مسارات المقاومة النسائية.. من المبادرة الفردية إلى التأطير الجماعي

مسارات المقاومة النسائية.. من المبادرة الفردية إلى التأطير الجماعي

المختار عنقا الادريسي

عتبة مدخلية

         إذا كانت المرأة في الأطلس قد دخلت تجربة المقاومة من بوابة القبيلة والأرض، ووجدت الريفية نفسها في قلب حرب جعلت المجتمع كله طرفاً في المواجهة، فإن المدينة ستكشف لنا وجهاً آخر من وجوه المقاومة النسائية. وهنا بالضبط لا تختفي المشاركة الفردية، ولا تتراجع المبادرات العفوية التي فرضتها ظروف الاحتلال، لكنها تبدأ في اتخاذ شكل جديد قائم على التجمع والتواصل والتعبئة والتنظيم. فالمدينة ليست مجرد مكان تجري فيه الأحداث، وإنما هي فضاء الاجتماعي مختلف، تتجاوز فيه المدرسة والصحافة والعمل الجمعوي والحركة الوطنية، وتتقاطع داخله أفكار جديدة حول الوطن والاستقلال. وفي هذا الفضاء بدأت المرأة المغربية شيئاً فشيئاً تنتقل من موقع المشاركة التي تفرضها ظروف المقاومة إلى موقع الفعل الذي تختاره وتنظمه وتمنحه إطاراً جماعياً. وهنا ينبغي أن نؤكد على أن هذا التحول لا يطال المشاركة فقط، وإنما يتجاوزها إلى طبيعتها. فالمرأة التي تساعد مقاوماً وتأوي مطلوباً أو تنقل رسالة، فهي تمارس فعلاً مقاوماً، مهما بدا فردياً أو خفياً. لكن عندما تتجمع النساء ويتبادلن الأدوار، ويصنعن لأنفسهن إطاراً جماعياً، فإن المقاومة تأخذ معنى آخر وتصبح وعياً بالمشاركة ثم تنظيماً لها. ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب تجربة “أخوات الصفا” أهميتها في مسارنا هذا. علماً أننا لا نستحضرها لنكتب تاريخ حزب الشورى والاستقلال، ولا لنفتح (ملف المرأة والأحزاب السياسية المغربية) فهذا موضوع آخر سنتركه لمحطة مستقلة في وقت لاحق. وإنما يستوقفنا هذا التنظيم باعتباره تجربة نسائية جماعية في المدينة نشأت في سياق الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، الأمر الذي يسمح لنا بأن نطرح سؤالاً يتجاوز التنظيم نفسه: ماذا يحدث عندما تنتقل المرأة من المشاركة في المقاومة إلى تنظيم مشاركتها؟ وهو في الأصل سؤال عن التحول من الفعل الفردي إلى الفعل الجماعي، ومن الحضور العرضي إلى الحضور المنظم، ومن المرأة التي تُسْنِد المقاومة إلى المرأة التي تحاول أن تجعل من حضور النساء فيها قوة ذات أثر. ولعل هذا التحول هو ما يمنح المقاومة النسائية الحضرية خصوصيتها.

