الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب قراءة في البرامج الانتخابية (11)
الثقافة في برنامج الاتحاد الدستوري: بين منطق التنمية وأفق المعنى
المختار العنقا الإدريسي
استهلال أولي
إن توقفاً أولياً عند النص الرسمي للبرنامج الانتخابي للاتحاد الدستوري، يبين أن الثقافة عنده ليست مجرد إشارة عابرة، بل وضعت في المحور العاشر: “الثقافة، الرياضة، مغاربة العالم والإشعاع الدولي”، مع التزامات صريحة منه بدعم الإنتاج الثقافي، وحماية التراث، وتعزيز الصناعات الثقافية، والعدالة الثقافية المجالية، ودعم الفنانين والمبدعين، وتثمين التنوع الثقافي واللغوي والإشعاع الدولي.
لكن وانسجاماً مع المنهج الذي اعتمدناه في قراءة البرامج الحزبية السابقة، فإننا لن نكتفي بتعداد هذه الالتزامات، بل سنسأل: أي فلسفة للثقافة تكشف عنها؟ فالثقافة في مشروع “مغرب بسرعة واحدة” من الهوية إلى التنمية والإشعاع، يأتي الاتحاد الدستوري فيها في خريطة مساءلتنا الثقافية من موقع مختلف بعض الشيء، فإذا كان علينا أن نبحث عن المفتاح الذي يفسر حضور الثقافة في برنامجه الانتخابي لسنة 2026.
إن العنوان الذي اختاره الحزب لبرنامجه كله قد يكون هو نقطة البداية: «من أجل مغرب بسرعة واحدة، من أجل دولة صاعدة». إنه شعار يبدو اقتصادياً وتنموياً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله سؤالاً ثقافياً عميقاً، فهل يمكن أن يتحرك المغرب “بسرعة واحدة” إذا ظلت فرص الثقافة والمعرفة والإبداع متفاوتة بين الجهات والفئات؟
فالبرنامج يجعل الثقافة ضمن محوره العاشر إلى جانب الرياضة ومغاربة العالم والإشعاع الدولي، ويقدمها باعتبارها رافعة للإشعاع الوطني والتنمية الاقتصادية، ومن هنا تبدأ مساءلتنا.
- الثقافة داخل مشروع التنمية لا خارجه
فالموقع الذي اختاره الحزب للثقافة يكشف شيئاً مهماً، فهي — عنده — ليست ملحقاً منفصلاً عن مشروع التنمية. إنها موضوعة إلى جانب: الرياضة، ومغاربة العالم، والإشعاع الدولي… أي أنها تُقرأ باعتبارها أحد مكونات القوة الوطنية. وهذا ينسجم مع الرؤية العامة للبرنامج التي تربط النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية والجهوية والإشعاع الدولي. ومن هنا يمكن أن نستنتج أن فلسفة الثقافة عند الاتحاد الدستوري تتحرك بين ثلاثة أبعاد:
- الثقافة كهوية
- الثقافة كاقتصاد
- الثقافة كإشعاع
وهذه الثلاثية هي التي ينبغي أن نقرأ من خلالها بقية الاختيارات.
- ماذا يعني اعتبارها “رافعة للتنمية الاقتصادية”؟
يقول البرنامج بوضوح إن الثقافة تشكل رافعة أساسية للإشعاع الوطني والتنمية الاقتصادية. وهذه العبارة تستحق أكثر من قراءة، فهي تعني أن الحزب لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها إنفاقاً عمومياً محضاً، بل باعتبارها مجالاً يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية. ومنه يأتي الحديث عن: الإنتاج الثقافي، الصناعات الثقافية، دعم المبدعين، وتشجيع الطاقات الشابة. الأمر الذي يقرب الثقافة من مفهوم الاقتصاد الإبداعي.
وهنا تظهر المساءلة الضرورية: فهل القيمة الاقتصادية هي نتيجة الثقافة، أم أنها تصبح معياراً للحكم على الثقافة؟ خاصة وأن العمل الثقافي لا ينجح دائماً لأنه مربح، فقد تكون له قيمة تربوية أو رمزية أو تاريخية أو إنسانية دون أن يحقق عائداً مالياً مباشراً. ولذلك فإن إدخال الثقافة في الاقتصاد يحتاج إلى شرط أساسي، هو أن يخدم الاقتصاد الثقافة، لا أن يختزلها.
