ضربة مقص.. في حدود الرياضي والسياسي

ضربة مقص.. في حدود الرياضي والسياسي

محمد كلاوي

       يموج العالم حاليا في العديد من المتغيرات التي زعزعت، إن لم نقل عصفت، بالكثير من الطروحات الفلسفية والسياسية التي ظلت تسيطر، طوال أجيال وعقود، في قراءة وتحليل الواقع الاجتماعي. فمع انتشار الأنترنيت عند أواخر التسعينيات، واتساع فضاءات التواصل الاجتماعي بشكل لم يسبق له مثيل، تحقق التحول الرقمي كآلية تكنولوجية ليجعلمنه منصة عالمية لا تقتصر فقط على تبادل المعلومات وإنما كان لها أثر بالغ على بنية المجتمع ككل. وهذاهو ما اصطلح على نعته بـ “الثورة الرقمية” التي كانت بمثابة الخط الفاصل بين حقبتين تاريخيتين لم تتنبأ بانعكاساتها حتى أكتر التحاليل عمقا، لما أحدثنه من شرخ في بنيات المجتمع لآنها لا تعتمد على المناهج التقليدية كعلم الحفريات والأنثروبولوجيا أو علم الاجتماع… وإن ظلت هذه المناهج حاضرة كخلفية في محاولتها إبراز الأساليب والوسائل الفنية والتكنولوجية، المحددة للتطور البشري في تفسير الفوارق بين الثقافات والحضارات.

فالتغيير المقصود هنا لا يقتصر على الجانب التقني الميكانيكي، بل يروم تجلياته على أسلوب الحياة ونمط العيش لدى المواطن بمختلف شرائحه الاجتماعية ومواقعه الجغرافي ودرجات وعيه وثقافته. ذلك أن لكل عصر حاجياته وخصوصياته ورجالاته ونخبه. فعندما ندد كارل ماركس باستغلال الدين من طرف الطبقة البورجوازية، مدعومة من الكنيسة الكاثوليكية، كان يتوجه إلى فئة أكثر نضجا لا تزال تعيش غمرة عصر الأنوار التي انتهت تدريجيا إلى تحييد السلطة الكنائسية وإقامة الدولة العلمانية. بالمقارنة ما نسميه “الثورة الرقمية” لم تخضع لسلسلة التطور الحتمي، ولم تعرف مراحل الصراعات الفكرية والإيديولوجية، وإنما طلت في منأى عن أي حركية تاريخية واجتماعية، كتنك التي شهدتها العديد من الأنظمة خلال القرنين التاسع عشر والقرن العشرين، وما أنجبته من أنظمة شمولية ودكتاتوريات لا زالت رواسبها قائمة إلى اليوم. ويمكن إجمالا سرد بعض هذه العوامل كالتالي:

أنها ذات طابع “ديمقراطي” لا تنحصر في الفئات والنخب المثقفة والواعية، نظرا لسهولة استغلالها التي سمحت باختراقها لجميع الأوساط المجتمعية، حتى تلك التي لم تطأ المدرسة اقدامهايوما. أكثر من هذا فقد وجد فيها العديد من الساسة وسيلة دعائية غير مرهقة لعرض وتفسير برامحهم. ودأب على نفس المنوال أغلب الصحفيين الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على احتضانها غبر تقنية “البودكاست” أمام تراجع الصحافة الورقية. لا ننسي في هذا الصدد تناسل الأعداد اللامتناهية من صانعي المحتوى الذين يلهثون وراء جني أكبر حصص من المتابعات لأسباب مادية صرفة فرضتها ظروفهم الاجتماعية، ولو أن جلهم لا يفقهون في أبجديات قوانين الإعلام، أنها لا تتحدد جغرافيا، وأنها غير مرتبطة بدرجة التقدم الصناعي والحضاري للأمم. وقد أفرد كوستاف لوبون لهذه المسألة، بغير قليل من التفاصيل، كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، ولو أنها قد سبق تناولها من قبل عدد من الفلاسفة والمفكرين كالعدميين وفي مقدمتهم ارثور شوبنهاور، وفريديريك نتشه. فهذا الكتاب الذي ينهل من علم النقس الاجتماعي يقسم الأنسان إلى صنفين: شخصية واعية بذاتها ولذاتها وشخصية لا واعية. فالأولى يكون تفكيرها وسلوكها خاضعا للنظم والعقائد السائدة، لكن ما أن تندمج في الجماعة حتى تفقد خصوصيتها لأنها بذلك تكسب الطمأنينة التي تنزع عنها الإحساس بالمسؤولية. أما نتشه فيذهب أبعد من ذلك حينما يرصد “سيكولوجية القطيع” في كون الفرد قد لا يرفض فكرة الحقيقة في حد ذاتها، وإنما يرفض أن تأتي من خارج الجماعة، لآن ذلك يهدد أسس الوجود المشتركلديه، كالخوف من طرح الأسئلة الكبيرة حول الدين والسياسة، لأنها محرمة دينيا ومرفوضة اجتماعيا وأخلاقيا. لكن ليس معنى هذا دعوة إلى التمرد والعصيان بل إلى تحطيم كل الأصنام والقيود الموروثة في أفكاره والتي تحد من حريته كإنسان قادر على تسطير برنامج حياته الخاص به والمستقل عن الموروثات الجاهزة، حتى ولو كانت طريقه شائكة.