أولاً: المدينة المغربية… فضاء جديد للمقاومة

حين انتقلت المقاومة إلى المدينة، لم تكن تنتقل فقط من مكان إلى آخر، لقد كانت تنتقل أيضاً من بنية اجتماعية إلى بنية أخرى، ومن أشكال مشاركة إلى أخرى جديدة من الفعل. فالمدينة المغربية في ظل الحماية، لم تكن مجرد فضاء يعيش فيه المغاربة تحت سلطة استعمارية، لقد كانت فضاء تتقاطع داخله مؤسسات الحماية والمدرسة والإدارة والأسواق والأحياء والمساجد والصحافة والجمعيات والبيوت وشبكات الحركة الوطنية. ولذلك فإن مقاومة الاستعمار فيها لم تأخذ بالضرورة صورة المواجهة المسلحة التي عرفتها بعض المناطق الجبلية والريفية، وإنما بدأت تتشكل في صور متعددة، منها الظاهر ومنها الخفي. ففي هذا الفضاء الجديد وجدت المرأة المغربية نفسها أمام وضع مختلف. وبعكس الريف والأطلس، حيث كانت الحرب تقترب من الحياة اليومية بصورة مباشرة، وكانت المرأة تتحرك داخل مجتمع قبلي أو محلي، جعل من الدفاع عن الأرض والجماعة جزءاً من وجوده، فإن المواجهة في المدينة قد أخذت تدريجياً أبعاداً أخرى: وعياً… تنظيماً… تعبئة… احتجاجاً… مساندة… انخراطاً في المجال العام. ما يفرض علينا طرح السؤال التالي: كيف غيَّرت المدينة شكل مشاركة المرأة الحضرية في المقاومة؟ فقد كان بإمكانها أن تمارس المقاومة من داخل البيت، فتأوي كل من يطارده المستعمر، أو تحفظ رسالة ما، أو تساعد معتقلاً وأسرة مقاوم، أو توفر ما يحتاج إليه المقاومون… لكن هذه الأفعال مهما بدت فردية أو محدودة، كانت تفتح ثغرة في الحدود التي رسمها المجتمع بين المجالين الخاص والعام. فالبيت نفسه يمكن أن يتحول في لحظة المقاومة إلى فضاء سياسي. والمرأة التي تبدو في الظاهر بعيدة عن المعركة قد تصبح جزءاً من شبكة المقاومة دون أن تحمل سلاحاً أو تظهر في الشارع. ثم أخذ الأمر يتجاوز هذا المستوى. وغدت المدينة بما توفره من تعليم وتواصل وتَجَمُّع وتبادل فكري، مساعدة على إيجاد شروط جديدة تسمح لبعض النساء بالانتقال من المشاركة الفردية إلى الجماعية. ومعها بدأت المرأة تكتشف أن بإمكانها ألا تكون فقط سنداً لفعل يصنعه الآخرون، وإنما تكون هي نفسها صاحبة المبادرة… التنظيم… التعبئة. ومن حقنا أن ننظر إلى المدينة باعتبارها مختبراً لتحول المقاومة النسائية، تتجاور فيها مستويات مختلفة: امرأة تساند من داخل بيتها… تشارك في الاحتجاج… تساهم في نشر الوعي… تنخرط في العمل الجماعي… تسعى إلى تنظيم النساء وتعبئتهن. على أنه لا ينبغي أن نفهم هذا المسار باعتباره خطاً مستقيماً أو واحداً بالنسبة إلى جميع النساء، لأن التجارب كانت متعددة، غير أنها اختلفت باختلاف المدن والبيئات الاجتماعية ومستويات التعليم والانتماء والوعي السياسي. وعموماً فإن المقاومة النسائية في المدينة بدأت تكتشف إمكانية انتقال المرأة من موقع المساندة إلى موقع الفاعل. وهو أمر لا يقاس بما أحدثته المرأة من ضرر بالمستعمر، وإنما أيضاً بما أحدثته في موقعها داخل المجتمع. فخروجها إلى المجال العام ومشاركتها في التعبئة، وتكوينها لأطر جماعية، كل ذلك يُعَدُّ حدثاً يتجاوز لحظة الاستعمار ذاتها، لأنه يساهم ولو بصورة تدريجية، في إعادة تعريف حضور المرأة المغربية في الحياة العامة.

ثانياً: المرأة في المدينة… من المساندة إلى المشاركة

لم تبدأ المرأة المغربية في المدينة مقاومتها للاستعمار وهي تحمل بالضرورة مشروعاً سياسياً واضح المعالم، ولا دخلت منذ البداية إلى التنظيمات الوطنية باعتبارها فاعلاً منظماً. لقد بدأت في الكثير من الحالات من الأماكن الأقرب إليها، وهذا أمر مهم لفهم خصوصية المقاومة عندها، فهي لم تكن بحاجة إلى أن تغادر فضاءها الاجتماعي لكي تصبح جزءاً من المقاومة. ما يفترض منا الانتباه إلى أن: كل مساعدة للمقاوم ليست فعلاً سياسياً بالضرورة، ولكنها تصبح فعل مقاومة عندما تكون مرتبطة بوعي المواجهة أو بخدمة مباشرة للمقاومة. وهذا التمييز مهم حتى لا نوسع مفهوم المقاومة إلى درجة يفقد معها دقته التاريخية. ومع تراكم التجربة، بدأت المرأة تنتقل من المساندة التي تفرضها القرابة أو الجوار إلى مشاركة تتصل بصورة أوضح بالقضية الوطنية. ولم يعد الأمر متعلقاً فقط بمساعدة شخص تعرفه، وإنما أصبح مرتبطاً بفكرة أوسع: الوطن… رفض الوجود الاستعماري… الاستقلال. ومن هنا – أيضاً – تبدأ المسافة بين المرأة التي “تساعد” والمرأة التي “تشارك” في التضاؤل. فالمرأة التي تجمع التبرعات لفائدة المقاومة، أو تساهم في تعبئة النساء، أو تشارك في مظاهرة وطنية، لم تعد تؤدي دوراً هامشياً ولا في فعل صنعه الآخرون. إنها تدخل بدرجات مختلفة في صناعة الفعل الوطني نفسه. وهذا التحول لم يكن منفصلاً عن كل التحولات التي عرفتها بعض المدن المغربية خلال فترة الحماية، بعد أن توسعت أفق مشاركتها بفعل الاحتكاك بالعمل الوطني، وانتشار الأفكار الجديدة، وظهور أجيال نسائية أكثر اتصالاً بالشأن العام. فلم تكن كل مشاركة في المقاومة تنتمي إلى تنظيم، كما لم تكن كل مشاركة تحمل وعياً سياسياً بالدرجة نفسها، ناهيك على أن دوافعهن لم تكن واحدة؛ فهناك الوطنية… القرابة… التضامن… الانتماء المحلي… الرفض الأخلاقي للاستعمار… الوعي السياسي… وقد تجتمع هذه الدوافع أو ينفرد بعضها في تجربة دون أخرى. وهذا التعدد هو الذي يجعل المقاومة النسائية الحضرية ظاهرة تاريخية لا يمكن اختزالها في نموذج واحد. ولكن التحول الأكثر دلالة يبدأ عندما تخرج المرأة من دائرة الفعل الفردي إلى الفعل الجماعي، فيصبح الأمر مختلفاً نوعاً ما عندما تجتمع مجموعة من النساء حول قضية مشتركة وتتقاسمن الأدوار، وتنظمن في إطار يستمر بعد انتهاء المبادرة الأولى. وبذلك تتحول المقاومة إلى ممارسة جماعية لها قدر من الوعي والاستمرارية والتنظيم. وبذلك فإن المرأة وهي تشارك في تجمع أو مظاهرة وطنية، أو عندما تظهر في نشاط ذي مضمون وطني، كانت تتجاوز ولو بصورة مؤقتة الحدود التقليدية التي حدد بها حضور النساء. ويصبح الشارع نفسه مجالاً للمقاومة. فتتقاطع قضية مقاومة الاستعمار، والتحول الاجتماعي في موقع المرأة. فعندما تخرج المرأة إلى المجال العام من أجل الوطن، فإنها تكتشف في الوقت نفسه أنها قادرة على أن تكون فاعلاً في ذلك المجال.

