزون الاستراتيجي المتنفس المؤسساتي الضروري لقيادة الإصلاحات الهيكلية العميقة في القطاع الزراعي. فبدون شبكة أمان تضمن الحد الأدنى من تزويد الساكنة، ستجد أي حكومة نفسها تحت ضغط اجتماعي لا يُطاق يُجبرها على تفضيل الحلول الترقيعية قصيرة المدى على حساب الاستثمارات طويلة الأمد. وبهذا المعنى، يُعد المخزون بمثابة المحرك والوقود لعملية التحول.
ب. السيادة كآلية لتقليص الارتهان
بالموازاة مع ذلك، يؤدي تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الإمداد (على سبيل المثال، عبر التوجه نحو الاستيراد من أمريكا الجنوبية أو الهند لتقليل الارتهان لموانئ البحر الأسود) إلى تقليص حجم وتكلفة التوريدات الخارجية المطلوبة للحفاظ على هذا المخزون تدريجياً. ومع استقرار الإنتاج الوطني، يمكن للمخزون أن يصبح أقل حجماً وأكثر كفاءة، مما يحرر قدرات مالية ولوجستية لاستثمارها في مجالات أخرى.
ج. حكامة مدمجة وموحدة
يعتمد نجاح هذا التمفصل على حكامة منسقة بين عدة أطراف فاعلة:
- المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL): المايسترو والمدبر الرئيسي للمخزون وتنظيم الأسواق.
- وزارة الفلاحة: القائد لسياسات التنمية القروية والهيدروليكية الفلاحية.
- الخزينة العامة للمملكة: الفاعل الحاسم في توفير وتمويل الدعم والاستثمارات.
- الفرقاء الخواص (أرباب المطاحن، التعاونيات، والتجار): الأذرع التشغيلية والميدانية للسلسلة اللوجستية.
وفي هذا الصدد، تم إبرام اتفاقية إطار بين القطاعات الوزارية المعنية، والهيئات المهنية، ومجموعة القرض الفلاحي للمغرب، لضمان تمويل الموسم الفلاحي وتأطير عمليات التجميع والتسويق.
ومن خلال الجمع بين سرعة استجابة المخزون الاحتياطي والرؤية الاستراتيجية التي تحملها السيادة الغذائية، يمنح المغرب نفسه الإمكانيات الكفيلة بتحويل إدارة المخاطر إلى فرصة لتحقيق استقلالية مستدامة.
الجزء الرابع: خطة العمل العملية – البنيات التحتية، التحفيزات والحكامة لأفق 2026-2027
بهدف رفع نسبة تغطية الاحتياجات الوطنية من 3 إلى 6 أشهر، ينشر المغرب حالياً ترسانة تجمع بين البنيات التحتية المادية الحديثة والتحفيزات المالية المستهدفة. وتستفيد حملة 2026، التي وصفها المهنيون بـ “التاريخية”، من ظروف مناخية ملائمة بشكل استثنائي بإنتاج متوقع يناهز 90 مليون قنطار، يشكل القمح حوالي 50% منه. ويطمح الفاعلون في القطاع إلى تجميع ما بين 15 و20 مليون قنطار من القمح اللين، وهو حجم نادراً ما تم تحقيقه خلال العقد الماضي.
- تطوير البنيات التحتية المادية (الصوامع والمحطات البحرية)
تُعدّ السعة التخزينية الوطنية رهاناً حاسماً؛ حيث تبلغ طاقة تخزين الحبوب لدى المطاحن النشطة حوالي 1.1 مليون طن على شكل صوامع. وتتوزع القدرات التخزينية المتاحة كالتالي:
- 43.29 مليون قنطار لفائدة الهيئات والمؤسسات المختصة والتجار المجمعين.
- 17.30 مليون قنطار لحساب المطاحن الصناعية.
- 8.12 مليون قنطار المخصصة لمصانع أعلاف الماشية.
وتعتمد هذه القدرات الإجمالية على شبكة تضم 169 مستودعاً للتخزين، تتمركز 56 منها في جهة الدار البيضاء-سطات، و56 في جهة فاس-مكناس.
- صوامع موانئ ذات طاقة استيعابية كبرى: يُعد توسيع محطات الحبوب في الموانئ الكبرى (الدار البيضاء، الجرف الأصفر، طنجة المتوسط) أمراً حيوياً لتخفيض مدة تفريغ سفن صب البضائع وتفادي غرامات التأخير.
- شبكة الصوامع الجهوية (الداخلية): يتيح بناء مجمعات التخزين في أحواض الإنتاج الكبرى (سائس، الشاوية، عبدة، الغرب) تحقيق هدفين: تسريع وتيرة التجميع المباشر من الفلاحين دون إرهاق اللوجستيك الطرقي، والاشتغال كمنصات لإعادة التوزيع نحو مناطق الاستهلاك.
- تأهيل الرصيد التخزيني الحالي وتأمينه: تجري حالياً عملية تحديث شاملة للمنشآت القديمة لضمان الالتزام الصارم بمعايير السلامة والأمان (كالتهوية الميكانيكية، ومعالجة الآفات والحشرات، والتحكم في نسبة الرطوبة)؛ إذ أضحت أكثر من 40% من الطاقات التخزينية تعتمد على صوامع حديثة.
