النار والمرآة

النار والمرآة

شعيب حليفي

         رياح الخريف المبكرة تعتصر وجه الشمس اللاهب، وتصادف دورة أخرى تدور وتدور في المكان نفسه بحثا عن معادلة الحياة. حتى الصمت يُسقط أقنعته ويعود إلى مراودة خيالات الصخب والضجر.. عبر المسرح وهو يشعل النار في المرايا .

صادف أن افتتح مسرح لارميطاج موسمه الفني، في منتصف سبتمبر، بمسرحية “رحبة الشيخات” لفرقة المنار للثقافة والمسرح، وهو عنوان بدا، أمام قيمة المسرحية، خارج السطر. فقد استطاع العرض أن يخلق سياقات جديدة في الفعل المسرحي المجدِّد، عبر توليفة من الهزل والتراجيديا، داخل مساحة لعب محبوكة يؤطرها ثلاثة ممثلين يمتلكون مواهب متقاطعة ومتفاعلة وجريئة في بناء اللحظة ونقيضها كما في تحدّي النص المكتوب بنص تشخيصي تفاعلي، وفي انتصار الممثل على الصورة النمطية والتجديد على التكرار.

قد تبدو الحكاية المشخَّصة بسيطة في ظاهرها شكلا لعبيا لأفاعيل الحياة حين تغرز الرغبة أنيابها في العلاقات.. فتاة شابة مكتنزة، مشتعلة بالرغبة وبمبادئ الانفتاح( عليجة.. وتؤديها رحاب العقاوي) تمتلك صوتها الذي ينوّع من مناحاته قبل أن يتحول إلى شبكة عنكبوت شبقية. وفي المقابل شخصيتان وُلدتا من أم واحدة، ثم أضاعتهما رحبة الحياة المؤنثة وتفرقت بهما السبل.

وفي لحظة بحث كل واحد منهما عن الآخر، يلتقيان. يتزوج عبد السلام من عليجة، بينما يظل أخوه شيبوب، المغرم بزوجة أخيه، يخفي تباريحه، ثم يتدخل القدر المسرحي ليُبعد عبد السلام بعد استدعائه لأداء واجبه العسكري، عندها يتفق شيبوب وعليجة، أو يقنعان نفسيهما، بأن عبد السلام قد استشهد، فيتزوجان. وبعد سنة أو أكثر يعود عبد السلام لتكتمل مفارقة الحكاية حول امرأة متزوجة من رجلين، هما في الأصل أخوان من أم واحدة.

منحت سلاسة الحكاية الممثلين الثلاثة سلطة اختراق سطح النص. فعلت عليجة ذلك بصوتها الشجي، وأغانيها المتلونة، وحضور جسدها الممتلئ بالحياة، بينما أتاح العرض لعبد السلام وشيبوب( حميد مرشد وعبد المجيد الزعيم) أن يخرجا يمينا وشمالا عن حدود النص، وأن يدقّا على المعاني بضربات مفاجئة جعلت الجمهور، من الكبار والأطفال معا، مندمجا ومشاركا.. وهذه واحدة من أجمل ميزات المسرحية في كونها لم تتعامل مع المتفرج بوصفه عينا خارجية وإنما جرّته بنفس سلاسة الحكاية إلى داخل الرحبة. وقد استلهم حميد مرشد(المؤلف والمخرج والممثل) هذه الحكاية من الغناء الشعبي المنسي، كما أوضح في كلمته عقب انتهاء العرض الأول للمسرحية بقاعة عبد الصمد الكنفاوي في السنة الماضية؛ إذ كان الفنان الشعبي نعينيعة رفقة صديقه الصاروخ يؤدي في الحلقات والساحات العامة حكاية امرأة تزوجت رجلين، جامعا، على طريقة فناني الحلقة، بين الغناء والحكي والتشخيص والسخرية.

غير أن المسرحية، بهذا الإشهاد نفسه، لا تسلم من إرباك النص الثقافي الشعبي الذي تنطلق منه، ولعل هذا الإرباك هو ما جعلها تتحول إلى ما يشبه الطِّرس بنص ظاهر تُكتب فوقه حكاية، فيما تظل حكاية أخرى، أقدم أو أشد رسوخا في الذاكرة، تطل من جنباته. ذلك أن اختيار اسمي الشخصيتين، عبد السلام وشيبوب، لا يبدو اختيارا عفويا في الذاكرة الشعبية المغربية.. فالاسمان يحيلان إلى حكاية أخرى أكثر شهرة، تحولت بدورها إلى أغنية شعبية مؤثرة: قصة عبد السلام وشيبوب، المرتبطة بحادثة وقعت سنة 1973 بامزاب بالشاوية.

تقول الرواية المتداولة إن عبد السلام وشيبوب كانا من أعز الأصدقاء، قبل أن يقع بينهما خصام عابر تحوّل إلى مأساة، وبينما كانا مسافرين في حافلة من حافلات النواحي، تحيّن شيبوب الفرصة فغدر بعبد السلام وقتله، ثم أنهى حياته بعد ذلك بنفس السكين. وسرعان ما خرجت الواقعة من حدود الخبر العابر وتسللت إلى الذاكرة الشعبية عبر أغنية تُؤدّى بآلة الوتار في الأسواق والحلقات، ويتناقلها المغنون الشعبيون قبل أن يسجلها ويوثقها الثنائي التهامي وعبد الهادي. ولعل قوتها، كما يتذكر من سمعوها، في قدرتها على تحويل الحادثة إلى مأساة إنسانية ذات تأثير مباشر.

هنا تحديدا تصبح مسرحية “رحبة الشيخات”رحبة للذاكرة والحياة،  أكثر تعقيدا مما توحي به حكايتها الأولى، فهي لا تستدعي قصة المرأة المتزوجة من رجلين، ولكنها تستدرج، بقصد أو من دونه، طبقة أخرى من الذاكرة الشعبية بمجرد أن تمنح الرجلين اسمي عبد السلام وشيبوب، وهكذا تتراكب الحكايتان داخل العرض.. واحدة مبنية على الرغبة والخديعة والمفارقة، وأخرى مشبعة بالصداقة ونار الغدر والموت، وبينهما يتحرك المسرح، مثل الذاكرة نفسها، يكتب فوقه ويترك شيئا منه ظاهرا.

ولطالما كان من فضائل المسرح المغربي العودة إلى المادة الشعبية التي يستعيدها بوصفها أثرا نارا في مرآة الحياة تسكن النفوس فيوقظها الفن ويخلط طبقاتها في معانى جديدة، ذلك أن الحكايات الشعبية تكتسب حياتها من حرارتها  وقدرتها على العيش في الصمت والفن بأشكال متعددة ومفارقة، تحرق ولا تحترق، وترى ولا تُرى .. لأنها نص جماعي مفتوح على التعديل كلما انتقل من فم إلى آخر، ومن حلقة إلى خشبة، ومن زمن إلى زمن.. وما يبقى منها ليس الحكاية نفسها، وإنما هو الأثر الإنساني الذي يجعل الناس، بعد عقود طويلة، يضحكون من مفارقة أو تدمع أعينهم من حكاية رجلين كانا يوما صديقين.. واحترقا في مرايا هذا العالم.

شارك هذا الموضوع

شعيب حليفي

روائي وناقد أدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!