ثالثاً: حين خرجت المرأة من الخاص إلى العام، كانت ولادة حضورها في المجال الوطني

لم يكن انتقالها إلى فضاء الحياة العامة حدثاً بسيطاً، ولا تحولاً وقع دفعة واحدة. فقد كان المجال الذي تتحرك فيه المرأة، محدداً في: الأسرة… البيت… الدوائر الاجتماعية القريبة. ولذلك فإن خروجها إلى المجال العام – وهو لا يحمل طابعاً سياسياً مباشراً – كان يمثل تحولاً في موقعها الاجتماعي. ولكن مرحلة الاستعمار ستفرض أو تتيح بفعل ظروفها، إمكانات جديدة لذاك الحضور. فالمدينة المغربية بدأت تعرف خلال هذه المرحلة فضاءات جديدة للتعلم والتواصل والتجمع، أخذت معه الأسرة تقترب تدريجياً من قضايا تتجاوز حدود الأسرة والحياة الخاصة. ومع تنامي الوعي الوطني، أصبح السؤال المتعلق بمصير البلاد حاضراً في المجتمع، ولم يعد من السهل أن تبقى المرأة بعيدة تماماً عن هذا التحول. وكان ذلك بمثابة تسلل “الوطني” إلى “الخاص”. فما يحدث بالشارع لم يعد منفصلاً عما يحدث داخل البيت، وما يصيب الوطن لا يمكن أن يبقى شأناً يخص الرجال وحدهم. ولعل هذه النقطة هي المفتاح الذي يساعدنا على الاقتراب من فهم خصوصية المقاومة النسائية في المدينة، واقترابها من إعادة اكتشاف علاقتها بالشأن العام. ومع تطور الحركة الوطنية، صار حضور المرأة يتخذ أشكالاً أكثر وضوحاً. وأصبحت النساء تشاركن في الأنشطة الوطنية… تسمن في نشر الوعي… تتفاعلن مع الأحداث السياسية… تخرجن إلى المجال العام في لحظات الاحتجاج والمواجهة. فيحمل حضور المرأة دلالة تتجاوز الفعل الذي تقوم به في حد ذاته، فصارت تظهر في مظاهرات وطنية لا لتقوم فقط بفعل احتجاجي، وإنما لتقول بمجرد حضورها: (إن الوطن قضية تخصني أيضاً) وهو ما يكتسي معنى بالغ الأهمية لأن الاستعمار لم يكن يواجه أفراداً منفصلين، بل كان يواجه مجتمعاً بدأ يعيد تعريف نفسه بوصفه جماعة لها قضية مشتركة. وكلما اتسعت دائرة المشاركة، تراجعت الحدود الفاصلة بين القضية العامة والحياة الخاصة. ومن هذه الزاوية – كذلك – يمكن اعتبار دخول المرأة إلى المجال الوطني في حد ذاته جزءاً من تاريخ المقاومة. كما أن انتقالها من البيت إلى الشارع، يعد انتقالاً في الوعي بالدور المنوط بها. وهذه النقلة في حد ذاتها تجعلنا نميز بين مرحلتين: مرحلة كانت فيها المرأة تسند فعل المقاومة الذي يصنعه الآخرون، ومرحلة بدأت فيها المرأة تصنع لنفسها موقعاً داخل الفعل الوطني. وليس معنى ذلك أن جميع النساء الحضريات عشن التجربة بالطريقة نفسها، أو أن مشاركتهن كانت متساوية في الجرأة والامتداد. فقد ظلت القيود الاجتماعية حاضرة، كما ظلت فرص التعليم والتواصل متفاوتة بين النساء. لكن المهم تاريخياً هو أن الجدار بدأ يتصدع. وهنا يمكن أن نشير إلى أن المرأة المتعلمة لم تكن امرأة اكتسبت أدوات المعرفة فحسب، بل اكتسبت إمكانية جديدة للتواصل والاطلاع والتعبير والمشاركة. وذلك لأن التعليم يمكن أن يكون أحد المفاتيح التي تساعدنا على فهم تشكل الوعي النسائي الحضري، دون أن يعني أن المقاومة كانت حكراً على السيدات المتعلمات. فكم من امرأة لم تدخل المدرسة، ومع ذلك شاركت في المقاومة من موقعها الاجتماعي. وحتى لا ينبغي أن نقع في التعميم، نقول بأن المقاومة النسائية لم تكن بنت التعليم وحده، ولا بنت التنظيم وحده. لقد كانت حصيلة تفاعل بين الوعي الوطني… الظرف التاريخي… الأسرة… الحي… شبكات التضامن… التجربة اليومية مع الاستعمار. وإذا كان المجال العام قد فتح للمرأة إمكانات جديدة، فإن التعبئة النسائية ستشكل مرحلة أكثر تقدماً. مما سيسمح لها بالانتقال من الحضور إلى التأثير، ومن المشاركة إلى التعبئة. وسيقودنا نحن إلى التساؤل عن متى أصبحت المرأة قادرة على أن تنظم حضور النساء، ولا تكتفي بحضورها هي؟ ولعله السؤال الذي يكشف لنا إمكانية المرأة في تعبئة غيرها، وإمكانية التأثير، وبذلك تقترب من الفعل الجماعي المستمر، ونصير على مقربة من تعرف التنظيم النسائي “أخوات الصفا” الذي لا يمكن أن ننظر إليه باعتباره حادثة منفصلة عن السياق العام. وبالتالي فإن تأسيسها في 23 ماي 1947 هي لحظة تستحق منا التوقف: ليس لأنها كانت بداية كل مشاركة نسائية، وإنما لأنها تمثل انتقالاً أكثر وضوحاً نحو إطار نسائي جماعي ومنظم.