- الصناعات الثقافية والانتقال من الدعم إلى الإنتاج
من أكثر الالتزامات دلالة في البرنامج هو تعزيز الصناعات الثقافية. ولعله الأمر الذي يكشف تحولاً في طريقة التفكير. فالثقافة ليست مهرجاناً، أو نشاطاً موسمياً، أو دعماً لجمعية ما، إنها أيضاً سلسلة إنتاج متكاملة تشمل الكتاب، الفيلم، الموسيقى، التصاميم، المحتوى الرقمي، الفنون، الحرف، والإنتاج السمعي البصري… ومن هنا يمكن أن تصبح الثقافة مجالاً للمقاولة والابتكار والتشغيل.
ويبقى السؤال الأساس هو: هل يملك البرنامج تصوراً متكاملاً للصناعة الثقافية، أم أن العبارة تحتاج إلى سياسات أكثر تحديداً في التمويل والتكوين والتوزيع وحماية الملكية الفكرية والوصول إلى السوق؟ وهذا هو الفرق بين الاعتراف بأهمية الصناعة الثقافية، وبين بناء سياسة فعلية للصناعات الإبداعية.
- الثقافة والعدالة المجالية
وهنا نجد نقطة تتقاطع بوضوح مع الشعار المركزي للبرنامج. فالحزب يلتزم بإدماج الثقافة في التنمية الجهوية، وتوسيع الولوج إلى الثقافة وتقريب العرض الثقافي من المواطنين. وهو ما يعني أن شعار “مغرب بسرعة واحدة” لا ينبغي أن يقتصر على الطرق، والاستثمارات، والخدمات، والبنيات الاقتصادية، بل يمكن أن يعني أيضاً: مغرباً بسرعة ثقافية واحدة. أي ألا يكون المواطن(ة) في الرباط أو الدار البيضاء أمام عرض ثقافي متنوع، بينما يعيش المواطن(ة) محرورماً في قرية أو منطقة جبلية على هامش الحياة الثقافية بصفة عامة. ومن هنا تتحول الثقافة إلى جزء من العدالة المجالية. وتبقى تلك نقطة مهمة في فلسفة البرنامج الحزبي، لأن العدالة المجالية تشكل أحد التزاماته الوطنية الكبرى.
- “تقريب العرض الثقافي”… فهل يعني أن الثقافة خدمة عمومية؟
إن تقريب العرض الثقافي من المواطنين يفترض ضمنياً أن الثقافة ليست امتيازاً لنخبة قادرة على الوصول إليها، بل هي خدمة ينبغي أن تكون متاحة للمواطن(ة) أينما تواجد، سواء في الوسط الحضري أو القروي.
وهنا ننتقل من: ثقافة المركز إلى: ثقافة القرب، التي لا تعني بناء مركز ثقافي في كل مكان، وإنما أيضاً الحرص على توفير المكتبة، المسرح، السينما، المعرض، الموسيقى، ورشات للأطفال، فضاءات للشباب، وإمكانية الوصول إلى المحتوى الرقمي… وعندئذ تصبح الثقافة جزءاً من جودة الحياة اليومية للمواطنين.
- الفنان والمبدع… من المستفيد إلى المنتج
يضع برنامج الحزب ضمن التزاماته: دعم الفنانين والمبدعين وتشجيع الطاقات الشابة. وهنا ينبغي أن نطرح السؤال الذي يتجاوز كلمة (دعم): فما النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي يريد البرنامج أن يبنيه للمبدع؟
إذا كان الفنان ليس شخصاً ينتظر الدعم لأنه صاحب مهنة، والكاتب ليس مجرد حامل لفكرة لأنه منتج، والموسيقي والمخرج والمصمم والمصور والمنتج الثقافي جميعهم يشكلون جزءاً من دورة اقتصادية، ولذلك جميعه فإن الانتقال الحقيقي سيكون من: ثقافة الدعم إلى: ثقافة التمكين. أي تمكين المبدع من: التكوين والإنتاج والتمويل والتسويق، والحماية الاجتماعية والملكية الفكرية، ثم الوصول إلى الجمهور.
