من «المستنقع» إلى «الرهائن»: هل تغيّرت السردية أم تغيّرت لغتها فقط؟

من «المستنقع» إلى «الرهائن»: هل تغيّرت السردية أم تغيّرت لغتها فقط؟

  مصطفى  المنوزي

       استلهامًا من تفكير إرفنغ غوفمان، يبدأ الوصم حين تتحول الصفة المنسوبة إلى الشخص من مجرد وصف جزئي إلى علامة مهيمنة تختزل هويته؛ فيغدو الفعل صفة، والصفة هوية، والهوية حكمًا اجتماعيًا يسبق أحيانًا الدليل نفسه؛وانطلاقا منه،  يستحق مقال الأستاذ الجامعي ورئيس التحرير المختص في وصم هيئات منظمة بظهير قبل أن تقنن بقانون  ، نقصد الافتتاحية  المعنونة  بـ«رهائن العدالة»، يستحق المقال أن يقرأ بأكثر من عين؛ ليس فقط بالنظر إلى ما يقوله اليوم، وإنما أيضًا في علاقته بالسياق الخطابي والإعلامي الذي سبقه متواترا  .

 ذلك أن النص يبدو، للوهلة الأولى، أكثر هدوءًا وتنسبًا من خطاب سابق اختُزل في استعارة «المستنقع الجزائري »، غير أن الانتقال من قاموس إلى آخر لا يعني بالضرورة حصول مراجعة في جوهر السردية، ومن باب النزاهة الفكرية والإعتراف، بداية، تسجيل أن المقال يطرح سؤالًا مشروعًا لا يجوز للمحامين الهروب منه: ما حدود الممارسة الاحتجاجية عندما تبدأ آثارها في المساس بحقوق المتقاضين واستمرارية العدالة؟

إنه سؤال حقيقي، وينبغي أن يكون جزءً من التقييم الذاتي لأي حركة مهنية مسؤولة ؛ فلا وسيلة احتجاجية تعلو على النقد والتقييم والتسقيف، ولا يكفي عدل القضية لإثبات ملاءمة كل الوسائل المستعملة للدفاع عنها ، وهي مسؤولية لا نتهرب منها كمحامين ، فالمصير كقضية  أولى من المسير كمسألة ، ومهما كانت العواقب ، فالوطنيون قاوموا من اجل تحرير الوطن رغما عن تهمة الإرهابيين والمخربين الموجهة إليهم من قبل الإستعمار وفلوله . وبذلك فالاعتراف بمشروعية السؤال شيء، وقبول البناء السببي الذي يقترحه المقال شيء آخر، فقد علمتنا التجربة وقراءة الوقائع بأن الحق غالبا ما يراد به باطل خاصة إذا فاه به متردد  او مأمور !

المسؤولية الناتجة لا تمحو المسؤولية المنطلِقة :

المشكلة المركزية في المقال أنه يبدأ، في الغالب، من النتيجة الظاهرة للأزمة: توقف المحامين، تعطيل الجلسات، تأثر مصالح المواطنين، واستمرار المواجهة، بينما تقتضي القراءة النسقية العودة خطوة إلى الوراء، بل خطوات، للبحث عما يمكن تسميته «المسؤولية المنطلِقة» أو المسؤولية عن إنتاج شروط الأزمة؛

فالتوقف لم ينشأ في فراغ، ولم يستيقظ آلاف المحامين ذات صباح ليقرروا تعطيل العدالة؛  لقد سبقه مسار تشريعي، وتوتر مهني، وخلاف حول منهج صناعة القانون، وإشكالية التشارك، ثم تعثر في بناء تسوية مقبولة، ولذلك ينبغي التمييز بين مستويين من المسؤولية: مسؤولية عن إنتاج الأزمة، ومسؤولية عن تدبير نتائج الأزمة.

قد يكون الجسم المهني مسؤولًا عن تقدير وسيلته الاحتجاجية وآثار استمرارها، لكن ذلك لا يعفي صاحب القرار العمومي من مساءلة مسؤوليته عن الشروط التي أنتجت الاحتجاج أصلًا، وعن إمكانات منع تفاقمه أو فتح مخارج مؤسساتية له، أي بعبارة أخرى: لا ينبغي أن تحجب المسؤولية عن الأثر المسؤولية عن السبب.

 من «المستنقع» إلى «الرهائن»: تلطيف أم إعادة ترميز؟

هنا تكتسب الملاحظة المتعلقة بخطاب «المستنقع» أهميتها، فإذا وضعنا المقال الحالي بجانب ذلك الخطاب السابق، يصعب اعتباره، دون قرائن إضافية، ممارسة واضحة للنقد الذاتي. الأصح أنه يمكن قراءته بوصفه تعديلًا في استراتيجية الخطاب: تخفيف وتهذيب لحدة المواجهة المباشرة، وإدخال عناصر الاعتراف بمشروعية المطالب، مع الإبقاء على مركز الثقل الأخلاقي للمساءلة موجّهًا نحو المحامين؛ بل إن التحليل السيميائي يكشف مفارقة أكثر دقة.