في هذا السياق يعمد صانعو القرار السياسي إلى ابتكار أساليب مغرية بغرض إلهاء الناس عن مشاكلهم الحقيقية. ويبدو أن من بين أنجع الوسائل لبلوغ هذا الهدف الني استقر عليها نبوغ هؤلاء هي لعبة كرة القدم. قفي بدايتها كانت مجرد لعبة ترفيهية بين أيدي الأرستقراطية الإنجليزية الذين وضعوا أول قواعدها. ولم تكن تلهم الجماهير لأنها غير احترافية أو رهنا بقانون السوق. في هذا الإطار يقول إدواردو غاليني، الصحفي والروائي من أوروغواي في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل”: “إن كرة القدم هي مرآة للعالم وهي تقدم ألف حكاية وحكاية مهمة فيها المجد والاستغلال والحب والبؤس، وفيها يتبدى الصراع بين الحرية والخوف ونحن في أوج ديانة السوق”. ثم يضيف: “يرتبط كل عام كروي وبطولة كأس العالم بأحداث سياسية واجتماعية كبرى جرت في نفس الفترة …وتحولت من لعبة بسيطة للبهجة إلى تجارة ضخمة وسلعة تحتفي بمهارات اللاعبين العظماء وبسحر الأهداف الذي يصنع الوهم الجميل والفرح المؤقت للجماهير”.

إن كرة القدم على عكس باقي الرياضات أو الفنون… هي الوحيدة التي يصدق عليها وصف الجمهور العام حسب علم الاجتماع والإعلام. لقد اكتسبت في صيغتها العصرية إشعاعا لا يعرف الحدود الجغرافية أو العرقية أو العقائدية أو الجنسية ولا حتى العمرية. غير أنها حرفت تدريجيا عن غايتها الأولى كوسيلة للترفيه إلى مبارزة فعلية من أجل فرض الذات وكسب الألقاب بعدما أصبحت فريسة لسلطة المال ومنطق السوق، بحيث أصبح اللاعب بضاعة تجارية تزداد أو تنخفض قيمتها بمقدار ما لم يصبه التعثر أو الكساد. فصارت أعرق النوادي الغربية تضم وتجنس لاعبين ماهرين لحد تساءل الكثير من المتابعين عن هوية بعض الفرق الأوروبية، جل لاعبيها دوي بشرة سوداء، الذين انتشل أغلبهم من بيئتهم الأصلية والغارقة في الجهل والأمية، وعلى رأسها فرنسا والتي كثيرا ما تنعت لهذا السبب بشتى أنواع التهكم، خصوصا من بعض الأطراف العنصرية داخل أحزاب اليمين المتطرف.