رابعاً: أخوات الصفا… حين يصبح الفعل النسائي منظماً

ملاحظة هامشية: سنقرأ “أخوات الصفا” باعتبارها تجربة نسائية جماعية ظهرت في سياق الكفاح الوطني.

حين تتجمع النساء حول غاية مشتركة، ويتحول هذا التجمع إلى إطار له اسم ووجود واستمرارية، فإننا نكون أمام انتقال نوعي من المشاركة إلى التنظيم. وفي هذا الإطار جاء تأسيس جمعية أخوات الصفا، التي كان فيها النضال الوطني قد قطع أشواطاً مهمة، وأصبحت مسألة الاستقلال حاضرة بقوة في الوعي العام. ولذلك فإن ظهور إطار نسائي منظم – في تلك اللحظة – لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد حدث جمعوي عابر، بل باعتباره تعبيراً عن تراكم سابق في حضور المرأة المغربية داخل المجال الوطني. غير أن أهمية التجربة لا تكمن في تاريخ تأسيسها وحده. فالسؤال الذي يهمنا هنا هو: لماذا احتاجت النساء إلى أن يصنعن لأنفسهن إطاراً اجتماعياً؟

فلا يمكن اختزال الجواب في الرغبة في الاجتماع أو التواصل الاجتماعي، لأن السياق الذي ظهرت فيه أخوات الصفا كان سياقاً وطنياً مشحوناً، وكانت قضية الاستقلال تستقطب قطاعات متزايدة من المجتمع المغربي. ومن هنا يمكن فهم التنظيم النسائي باعتباره محاولة للانتقال من الوجود المتفرق إلى القوة الجماعية. فالمرأة التي كانت لا تستطيع أن تفعل شيئاً بمفردها أصبحت من خلال الجماعة قادرة على الوصول إلى نساء أخريات، وتبادل الخبرات، وتوزيع الأدوار، وتوسيع دائرة التأثير. وهو ما يحتم علينا بعضاً من التوقف لأن التنظيم غدا وسيلة لصناعة الاستمرارية، واستطاع عمله المنظم أن يتجاوز المبادرة الأولى وأن يراكم التجارب، بل وينقلها من امرأة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل. ومن هذه الزاوية ننظر إلى “أخوات الصفا” باعتبارها علامة على نضج معين في المشاركة النسائية الحضرية. وفي نفس الوقت فهي لم تلغِ المبادرات الفردية المتفرقة، ولم تجعل كل مشاركة لاحقة مرتبطة بها. بل يمكن القول: إن الفعل الفردي والتنظيم الجماعي تداخلا، فالأول مهَّد للثاني، والثاني منح الأول إمكانية أوسع. وعندما نواصل قراءة تلك التجربة فإننا نقف على أنها تكشف لنا أن “الجمعية” كانت تنظيماً للمقاومة المسلحة، ضمن البنية الأوسع للكفاح الوطني، حيث تتعدد أشكال المشاركة وتتنوع وظائفها – دون أن ننساق وراء تحميل تلك التجربة ما لا تحتمل المصادر إثباته – فالتعبئة ونشر الوعي وتوسيع المشاركة وبناء التضامن… كلها أفعال تكتسب قيمتها من السياق التاريخي الذي تمارس فيه. ومن ثَمَّ ينبغي طرح ما يلي:

هل حملت أخوات الصفا السلاح؟

ما الذي أضافه تنظيم النساء إلى قدرة المجتمع على مقاومة الاستعمار؟

لعل أجمل ما تكشفه التجربة هو أن المرأة لم تعد تنتظر أن يحدد لها الآخرون مجال المشاركة. وبهذه النقلة بدأت تصنع لنفسها مجالاً تتجاوز به مرحلة الاستعمار نفسها، فهي التي تتعلم كيف تجتمع… تنظم… تعبئ… تتحمل المسؤولية، وتكتسب في الوقت نفسه خبرة جديدة في ممارسة الشأن العام. وهنا أيضاً تتطابق قضية الوطن وقضية حضور المرأة في المجتمع. وينبغي أن لا نتجاهل كذلك أن المشاركة الوطنية أتاحت للمرأة مساحات جديدة للحضور والفعل. وهكذا فـ “أخوات الصفا” لا ينبغي أن تكون خاتمة بحثنا عن المقاومة النسائية الحضرية، بل بوابة لسؤال أوسع: إذا استطاعت الانتقال من المشاركة الفردية إلى التنظيم الجماعي، فما الذي أحدثه هذا التنظيم في صورة المرأة نفسها؟

فهل أصبحت أكثر قدرة على المبادرة؟

هل تغير موقعها داخل المجال العام؟

هل تغيرت نظرة المجتمع إليها؟

هل تركت هذه التجربة أثراً في مسار المشاركة النسائية بعد الاستقلال؟

فتلك الأسئلة وغيرها، ستفضي بنا إلى التوقف في محطة جديدة تتمحور حول ماذا صنع ذاك التنظيم بالمرأة.

خامساً: ماذا صنع التنظيم بالمرأة؟ من المشاركة الوطنية إلى اكتشاف الذات الفاعلة

لم يكن انتقال المرأة من المشاركة الفردية إلى العمل الجماعي مجرد تغير في شكل المقاومة، فقد كان وراء هذا التحول شيء أعمق: تغير في صورة المرأة عن نفسها، وفي صورة المجتمع عن قدرتها على الفعل. فلم تعد تكتفي بأن تكون سنداً لرجل يقاوم، أو طرفاً خلفياً في حدث يصنعه الآخرون. ومع تراكم التجربة، بدأت تكتشف أن لها قدرة على المبادرة والتعبئة والتواصل وتحمل المسؤولية، والعمل مع أخريات من أجل غاية مشتركة. فحين تجتمع النساء حول قضية وطنية، فإنّهن لا يكتسبن قدرة أكبر – فحسب – على خدمة القضية، بل يكتسبن أيضاً خبرة في العمل الجماعي. والخبرة في التاريخ الاجتماعي ليست أمراً هامشياً. فمعها تتعلم كيف تنظم اجتماعاً، وتتواصل مع الأخريات وتواجه الصعوبات، فتدخل عالماً جديداً من الممارسة الاجتماعية، وانطلاقاً منه أصبحت “أخوات الصفا” مدرسة غير معلنة لتكوين المرأة الفاعلة. غير أنه لا ينبغي أن نبالغ في قراءة هذه التجربة، فليس من المنهجي القول بأن التنظيمات النسائية في تلك المرحلة كانت تحمل بالضرورة مشروعاً لتحرير المرأة بالمفهوم اللاحق، أو أنها كانت تسعى إلى تغيير شامل لموقعها الاجتماعي. لقد خرجت المرأة إلى المجال العام من أجل الوطن، لكنها اكتشفت في الطريق إمكانات جديدة لذاتها. وهذه من المفارقات الجميلة في تاريخ المقاومة. ومنها نميز بين المرأة التي تشارك والتي تدرك قدرتها على المشاركة. فالأولى قد تقوم بفعل مقاوم لأنها وجدت نفسها في طرف يفرض عليها ذلك. أما الثانية فتبدأ في تحويل التجربة إلى معرفة بالذات، فهي تستطيع أن تفعل… تؤثر… تعمل مع الأخريات، وهي ليست موضوعاً للحماية فقط، لأنها طرف في حماية الوطن. وهنا بالضبط يمكن أن نستفيد من البورتريهات التي أنجزناها سابقاً، دون إعادة كتابتها. فـ (مليكة الفاسي وثريا الشاوي وخديجة البلغيتي وأمي فامة…) نعتبرهن شواهد على تعدد الطرق التي اكتشفت بها المرأة الحضرية قدرتها على الفعل. فكل تجربة منها تفتح نافذة مختلفة: فهذه امرأة عبر الفكر والعمل الوطني، وتلك أخرى عبر اقتحام مجال ظل شديد الذكورية، وغيرهما اختارت مساراً طويلاً من المشاركة والعمل العام. وبذلك نكتشف أن التنظيم ليس الطريق الوحيد لاكتشاف الذات الفاعلة، وإنما هو أحد المسارات التي أتاحت للمرأة أن تنتقل من الهامش إلى دائرة التأثير. لكن ثمة مسألة لا ينبغي التغافل عنها، فاكتشاف المرأة لقدرتها على الفعل لم يكن يعني بالضرورة أن المجتمع قد أصبح جاهزاً لقبول تلك القدرة. لأن كل خروج عن المألوف كان يمكن أن يواجه بقيود اجتماعية وثقافية، علماً أن مشاركة المرأة لم تكن دائماً تحظى بالاعتراف نفسه الذي حظيت به مشاركة الرجل. وهنا يظهر وجه مفارقة أخرى تستحق أن تبقى حاضرة في قراءتنا، وهي مشاركة المرأة في معركة تحرير الوطن، وفي الوقت نفسه تظل مطالبة بإثبات حقها في أن تكون فاعلاً كاملاً داخل المجتمع. وعطفاً على ما تقدم نطرح السؤال التالي: ماذا أضافت المقاومة إلى تجربة المرأة؟ وماذا أضافت المرأة إلى المقاومة؟ ومن هذه الزاوية يمكن القول إن التنظيم النسائي الحضري أدى وظيفتين متداخلتين:

وظيفة وطنية تتمثل في توسيع دائرة المشاركة في الكفاح الوطني ضد الاستعمار.

وظيفة اجتماعية غير مباشرة اكتسبت من خلالها النساء خبرة جديدة في التنظيم والمبادرة والعمل العام.

سادساً: نساء المدينة… وجوه متعددة لمقاومة واحدة

إن المتتبع لشأن المقاومة النسائية في المدينة، سيكتشف أنها لم تكن حكاية امرأة واحدة، ولا مساراً واحداً يمكن اختزاله في شخصية أو تجربة بعينها. فقد ظهرت النساء في الحياة الوطنية من خلال مواقع متعددة، واختلفت أدوارهن باختلاف ظروفهن الاجتماعية والتعليمية والمدنية التي عشن فيها والفضاء الذي أتاح لهن المشاركة. ولذلك فإن البحث عن “البطلة الحضرية” بعد ما أنجزناه من بورتريهات خاصة بمجموعة من النساء، ليس ضرورياً السير على نهجه، لأن البطولة هنا لم تكن فردية بالضرورة، وإنما كانت في كثير من صورها جماعية ومتعددة الوجوه. فالمرأة التي ساهمت في نشر الوعي الوطني لم تكن بالضرورة هي نفسها التي خرجت إلى المظاهرة، وهذه الأخيرة ليست التي كانت تأوي المقاومين أو تساعد أسر المعتقلين. ناهيك على أن من اختارت العمل الثقافي أو التعليمي، فإنها لم تكن تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه من انخرطت في شبكات العمل الوطني بمختلف تلاوينه. وتأسيساً عليه نقول بأن كل تلك الأدوار كانت تلتقي عند نقطة واحدة، تتلخص في رفض أن يبقى الوطن شأناً يخص الرجال وحدهم. الأمر الذي يجعلنا نفهم أن حضور النساء في المدن المغربية خلال مرحلة المقاومة هو نسيج من الأفعال المتداخلة، ولم يكن سلسلة من البطولات الفردية المنعزلة. لذلك سنجدها في حالات مثل:

الانتقال من البيت إلى الشارع: لقد كان البيت أحد المجالات التي مارست فيها النساء أدوارهن المهمة. وليس المقصود هنا أن كل بيت كان فضاء للمقاومة، وإنما أن بعض النساء استطعن من داخل المجال الأسري أن يوفرن للمقاومة ما تحتاج إليه من حماية ومساندة وتضامن. وفي المقابل خرجت نساء أخريات إلى المجال العام، ليشاركن في الاحتجاجات والتجمعات والمناسبات الوطنية، وأصبحن جزءاً مرئياً من الحضور الوطني في المدينة. وهكذا اكتسبت المرأة دلالة سياسية، لأن ظهورها في الفضاء العام ومشاركتها في القضية الوطنية كان يحمل رسالة تتجاوز الفعل المباشر الذي تقوم به. وأصبح حضورها يقول: إن معركة الاستقلال تعنيني، ولي فيها موقع ودور لا يقل عن دور الرجل.

التحول من الفرد إلى الجماعة: ولعل ما ينبغي أن نلاحظه هنا هو أن المشاركة النسائية الحضرية لم تظل دائماً محكومة بالمبادرات الفردية. فمع اتساع دائرة الوعي الوطني، ظهرت إمكانات أكبر للتعاون والتعبئة والعمل الجماعي. ومن هنا تكتسب تجربة “أخوات الصفا” أهميتها داخل هذا المسار، لا بوصفها تنظيماً حزبيّاً نريد أن ندرس تاريخه، وإنما بوصفها تعبيراً عن انطلاق المرأة من المشاركة المتفرقة إلى محاولة بناء فعل نسائي جماعي منظم. تصبح معه “أخوات الصفا” جزءاً من لوحة أوسع، وليست اللوحة كلها.