«المستنقع» استعارة مكانية: هناك وضع فاسد أو مأزوم يُخشى السقوط أو الغرق فيه، أما «الرهينة» فهي استعارة علائقية وأخلاقية أشد تركيبًا: رهينة تفترض، لغويًا وسرديًا، رهينةً وآخذَ رهينة ومطلبًا أو ضغطًا يُمارَس بواسطة احتجازها؛ ولهذا فإن الانتقال من «المستنقع» إلى «الرهائن» قد يكون تلطيفًا في النبرة، لكنه ليس بالضرورة تلطيفًا في الدلالة؛ وقد يكون العكس صحيحًا.

فحين يوصف المواطن بأنه «رهينة» للصراع، ينشأ في ذهن المتلقي سؤال تلقائي: ومن يحتجز الرهينة؟

وبما أن المقال يناقش أساسًا استمرار توقف المحامين، يصبح الجواب الضمني قريبًا من المتناول، حتى دون التصريح به.وهنا تصبح استعارة «الرهائن» أخطر من «المستنقع»، لأنها لا تصف الأزمة فقط، وإنما قد تعيد توزيع الأدوار الأخلاقية داخلها: مواطن ضحية، ومحامٍ يتحول من صاحب حق في الاحتجاج إلى طرف يتحمل شبهة تعطيل حق الغير.

 الوصم لا يحتاج دائمًا إلى اتهام صريح :

وهذه نقطة سيميولوجية مهمة، فالخطاب لا ينتج الاتهام فقط عندما يقول: «أنتم تنتهكون حقوق المواطنين». قد ينتجه أيضًا عندما يبني سردية تجعل المتلقي يصل بنفسه إلى النتيجة، وهذه قوة الاستعارة؛ فلفظ «رهائن» يستدعي معجمًا دلاليًا ثقيلاً: الاحتجاز، الضغط، الضحية، المسؤولية، التحرير؛ ولذلك فإن السؤال ليس فقط عما قصده الكاتب، لأن النوايا لا تكفي لتحليل الخطاب؛ بل عما ينتجه النص من معنى داخل سياقه؛ ومن هنا يمكن القول إن لغة «الرهائن»، رغم اعتدال المقال الظاهري، تظل قريبة من منطق الوصم بالانتهاك: أي تحميل المحتج عبئًا أخلاقيًا مصدره أن ممارسة حقه أصبحت، بحسب السردية، اعتداءً على حقوق الآخرين.

 وهل نحن أمام نقد ذاتي؟

يصعب الجزم بذلك؛ فالنقد الذاتي الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير النبرة أو خفض درجة اللغة، وإنما يحتاج إلى مراجعة الفرضيات السابقة التي تأسس عليها الخطاب، فلو كان الأمر مراجعة نقدية مكتملة، لكان السؤال مثلًا: هل بالغنا سابقًا في توصيف الحركة المهنية؟ هل اختزلنا أزمة مركبة في مسؤولية المحامين؟ هل أعطينا مساحة كافية للأسباب التشريعية والمؤسساتية التي أنتجت الاحتجاج؟ وهل ساهم الخطاب الإعلامي نفسه في الاستقطاب بدل المساعدة على فهم الأزمة؟

من دون مثل هذه المساءلة، يصعب الانتقال مباشرة من خطاب الأمس إلى مقال اليوم وتسميته «نقدًا ذاتيًا»؛ والأقرب منهجيًا هو التعامل معه باعتباره تحولًا في تدبير الخطاب، مع ترك دوافع هذا التحول مفتوحة على أكثر من تفسير. أما فرضية أن الأمر مجرد تلطيف أو امتصاص للنقمة، فهي فرضية ممكنة، خصوصًا إذا قُرئ المقال داخل سياقه الإعلامي السابق، لكنها بدورها ينبغي ألا تتحول إلى يقين غير قابل للفحص؛  وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحديث عن مجاملات  المنبر لمركز صناعة القرار الأمني: قد يكون عنصرًا سياقيًا مهمًا في تحليل الخط التحريري، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن المقال يعكس توجيهًا صادرًا عن ذلك المركز ! وهنا تحديدًا ينبغي أن نطبق على أنفسنا المنهج النقدي نفسه الذي نطالب به الآخرين؛ من يملك حق تعريف «الرهينة»؟