- منظومة التحفيزات المالية والضريبية
لتسريع عملية تشكيل الاحتياطيات خلال موسم 2026، أقرت الدولة حزمة من التدابير التحفيزية:
- السعر المرجعي المستهدف: حدد المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) السعر المرجعي لشراء القمح اللين الوطني في 280 درهماً للقنطار بالنسبة للجودة المعيارية، وذلك لدعم دخل الفلاحين بعد سنوات متتالية من الجفاف.
- منح التخزين المقدمة من طرف ONICL: أحدث المكتب منحة خزْن قدرها 2,50 درهم للقنطار عن كل أسبوعين خلال فترة التجميع المؤهلة للمنحة، إضافة إلى منحة تخزين تبلغ 3 دراهم للقنطار عن كل أسبوعين مخصصة لدعم بناء المخزون الاستراتيجي الوطني. وقد تم تمديد فترة التجميع المؤهلة للمنحة إلى غاية 31 غشت 2026 (بعدما كانت محددة في نهاية يوليوز).
- تعليق الاستيراد وإعادة فرض الرسوم: قام المغرب بتعليق واردات القمح اللين خلال شهري يونيو ويوليوز 2026 بعد التحسن القوي لمحصول الحبوب الوطني. كما أعاد فرض حقوق الاستيراد على القمح اللين ومشتقاته ابتداءً من 1 يونيو 2026، بنسبة حددت في 135%.
- دعم إنشاء المنشآت عبر صندوق التنمية الفلاحية (FDA): تُقدّم الدولة دعماً للمبادرات الخاصة عبر صندوق التنمية الفلاحية، بنسبة تتراوح بين 10% و30% من قيمة الاستثمار الموجه لبناء وتجهيز وحدات التخزين الفلاحية الجديدة.
- التحديث اللوجستي والحكامة الرقمية
تتطلب إدارة مخزون وطني موزع بين مئات الفاعلين إحداث تحول رقمي شامل:
- رقمنة الجرد في الوقت الفعلي: إرساء نظام معلوماتي مركز (بوابة المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني SIG-ONICL) يتيح تتبع حركة المخزونات لحظة بلحظة، مما يسمح بالإدارة الاستباقية للنقص والتنبؤ بالمستلزمات المستوردة.
- تعزيز مراقبة الجودة: تحديث مختبرات المراقبة التابعة للمكتب (ONICL) لضمان السلامة الصحية للقمح المخزن (معدل الرطوبة، السموم الفطرية، والشوائب).
- تحمل تكاليف النقل: تتضمن المنظومة التكفل بتكاليف نقل القمح اللين نحو بعض المناطق النائية، ولا سيما الراشيدية، كلميم، وورززات.
الجزء الخامس: الحدود والتحديات الواجب تجاوزها
رغم هذه الترسانة المتكاملة من التدابير والظروف المناخية الملائمة، يواجه المغرب عدة تحديات جسام:
أ. الارتهان الهيكلي للواردات
تصل نسبة ارتهان المغرب لاستيراد الحبوب إلى زهاء 80%، وهو رقم مقلق يعرض المملكة لتقلبات الأسواق الدولية. ففي عام 2022، لم يغطِّ الإنتاج الوطني سوى 28% من الاحتياجات من الحبوب، و27% من الزيوت، و20% من السكر. وبين يناير وسبتمبر 2025، بلغ الحجم الإجمالي لواردات الحبوب 7.87 مليون طن.
ب. إشكالية التكلفة والإنفاق
يولّد التخزين طويل الأجل تكاليف فرصة بديلة مرتفعة؛ حيث تضغط المنح والمكافآت التي يقدمها المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) على ميزانية الدولة، كما يستلزم تحديث الصوامع استثمارات مالية ضخمة. ومن ثم، تبرز الحاجة الماسة إلى تقييم دقيق للتكلفة مقابل الفائدة لتجنب تحول سياسة التخزين إلى استنزاف مالي دون أثر ملموس على المرونة الوطنية.
ج. انتقادات “مخطط المغرب الأخضر” وازدواجية المنظومة الفلاحية
رغم أن “مخطط المغرب الأخضر” (2008-2018) مكّن من رفع دخل الفلاحين بنسبة 47% ومضاعفة قيمة الصادرات الفلاحية 2.7 مرة، إلا أنه يواجه انتقادات بتفضيله الزراعات التصديرية (كالفواكه الحمراء، والحوامض، والطماطم) على حساب المحاصيل المعيشية، دون تحقيق تحسّن ملموس في الاكتفاء الذاتي الغذائي. وقد أدت هذه الازدواجية إلى تفاقم الفوارق بين الاستغلاليات الكبرى والصغرى.