تعدد الأدوار ووحدة الغاية: إذا نظرنا إلى تجارب النساء الحضريات التي سبق أن اشتغلنا عليها، فلن نجد نموذجاً واحداً للمقاومة. وهو ما ينبغي المحافظة عليه، فلا نعود لكي نروي سيرهن مرة أخرى، وإنما لنستفيد من تجاربهن بوصفها شواهد مختلفة على تعدد مسارات المرأة في المجال الحضري. وبذلك يمكن أن نقرأ التجربة الجماعية من خلال محاور تجمع ما بين: المرأة و【الوعي الوطني، التعليم والثقافة، الاحتجاج، شبكات المساندة، التنظيم الجماعي، اقتحام المجال العام】 وليس من خلال الأسماء، وهو – في الوقت نفسه – ما يسمح لنا بأن نرى الظاهرة بدل الشخصية.

المدينة لا تصنع النموذج الواحد: إذ من الخطأ أيضاً أن نتحدث عن المرأة الحضرية وكأنها كتلة واحدة. فالمدينة المغربية نفسها كانت متعددة: فمدينة فاس ليست الدار البيضاء، والرباط ليست تطوان، وسلا ليست مراكش… كما أن النساء كن مختلفات في التعليم والمكانة الاجتماعية والوسط العائلي والتجربة الشخصية. ولذلك فإن تعدد النساء كان انعكاساً لتعدد المدن. غير أن هذا التعدد لم يمنع ظهور قاسم مشترك، يتمثل في اتساع المجال الذي أصبحت المرأة مستعدة للتحرك داخله عندما يتعلق الأمر بالقضية الوطنية. ومنه يمكن القول بأن علاقة المرأة بالاستعمار لم تتغير، وإنما غيَّرت بدرجات متفاوتة علاقتها بالمجال العام.

من البطولة الفردية إلى الذاكرة الجماعية: ويبقى هذا أهم مدخل يستحق أن نحتفظ به، لأننا حينما نركز على امرأة واحدة، فإننا نمنحها اسماً ووجهاً وحكاية. أما حين نقرأ النساء جماعياً، فإننا نكتشف شيئاً آخر يتلخص في أن التاريخ لا تصنعه دائماً الشخصيات التي حفظت الذاكرة أسماءها، وإنما تصنعه أيضاً أعداد كبيرة من النساء اللواتي لم تصل إلينا أسماؤهن. وهو ما كنا قد واجهناه عندما توقفنا عند مسألة 129 امرأة التي وردت الإشارة إليهن في الحديث عن مقاومة النساء الريفيات. وفي المدينة قد يكون الأمر أكثر تعقيداً، لأن جزءاً من المشاركة النسائية كان يتم في فضاءات خاصة أو في أفعال لم تترك وراءها وثيقة واضحة. وعليه فلا يمكن لنا اختراع أسماء غائبة، وإنما قراءة ما تسمح لنا به الوثائق، واستخراج الظاهرة من الشهادات والأحداث والتجارب الموثقة، لأنها الطريقة الأكثر أمانة علمية.

سابعاً: ماذا أضافت المرأة إلى مقاومة المدينة… وماذا أضافت المقاومة للمرأة؟

بعد كل ما تقدم يبدو أنه لم يعد كافياً أن نسأل: ماذا فعلت المرأة من أجل المقاومة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً عن ماذا فعلت المقاومة بالمرأة؟ ففي السؤال الأول ننظر إلى المرأة بوصفها جزءاً من حركة مقاومة للاستعمار، أما في السؤال الثاني فنحن ننظر إلى المقاومة باعتبارها تجربة تركت أثراً في المرأة نفسها، وفي موقعها داخل المجتمع. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات دلالة في تاريخ المقاومة النسائية المغربية. فالمرأة دخلت معركة الاستقلال من أجل قضية تبدو في ظاهرها أكبر من قضاياها الخاصة، إنها قضية تحرير الوطن. لكنها وهي تخوض هذه التجربة، أخذت تكتشف إمكانات جديدة لذاتها، إمكانات لم يكن من السهل أن تتاح لها بالقدر نفسه في الحياة اليومية العادية. فتعلمت كيف تتحرك خارج الدائرة الضيقة المحددة لها، وكيف تتواصل مع نساء أخريات، وتشارك في عمل جماعي وتتحمل المسؤولية، وأن تُعَبِّر عن موقف، وأن تدخل المجال العام. وبذلك تكون المقاومة قد فتحت أمام المرأة فضاء جديداً لاكتشاف الذات الفاعلة، ولم تعد معها مجرد سند للرجل المقاوم. ورغم أن المساندة مهمة، ولا يمكن التقليل من قيمتها، لكن اختزال دور المرأة وحصره فيها، يجعلها دائماً في موقع التابع. أما التجربة الحضرية فتسمح لنا برؤية صورة أخرى لها: فهي تبادر… تنظم… تعبئ… تَحْضُر في المجال العام… تتحمل مسؤولية جماعية. كل ذلك يجعل حضورها جزءاً من الفعل الوطني ذاته. لكن إلى أي حد استطاعت المقاومة أن تحرر المرأة؟ وهنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً. إذ لا يجوز أن نقول إن المقاومة حررت المرأة المغربية بالمعنى الكامل للكلمة. فالمشاركة في المقاومة لم تُلْغِ البنى الاجتماعية والثقافية التي كانت تحد من استقلالية المرأة، ولم تحول المجتمع المغربي بين عشية وضحاها إلى مجتمع متساوٍ بين النساء والرجال. لكن يمكن القول – مع أكثر قابلية للدفاع التاريخي -: لقد أتاحت المقاومة للمرأة فرصة جديدة لممارسة الفعل العام، وهذه الممارسة نفسها تركت خبرة لا يمكن تجاهلها. فالخبرة لا تختفي بانتهاء الحدث. ومن هنا تظهر علاقة عميقة بين قضية تحرير الوطن، وإعادة تشكيل موقع المرأة داخله. علماً أن الثانية لم تكن بالضرورة هدفاً معلناً للأولى، لكنهما تفاعلا في الواقع. فالمرأة التي شاركت في النضال الوطني أصبحت جزءاً من ذاكرة الاستقلال، وأصبح من الصعب بعد ذلك أن يقال إن المرأة لم تكن طرفاً في صناعة الحدث الوطني. ومن هنا يمكن فهم أهمية استعادة تاريخ النساء اليوم. فنحن لا نعيد كتابة تاريخ المقاومة لإضافة أسماء نسائية إلى هامش تاريخ مكتمل، بل نكتشف أن التاريخ نفسه كان ناقصاً عندما كتب المقاومة من زاوية الرجال وحدهم.