والأهم أن نقلب الاستعارة ذاتها، إذا كان المتقاضي رهينة توقف المحامين، أفلا يمكن للمحامي أيضًا أن يكون رهينة سياسة تشريعية يعتبرها مفروضة عليه؟ وألا يمكن للمتقاضي والمحامي معًا أن يصبحا رهينتين لاختلال أوسع في منظومة العدالة؟

بل يمكن توسيع السؤال: هل العدالة رهينة المحامين، أم أن  المحامين والمتقاضين رهائن أزمة في صناعة القرار وتدبير الاختلاف؟

هنا يتغير موقع المسؤولية جذريًا؛ بدل البحث عن مذنب قريب يمكن رؤية فعله مباشرة، نعيد تركيب العلاقة السببية: من عرّف المشكلة؟ من صنع القانون؟ كيف أُدير التشارك؟ متى أغلقت إمكانات التسوية؟ لماذا اختير التوقف؟ كيف أُدير؟ وما مسؤولية كل طرف في استمرار الأزمة؟

وعندها لا تعود المسؤولية نقطة واحدة، وإنما تصبح مسارًا ، لا إعفاء للمحاماة… ولا نقل لعبء المسؤولية إليها ؛ وهنا لا ينبغي أن يقود نقد المقال إلى النقيض المقابل: إعفاء الجسم المهني من مساءلة نفسه ، في سياق الوعي بالذات المفترض ؛ فالمحاماة مسؤولة عن تقييم جدوى التوقف، وعن حماية حقوق المتقاضين ما أمكن، وعن تقدير قدرتها الذاتية على الاستمرار، وعن تسقيف الوسائل وتنويعها، وعن سؤال شديد البساطة والصعوبة معًا: هل ما زالت الوسيلة تحقق الهدف الذي اختيرت من أجله؟

لكن هذه هي المسؤولية عن تدبير الاحتجاج، ولا يجوز استعمالها لمحو المسؤولية عن إنتاج شروط الاحتجاج، ولا افتعال أسباب استفزازية تدفع انصار المراجعة والمعتدلين إلى الحدية والتصلب ؛ وهنا تكمن، في تقديري، نقطة الخلاف الأساسية مع بنية المقال.

 من «رهائن العدالة» إلى «مسؤولية العدالة» :

ربما لا يكون السؤال المنتج إذن: متى يعود المحامون إلى العمل؟

بل: ما الشروط التي تسمح بالعودة إلى العمل دون تحويلها إلى استسلام، وباستمرار الاعتراض دون تحويله إلى استنزاف؟

والجواب لا يكون ببلاغة «الصمود» ولا ببلاغة «الرهائن»، وإنما باستراتيجية قابلة للتقييم: عمل مهني، واعتراض مؤسساتي، وترافع حقوقي، ومبادرة تشريعية، ومسارات قضائية ودستورية، وحوار، ووسائل احتجاج متدرجة ومحددة الأهداف والآجال.

وهكذا يمكن أن نأخذ من مقال الأستاذ الجامعي / الرئيس سؤال المسؤولية، لكن دون أن نقبل مسبقًا توزيعه للمسؤولية؛ ويمكن أن نتفاعل مع نبرته الأكثر هدوءًا، دون أن نخلط بين هدوء اللغة وتحول السردية، لأن المشكلة ليست أن نستبدل كلمة «المستنقع» بكلمة «الرهائن» ، ولأن الثانية، من منظور سيميائي، قد تكون أشد اتهامًا من الأولى ؛ ولذلك فالمطلوب أعمق ، أي الانتقال من البحث عن فاعل نحمله وزر الأزمة إلى بناء خريطة للمسؤوليات تبدأ ممن أنتج شروط الأزمة، وتمر بمن قرر وسائل مواجهتها، وتنتهي بمن يملك اليوم القدرة على المساهمة في حلها؛ وعندئذ يصبح السؤال النقدي الحقيقي: من جعل من؟ رهينة لمن؟ ولماذا؟

أما السؤال التوقعي الأهم فهو: كيف نحرر العدالة من منطق الرهائن أصلًا، بحيث لا يصبح المتقاضي أداة ضغط، ولا المحامي موضوع وصم، ولا الدولة خصمًا يراهن ويكتفي بانتظار استنزاف المحتج؟

ذلك، في تقديرنا ، هو المدخل الذي ينقل النقاش من تبادل الاتهام إلى توزيع المسؤولية، ومن إدارة النقمة إلى صناعة المخرج ، فهل من تنبيه أو توصية من اعلى إلى كل أمثال كاتب الافتتاحية!

شارك هذا الموضوع

مصطفى المنوزي

منسق ضمير الذاكرة وحوكمة السرديات الأمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!