د. التغير المناخي: بين الجفاف والفيضانات
شهد المغرب سبع سنوات من الجفاف التاريخي قبل التحول المائي الاستثنائي لعام 2026. وتُعد التقلبات المناخية الحادة – التناوب بين الجفاف الممتد والتساقطات الاستثنائية – تحدياً رئيسياً للتخطيط الزراعي. وتتوقع النماذج المناخية زيادة وتيرة الجفاف في المنطقة على المدى الطويل، مما يتطلب إعادة التفكير في السلة الغذائية الوطنية عبر تشجيع زراعات أقل استهلاكاً للمياه (مثل الذرة البيضاء/السرغوم والقطاني).
هـ. التنسيق والالتزامات الدولية
باعتباره عضواً في منظمة التجارة العالمية (OMC) ومترابطاً باتفاقيات تبادل حر (خاصة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، يتعين على المغرب الموازنة بين رغبته في الحماية التكتيكية والتزاماته التجارية الدولية. ويتطلب قرار تعليق الواردات وإعادة فرض الرسوم الجمركية بنسبة 135% ضبطاً دقيقاً لتفادي أي نزاعات تجارية.
الجزء السادس: الآفاق ومارات التحسين ذات الأولوية
أمام هذه التحديات، يحدد الخبراء عدة محاور أولوية لتعزيز السيادة الغذائية للمغرب:
أ. تطوير الموانئ الثانوية
تتطلب إزالة الاكتظاظ عن ميناء الدار البيضاء تطوير الموانئ الثانوية، على غرار مينائي الناظور وأسفي، لضمان انسيابية تدفقات الاستيراد والتوزيع.
ب. تثبيت الإنتاج الوطني بمعزل عن التقلبات المطرية
يكمن الهدف في الوصول إلى مليون هكتار مسقي مخصص للحبوب لتثبيت الإنتاج الوطني بقطع النظر عن التغيرات المناخية. ويستلزم ذلك استثمارات ضخمة في البنيات التحتية الهيدروليكية وتقنيات الري الدقيق.
ج. اعتماد إدارة ديناميكية للمخزونات
المغرب يمتلك خبرة عالية في تدبير الفوسفاط؛ ولذا يجب تطبيق هذه الصرامة نفسها على المجال الغذائي. إن إدارة ديناميكية للمخزونات، تعتمد على تدوير أسرع وميكانيزمات استباقية، من شأنها تخفيض التكاليف مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الأمان.
د. تأمين مدخلات الإنتاج الفلاحي
يعد تأمين المدخلات الفلاحية (البذور، الأسمدة، ومواد الحماية النباتية) لموسم كامل أمراً حاسماً لتفادي أي انقطاع في التزويد قد يضر بالإنتاج الوطني.
هـ. تعزيز البحث العلمي والابتكار
وكما تؤكد هدى فرح جسوس: «تلك هي المفارقة المغربية: عقول ألمعية، معاهد صلبة، تنوع بيولوجي استثنائي، ومعدل تحويل يتوقف عند حدود 20%». ومن هذا المنطلق، يغدو تقوية البحث الزراعي، وتطوير براءات الاختراع، والابتكار في الصناعات الغذائية روافع أساسية ل تجاوز هذه الفجوة وترسيخ السيادة الغذائية.
خاتمة: نحو عقد اجتماعي غذائي جديد
لا يشكل المخزون الاحتياطي والسيادة الغذائية خيارين متضادين؛ بل هما شريط استراتيجي متصل تنير فيه الطوارئ التكتيكية الرؤية الهيكلية. والمغرب، برصيد خبرته في إدارة الأزمات وقدرته على الابتكار، بصدد بناء نموذج متوسطي فريد يجمع بين الحداثة التكنولوجية (الصوامع الرقمية، تحلية المياه) والذكاء الاجتماعي (التعاونيات، الدعم المستهدف).
وتوفر حملة 2026، بـ 90 مليون قنطار المتوقعة وظروفها المناخية الملائمة، فرصة تاريخية لإعادة بناء سوق وطنية أنهكتها سنوات الجفاف. لقد أضحى المغرب يتعاطى مع رهان الأمن الغذائي واستدامة الاكتفاء الذاتي كجزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية الشاملة.
غير أن الثورة الحقيقية لن تتأتى فقط من البنيات التحتية أو التحفيزات المادية؛ بل ستنبع من تحول جذري في المفاهيم: التعامل مع الغذاء كـ “صالح عام استراتيجي”، شأنه شأن التعليم والصحة. وهذا يقتضي تعبئة مواطنة (تقليص الهدر، وتنويع الأنظمة الغذائية)، وتخطيطاً بيئياً، وسيادة حاسمة في اتخاذ القرار، حتى لو تطلب ذلك مفاضلات خيارية صعبة.
وفي النهاية، فإن الأمن الغذائي للمغرب سيحدد مدى قدرته على التوفيق بين هذين الزمنين: التخزين من أجل الصمود أمام الصدمات الفورية، والإنتاج من أجل التحرر من الارتهانات الهيكلية؛ توازن دقيق، ولكنه حيوي لمملكة تطمح إلى البقاء سيدة قرارها وغذائها.
كلمات مفتاحية: الأمن الغذائي، السيادة الغذائية، المخزون الاستراتيجي، المغرب، الحبوب، المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL)، الصمود المناخي، الماء، الفلاحة، الجيل الأخضر، مخطط المغرب الأخضر.