أما عن ما أضافت المرأة إلى المقاومة؟ فنقول إنها أضافت إليها ما لا يظهر في خرائط المعارك: كالامتداد داخل المجتمع، القدرة على الوصول إلى فضاءات مختلفة، والتعبئة الاجتماعية، واستمرار المقاومة في الحياة اليومية. أما عن ما أضافت المقاومة إلى المرأة؟ فنجد أنها – قبل كل شيء – أضافت إليها إحساساً جديداً بالقدرة على أن تكون حاضرة… تتكلم… تنظم… تعمل مع غيرها، وأن تكون جزءاً من صناعة تاريخ وطنها. وخلاصة القول فالمرأة في المدينة لم تكن مجرد يد امتدت لمساعدة المقاومة، لقد أصبحت تدريجياً جزءاً من عقلها الاجتماعي وطاقتها التعبوية، وفي الوقت نفسه أصبحت المقاومة إحدى التجارب التي دفعت المرأة إلى اكتشاف ذاتها بوصفها فاعلاً في المجال العام.

خاتمة تأملية: حين تستعيد المرأة مكانها في ذاكرة المقاومة

إذا كان من الصعب أن نبحث عن نموذج واحد للمرأة المقاومة، كما فعلنا في الأطلس أو في الريف، فإن اختلاف المكان أنتج اختلافاً في أشكال المقاومة بالنسبة للوسط الحضري، لكن وحدة القضية جمعت بينها. وإن استعادة تلك التجارب اليوم، ليست مجرد إنصاف لأسماء غابت طويلاً عن السردية التاريخية، إنها محاولة لإعادة بناء ذاكرة المقاومة من داخل المجتمع كله، لا من زاوية الرجال دون النساء. ومن هنا تظل مجموعة من الأسئلة مفتوحة:

كم من النساء شاركن ولن تصلنا أسماؤهن؟

كم من الأدوار ظلت حبيسة الذاكرة الشفهية؟

كم من الوثائق ما زالت تنتظر من يقرأها بعين تبحث عن المرأة داخل الحدث لا على هامشه؟

ولذلك فإن محاولتنا تلك لا تدعي أنها قالت الكلمة الفصل أو الأخيرة، وإنما تريد أن تكون خطوة في طريق استعادة المرأة المغربية إلى مكانها الطبيعي في تاريخ المقاومة. وحين نصغي إلى ما تبقى من أصوات نسائية، سنكتشف أن المقاومة لم تكن تاريخاً ذكورياً فقط، وإنما كانت أيضاً ذاكرة نساء حملن الوطن، كل واحدة بطريقتها وإمكاناتها وقدرتها، ودفعن من حياتهن وجراحهن وصمتهن ثمناً للاستقلال.

المستندات المعتمدة في هذا الإنجاز

مارية دادي. دور المرأة المغربية في مقاومة الاستعمار الأجنبي، مقارنة بين المرأة الريفية والمرأة الفاسية. ضمن كتاب أعمال ندوة المقاومة المسلحة والحركة الوطنية بالمنطقة الوسطى الشمالية ما بين 1911 – 1956. المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. الرباط 1998. ص ص 137 – 146.

مارية دادي. المرأة الشمالية ودورها في مقاومة الاستعمار الأجنبي، المرأة التطوانية نموذجاً. ضمن كتاب المنطقة الشمالية والكفاح الوطني 1909 – 1956. منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. الرباط 1998. ص ص 137 – 146.

محمد معروف الدفالي. أخوات الصفا. مجلة أمل، العدد 13 – 14.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!