محاكمة الكلمات

محاكمة الكلمات

شامة اليعقوبي

         تبدو حرية التعبير، في النقاش العام، وكأنها حق بسيط: أن يقول الإنسان ما يفكر فيه. لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما تتحول الكلمات إلى اتهام أو إهانة أو تحريض أو كشف للحياة الخاصة أو نشر لخبر كاذب يسبب ضرراً. هنا ينتقل الكلام من المجال الأخلاقي والسياسي إلى المجال القانوني، ويصبح السؤال: متى تظل العبارة رأياً محمياً، ومتى تتحول إلى فعل يعاقب عليه القانون؟

أعاد كتاب أنّا أرزومانوف  ، محاكمة الكلمات: حرية التعبير والعدالة واللغة ، الصادر سنة 2025، طرح هذه المسألة من زاوية دقيقة: القاضي لا يحاكم الكلمات منفصلة، وإنما يحدد معناها بالنظر إلى من قيلت عنه، والسياق الذي وردت فيه، ونوع الخطاب، والضرر المحتمل. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في المغرب، حيث يضمن الفصل 25 من الدستور حرية الفكر والرأي والتعبير بمختلف أشكالها، ويضمن الفصل 28 حرية الصحافة وحق نشر الأخبار والأفكار والآراء ضمن الحدود التي يحددها القانون.

يقدم قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 مثالاً واضحاً على هذه الحدود. فالمادة 83 تميز بين القذف، أي إسناد واقعة إلى شخص أو هيئة من شأنها المس بشرفه أو اعتباره، والسب، أي استعمال تعبير مهين أو حاط من الكرامة من دون نسبة واقعة محددة. وتقرر المواد التالية غرامات تختلف بحسب الشخص أو الجهة المستهدفة. كما يحمي القانون الحياة الخاصة والصورة، ويعاقب على نشر ادعاءات أو صور مرتبطة بالحياة الحميمة إذا لم تكن لها صلة وثيقة بالشأن العام.

الأهم أن النص المغربي نفسه لا يكتفي بالكلمة المجردة. فعند تقدير التعويض في قضايا القذف أو السب أو المس بالحياة الخاصة، تشير المادة 91 إلى سوء النية، وظروف ارتكاب الفعل، وحجم الضرر، ومبدأ التناسب. ويؤخذ بحسن النية عندما يكون هناك تحرٍّ وتحقيق صحفي، وغياب للقصد الشخصي، ووجود مصلحة عامة في النشر. وهذا يعني أن عبارة واحدة قد يكون حكمها مختلفاً بحسب مكان نشرها، والجمهور الذي وصلت إليه، والهدف منها، وما إذا كانت جزءاً من تحقيق صحفي أو خصومة شخصية أو سخرية.

وتزداد المسألة حساسية في الفضاء الرقمي. فالتدوينة والفيديو والتعليق القصير يمكن أن تنتشر خلال ساعات خارج سياقها الأصلي. كما أن قانون الصحافة لا يغطي وحده كل أشكال التعبير. فالقانون الجنائي يتضمن بدوره مقتضيات مرتبطة بالخطاب؛ ومن بينها المادة 267-5 التي تعاقب على المس بالدين الإسلامي أو النظام الملكي أو التحريض على المس بالوحدة الترابية، مع تشديد العقوبة عندما يتم الفعل بصورة علنية، بما فيها الوسائل الإلكترونية. لذلك يظل النقاش قائماً حول وضوح الحدود، وطريقة التمييز بين النقد المشروع والأفعال المجرمة، ومدى تناسب العقوبة مع الضرر.

وقد عاد هذا النقاش بقوة في المغرب خلال 2025 و2026. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان دعا في مذكرته المتعلقة بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى تعزيز مبادئ الضرورة والتناسب والاستقلال، وإلى الحد من التدخل الزجري في مجال الصحافة، كما أوصى بإلغاء المقتضيات الجنائية المتعلقة بالقذف وتعويضها بقواعد مدنية متوافقة مع معايير حقوق الإنسان. وجاءت إصلاحات تنظيم الصحافة خلال 2026 لتؤكد أن العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية ما تزال ورشاً مفتوحاً.

المشكلة إذن ليست في وجود حدود لحرية التعبير، فكل نظام قانوني يضع قيوداً لحماية الأشخاص والمجتمع. المسألة الحاسمة هي أن تكون هذه الحدود محددة وواضحة وقابلة للتوقع، وأن يفسرها القضاء بتعليل دقيق يراعي السياق والنية والمصلحة العامة وحجم الضرر. وهنا تبدو الاستفادة من اللسانيات وتحليل الخطاب مفيدة في المغرب أيضاً: فالقاضي يتعامل مع معنى تشكل داخل موقف اجتماعي وسياسي وإعلامي. والعدالة في قضايا التعبير تبدأ، في النهاية، من فهم ما قيل، ولمن قيل، ولماذا قيل، وما الذي ترتب عنه.

شارك هذا الموضوع

شامة اليعقوبي

كاتبة وباحثة مغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!