أمْنَنَة الإعلام أو حين يتحول الخبر إلى علامة اتهام
مصطفى المنوزي
“اجلسوا على الربوة ، فالجلوس على الربوة اسلم”
أحيانًا، نحتاج إلى استدعاء أمبرتو إيكو، ولا سيما تمييزه بين التأويل المشروع والتأويل المفرط، لفهم اشتغال بعض المنابر التي تقتات من «الخيال الأمني»؛ فهي لا تنقل الخبر بقدر ما تعيد ترميزه داخل نسق من العلامات المعدّة سلفًا: يصبح القول إشارة، والاختلاف شبهة، والنقد قرينة، والصمت اعترافًا ضمنيًا، والعلاقة العابرة رابطًا تنظيميًا؛ وبذلك لا تُقرأ الوقائع انطلاقًا مما تثبته، بل تُستدرج إلى سردية أمنية سابقة عليها، تبحث في كل علامة عن المعنى الذي قررته قبل وقوعها. فمثل هذا الخطاب يشتغل على مستويين متوازيين، مستوى ظاهر يدّعي الإخبار والدفاع عن الوطن والإجماع، ومستوى مضمر ينتج الاشتباه، ويصنّف الأشخاص، ويوزّع صكوك الوطنية والخروج عنها؛ وبينهما (أي المستويين)، تتحول اللغة من أداة لمعرفة الواقع إلى تقنية لإعادة تشكيله؛ فالخبر لا يُقدَّم بوصفه واقعة قابلة للتحقق، بل باعتباره شفرة ينبغي للقارئ أن يفكها وفق مفتاح أمني جاهز. وهكذا يُدفع المتلقي إلى استكمال الاتهام بنفسه، من خلال الإيحاء، والتجاور المصطنع بين الوقائع، وانتقاء الصور والعناوين، واجتزاء الأقوال من سياقاتها ؛ وبذلك تفضي الخلاصة إلى أنه
«إعلام الأمننة» الذي لا يحتاج إلى التصريح بالتهمة ما دام قادرًا على إنتاج علاماتها؛ فهو يحبك السردية المغرضة بواسطة السؤال الموجِّه، والعنوان الملتبس، والصورة المنتقاة، وتكرار المفردات المشحونة، حتى يبدو التأويل الأمني كأنه المعنى الطبيعي والوحيد الممكن؛ والحال أن ما يُقدَّم بوصفه كشفًا للحقيقة ليس، في كثير من الأحيان، سوى تأويل مفرط يحمّل الأقوال ما لا تحتمل، في صيغة وشاية مغرضة، ويقيم روابط بلا حجج، ويحوّل الاحتمال إلى يقين، ثم يعرض هذا اليقين المصنوع باعتباره حقيقة عامة، مغترفة من مستنقع عدائي !
بهذه الممارسة، لا يعود الإعلام وسيطًا معرفيًا يمكّن المواطن من حقه في الحقيقة، بل يغدو جهازًا سيميائيًا للاتهام: يصنع صورة المشتبه فيه قبل ثبوت الفعل، ويؤسس الإدانة داخل المخيال الجماعي قبل أن تنظر فيها أي جهة مختصة. إنه لا يصف الشخص بقدر ما يبني له هوية رمزية؛ فينقله، عبر تراكم العلامات والإيحاءات، من موقع المواطن المختلف إلى موقع «الخارج عن الإجماع»، ثم من المختلف إلى المشبوه، ومن المشبوه إلى المتآمر، وهنا تنصب له أعواد المشنقة الإفتراضية. وهكذا تُستدعى من الذاكرة السلطوية روح ظهير «كل ما من شأنه» السيّئ الذكر، الذي نسخ ولم يلغ؛ لا بنصه القديم، بل بمنطقه الدلالي في صيغة رقمية مستحدثة: تجريم النيات، ومحاكمة المواقف، وتأثيم العلاقات، والتشهير بالأشخاص قبل التحقيق والمحاكمة. فالعبارة الفضفاضة التي كانت تتيح للسلطة أن تُدخل أفعالًا متعددة في دائرة التجريم، يعاد إنتاجها إعلاميًا عبر شبكة من العلامات المفتوحة على الاتهام، حيث يصبح كل شيء «من شأنه» أن يُقرأ دليلًا على المؤامرة وموجبا للإغتيال الرمزي وغيره من صنوف الإعدام!
إنه إرهاب إعلامي مقيت؛ لأن أثره لا يقف عند المساس بالسمعة والكرامة، بل يمتد إلى هندسة المجال العمومي بالخوف. إنه يبعث إلى الجميع رسالة مضمرة مفادها أن التعبير قد يتحول إلى ملف، والاختلاف إلى شبهة، والنقد إلى هوية أمنية تلاحق صاحبه؛ وبذلك لا تُستهدف الكلمات المنشورة وحدها، بل تُراقب مسبقًا الكلمات التي لم تُقَل بعد، فيمارس الأفراد رقابة ذاتية على أفكارهم ومواقفهم خشية إدخالهم في سلسلة دلالية تنتهي بالتخوين. فالإعلام الذي يتخلى عن التحقق، والإنصاف، وقرينة البراءة، لا يحرس الحقيقة، بل يحتكر مفاتيح تأويلها؛ ولا ينقل الواقع، بل يعيد ترميزه وفق سردية أمنية مغلقة. وهو، حين يقدّم معنى واحدًا باعتباره المعنى الوطني الوحيد، لا يخدم الوطن، بل يختزله في علامة واحدة، ويحوّل الانتماء إليه من فضاء للمواطنة والتعدد إلى اختبار دائم للولاء. عندئذ يسقط ادعاؤه بالانتساب إلى أخلاقيات السلطة الرابعة؛ لأن الإعلام لا يكون سلطة ديمقراطية بمجرد امتلاكه حق الكلام، بل بقدر احترامه حق المجتمع في الحقيقة، وحق الأشخاص في الكرامة، وحق الاختلاف في ألّا يتحول إلى علامة اتهام ومنصة إعدام! فرضي الله عن الإمام علي حين قال : «دَعُوني والتمسوا غيري… وأنا لكم وزيرًا خيرٌ لكم مني أميرًا».