وقد كان من الحقائق البارزة لهذا المنعطف أن أصبحت اللعبة، في سيكولوجية الاتصال، تستنفر الغرائز أكثر مما تسترشد بالعقول، خصوصا في بعض البلاد العربية التي جعلت منها أداة لتصفية حسابات سياسية. وهذا المنحى نلاحظه عند أغلب المعلقين الرياضيين المشرقيين الذين يغلب صراخهم، بحكم التراكمات القبلية والتدينيةعلى الوصف الفنيلمجريات المقابلات، وقد استفحلت هذه النزعة غداة فتح قناة “بيين سبورت” التابعة للشبكة الإعلامية الدولية “الجزيرة”، التي أصبحت تستفرد بحقوق البث لكبريات التظاهرات الرياضية، والكروية بشكل خاص. والأدهى هو أنه حتى المعلقين المغاربة المشتغلين بها يجبرون على تبني نفس الأسلوب في التعليق في حين كان أسلوبنا كما تعودنا عند أحمد الغربي وعبد اللطيف الشرايبي وسعيد زدوق وغيرهم…أكثر هدوءا وإقناعا. والحقيقة أن القناة قد تمكنت في زمن قصير، بفضل طاقمها الإعلامي المتميز، أن تنافس كبرى القنوات الأمريكية وعلى رأسها “سي إن ن” و”فوكس نيوز”، لكن خطها التحريري المتحيز سرعان ما أفقدها المصداقية والحياد اللازمين في شروط الخبر وأبعدها عن شعار “الرأي والرأي الآخر”.

هذا الانزلاق من الرياضي إلى السياسي ينم عن جهل أو تجاهل لقوانين الصحافة، على الأقل تلك الناطقة باسم الدولة، وهو الأمر الذي لم يفطنه لأسباب متعددة، بعض القائمين على الشأن الإعلامي في البلدان التي لا تمتلك تاريخا رياضيا يجعلها تضع الخطوط الفاصلة بين المجالين. لنتذكر ما قام به رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم الشيخ فهد الأحمد سنة 1982 احتجاجا على هدف اعتبره غير شرعي بعد هزيمة فريقه أمام المنتخب الفرنسي، ولو أن سلطة المال انتهت بالخضوع لرغبته. وغير بعيد خلال مباريات كأس أفريقيا للأمم، شاهدنا كيف غادر الفريق السنغالي متعمدا الملعب، احتجاجا على إعلان الحكم ضربة جزاء لصالح المغرب والتي لا زالت تبعاتها غير محسومة في انتظار قرار محكمة الطاس النهائي . والواقع أن دفاع الجرائر عن السنغال وتوريطها في أعمال الشغب الفادح داخل وخارج مدرجات الملعب، لم يكن رغبة في إحقاق فوز بقدر ما كان يستهدف إفشال عرس كروي من شأنه تعزيز حظوظ المغرب في تنظيم كأس العالملسنة 2030، خاصة وقد لقي دعما من لدن بعض نجوم ومسيري الكرة في ا لعالم.

فالجزائر التي جيشت بعضا من حلفائها وخاصة السنغال ومصر، بهدف تكسير التنظيم الكروي المميز بالمغرب،كانت تروم حجب كل إمكانية لتزكية مكانته، كقوة سياسية ورياضية، بفضل المجهودات التي زاولتها الدولة بقيادة صاحب الجلالة محمد السادس، منذ ان قرر إنشاء مراكز ومعاهد للتكوين، وعلى رأسها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم بسلا التي دشنت سنة 2010، ناهيك عن تجهيز البني التحتية بما يتلاءم مع المواصفات الدولية.

لكن هناك سؤال لا يمكن التغاضي عنه: هل تحجب السياسة الرياضية واقعا اجتماعيا لا زال يرزأ تحت نير الأمية والبطالة والتمايز الطبقي الفادح؟

لقد وصف رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم والمسؤول الحكومي الأول عن الرياضة الكروية، النجاح الذي حققه المنتخب الوطني على الصعيد الدولي “بالقوة الناعمة”، قبل أن يعقب عليه بكل نباهةأحد المستشارين والباحثين في الجغرافية السياسية والخبير في السياسات العموميةباستحالة كونها كذلك ما لم تدعمها “قوة صلبة”.

ختاما وعودا على مقولة ماركس حول التضليل السياسي الذي جعلت منه البورجوازية أداة للتخدير، يبقى المبتغى الا تصير لعبة جميلة هي كرة القدم أفيونا للشعوب، والفقيرة منها بالأساس.

شارك هذا الموضوع

د. محمد كلاوي

باحث أكاديمي وناقد سينمائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!