- الشباب… هل يكونون جمهوراً أم صناعاً للثقافة؟
يتحدث البرنامج عن تشجيع الطاقات الشابة، كما يولي الشباب مكانة في محاور أخرى من خلال دعم المبادرات والمشاريع ذات الأثر الثقافي والمجتمعي وتقريب الأنشطة الثقافية والإبداعية. وهذا يضعنا أمام سؤال بالغ الأهمية: فهل يريد المشروع الثقافي من الشباب أن يكونوا مستهلكين للثقافة أم منتجين لها؟
إن الجيل الجديد لا ينتظر المؤسسة الثقافية التقليدية، إنه ينتج عبر وسائط عديدة منها: الهاتف، المنصة، الموسيقى الرقمية، الفيديو، التصميم، الألعاب، والذكاء الاصطناعي… ومنه فإن أي سياسة ثقافية موجهة للشباب ينبغي أن تمنحه(ها) أدوات الإنتاج، عوض الاكتفاء بضمان مقاعد في قاعات العرض.
- الهوية والتنوع… معادلة دقيقة
يلتزم الاتحاد الدستوري بتثمين التنوع الثقافي واللغوي والهوية المغربية بمختلف روافدها. وتبقى هذه صياغة مهمة لأنها لا تختزل الهوية في مكون واحد، فالهوية المغربية في هذا التصور تبقى متعددة الروافد.
لكن السؤال الثقافي الحقيقي هو: كيف يتحول الاعتراف بالتعدد من خطاب إلى ممارسة؟ وهل يظهر في: المدرسة، الإعلام، الكتاب، السينما، المسرح، المتاحف، المحتوى الرقمي، والفضاء العمومي…؟ علماً أن التعدد الثقافي لا يعيش فقط في النصوص، إنه يحتاج إلى الإنتاج الثقافي المتعدد.
- التراث… من الحفظ إلى الحياة
إذا كان الحزب يعلن التزامه بحماية التراث الوطني، فنشير عليه بأن حماية التراث ليست مجرد ترميم المباني فحسب، فالتراث أيضاً: ذاكرة ومهارات وحرف وأغانٍ وحكايات وأزياء وفنون وعادات.
والتحدي الأكبر هو: كيف يمكن أن نحمي التراث من الاندثار دون تحويله إلى قطعة متحفية جامدة منفصلة عن الحياة؟ لأن التراث الذي يعيش هو الذي يستطيع أن يدخل في الإبداع المعاصر. ومن هنا يمكن أن تتصل حماية التراث بالصناعات الثقافية.
- الثقافة ومغاربة العالم
إن وضع الثقافة بجانب مغاربة العالم ليس أمراً عابراً. فإذا كان البرنامج يعتبر مغاربة العالم جزءاً من الرأسمال البشري والاقتصادي والثقافي للمغرب، ويتحدث عن تقوية الروابط الثقافية واللغوية مع الأجيال الصاعدة وتعزيز ارتباطها بالهوية المغربية، فإن الثقافة تصبح جسراً.
خاصة وأن المواطن(ة) المغربي(ة) المقيم خارج الوطن لا يحتاج فقط إلى وثيقة إدارية، أو خدمة قنصلية، أو فرصة استثمار، بل يحتاج أيضاً إلى استمرار الصلة باللغة الوطنية واللغة الأم، والذاكرة، والثقافة. وعموماً يبقى الأفق الأوسع هو أن يصبح مغاربة العالم جسراً لنشر الثقافة المغربية في كل بقاع العالم، عوض البقاء مجرد متلقين لها. وهو ما يقودنا مباشرة إلى مفهوم الإشعاع.
- الثقافة كدبلوماسية
يؤكد البرنامج على تعزيز حضور الثقافة المغربية وإشعاعها دولياً، كما يدرج تقوية الإشعاع الثقافي ضمن “مغرب الثقة والإشعاع”. ومن هنا تتحول الثقافة إلى جزء من الدبلوماسية الناعمة. فالمغرب يستطيع أن يخاطب العالم عبر العديد من الأقنية، منها على سبيل المثال لا الحصر: الموسيقى، السينما، الأدب، الفنون، التراث، المطبخ، الحرف، والتنوع الثقافي.
لكن الثقافة لا ينبغي أن تكون مجرد أداة لتلميع صورة البلد، وإن الدبلوماسية الثقافية الأعمق هي التي تقوم على: التبادل، الحوار، التفاعل، والتأثير المتبادل.
- الثقافة والإعلام هما عماد بناء المواطن القادر على التمييز
وضع البرنامج الإعلام والصحافة في المحور نفسه تقريباً، ويعتبر الإعلام الحر والمهني والمسؤول ركيزة للديمقراطية وبناء الثقة، مع دعم التربية الإعلامية ومواجهة الأخبار الزائفة. وهذا يفتح باباً ثقافياً بالغ الأهمية، ففي عصر الذكاء الاصطناعي والمحتوى السريع، أصبحت الثقافة الإعلامية جزءاً من الثقافة العامة.
فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف:
- كيف يقرأ؟
- كيف يتحقق؟
- كيف يميز بين الخبر والدعاية؟
- كيف يفهم الخوارزمية؟
- كيف يحمي نفسه من التضليل؟
وهنا تتجاوز الثقافة مفهوم الكتاب والفن لتصبح قدرة على فهم العالم.
- الثقافة والتعليم… الحلقة التي تكشف عمق التصور
يجعل البرنامج من إصلاح التعليم والجامعة والبحث العلمي محوراً مستقلاً، ويتحدث عن المكتبات الرقمية والبحث والابتكار والذكاء الاصطناعي، كما يشير إلى الأنشطة الثقافية والرياضية في الحياة الجامعية.
لكن المقاربة والمساءلة الثقافية تفرض سؤالاً أعمق: فهل الثقافة مكون أساسي في تكوين المواطن أم أنها مجرد نشاط موازٍ للتعليم؟ فإذا أردنا “رأسمالاً بشرياً تنافسياً” كما يقول البرنامج، فإن الرأسمال البشري لا يتكون من المهارات التقنية وحدها، إنه يحتاج إلى: القراءة والتفكير النقدي، الخيال والتذوق، والقدرة على الحوار. بمعنى أنه في حاجة إلى رأسمال ثقافي أيضاً.
وبالتالي فإن المفارقة التي ينبغي تسجيلها كلما تقدمنا في قراءة برنامج الاتحاد الدستوري، تظهر في أن الثقافة تحتل موقعاً واضحاً في برنامجه الانتخابي، وتظهر أساساً من خلال: التنمية، الإبداع، الهوية، الجهوية، والإشعاع الدولي… وهذا يمنحها وظيفة عملية واضحة. لكن السؤال الذي ينبغي ألا نتجاوزه يبقى محصوراً في: أين الثقافة باعتبارها حقاً إنسانياً مستقلاً عن مردودها الاقتصادي والإشعاعي؟
فالإنسان لا يحتاج إلى الثقافة فقط لأنها تخلق الثروة أو تحسن صورة البلد أو تجذب السياح، إنه يحتاج إليها لأنها جزء من كرامته الإنسانية. وهذا ما يدفع بنا إلى العودة لمفهوم “مغرب الفرص العادلة” الذي يقدمه البرنامج، فهل تشمل الفرص العادلة أيضاً فرصة القراءة والفن والمعرفة والإبداع؟
الخلاصة النقدية
تكشف قراءة برنامج الاتحاد الدستوري أن الثقافة تحتل موقعاً أكثر وضوحاً مما قد يوحي به حضورها في عناوين البرنامج، فهي: رافعة للتنمية الاقتصادية، أداة للإشعاع الوطني، حاملة للهوية، مجال للصناعات الثقافية، وسيلة لتحقيق العدالة المجالية، جسر مع مغاربة العالم، وأداة للدبلوماسية الثقافية.
وهذه العناصر تجعل فلسفة الحزب الثقافية أقرب إلى صيغة: الثقافة التي تنتج القيمة وتحفظ الهوية، وتوزع الفرص، وتصنع الإشعاع. ولعل السؤال الذي يظل قائماً هو: هل الثقافة في هذا التصور غاية من غايات بناء المواطن(ة)، أم أنها في المقام الأول وسيلة لخدمة مشروع التنمية والإشعاع؟
والفارق بين السؤالين ليس بسيطاً كما قد يبدو من أول وهلة. فحين نعتبر الثقافة غاية، يصبح حق المواطن(ة) في المعرفة والجمال والإبداع أصلاً من أصول السياسة العامة. وحين نعتبرها وسيلة، يصبح الاهتمام بها مرتبطاً غالباً بما تنتجه من ثروة أو تشغيل أو إشعاع أو تماسك.
ويبقى المطلوب هو الجمع بين الأمرين معا، فالـ “مغرب بسرعة واحدة” لا ينبغي أن يعني فقط مغرباً تتقارب فيه سرعة التنمية الاقتصادية بين الجهات، بل مغرباً تتقارب فيه أيضاً فرص المواطن في الثقافة والمعرفة والإبداع.
