صناعة البطل من السلاف إلى العرب: حين يهندس المتخيل الجمعيُّ منقذَه (الحلقة الرابعة والأخيرة)
د. زياد منصور
ليست المسألة، في جوهرها، صربية ولا لبنانية ولا عربية، وليست خصوصية بلقانية يمكن ردّها حصراً إلى تاريخ يوغوسلافيا، ولا عادة شرقية تختصر في «ثقافة الزعيم». المسألة أعمق من ذلك بكثير، لأنها تتصل بطريقة تصرف الجماعات حين تشعر بأنها مهددة أو مهزومة أو مجروحة، أو حين تعتقد أن آلامها لم تُفهم وأن ضحاياها لم يُعترف بهم كما ينبغي. في مثل هذه اللحظات، تبدأ الجماعة في البحث عن شخص تختصر فيه قصتها عن نفسها، فيتحول الفرد إلى وعاء للذاكرة، ثم إلى رمز للهوية.
ومن هنا تتشابه الذهنية السلافية والذهنية اللبنانية والعربية أكثر مما نحب أن نعترف. فالصربي الذي يرى في راتكو ملاديتش حامياً لا يختلف، من حيث آلية التفكير، عن اللبناني الذي يرى في زعيمه شهيداً، أو العراقي الذي يستعيد صدام حسين بوصفه رمزاً للسيادة، أو الليبي الذي يقارن فوضى الحاضر بدولة القذافي، أو اليمني الذي يستعيد عهد علي عبدالله صالح من بوابة الدولة التي ضاعت بعده. الأسماء مختلفة، والوقائع مختلفة، والمسؤوليات مختلفة، لكن الطريقة التي تعمل بها الذاكرة متشابهة: الجماعة لا تبدأ بالسؤال عما يقوله الملف الكامل، بل بالسؤال عما يعنيه الرجل لها.
وهنا تبدأ صناعة البطل. فالبطل القومي لا يُصنع دائماً من انتصار عسكري أو سياسي. قد يصنعه السجن، أو الاغتيال، أو الإعدام، أو سقوط الدولة بعد موته، وقد يصنعه شعور جماعته بأن العالم كله يراه مذنباً في اللحظة التي تراه هي ممثلاً لجرحها. وعند هذه النقطة يصبح رفض الآخرين للرجل جزءاً من القوة التي تستمد منها صورته معناها. كلما قال الخصم: هذا قاتل، استطاع المؤيد أن يجيب: أنتم تكرهونه لأنه قاتل من أجلنا. وكلما قيل: هذا مستبد، ظهر من يرد: لكنه أبقى الدولة واقفة. وكلما وُصف بأنه قائد حرب، قالت جماعته: لكنه حمانا حين خفنا.
وعندها لا يعود الخلاف متعلقاً بالشخص وحده، بل ينتقل إلى معنى الجماعة نفسها: ما الذي تعتبره حماية؟ وما الذي تسميه سيادة؟ وما الذي تراه ظلماً؟ ومن تعتقد أنه وقف معها حين شعرت بأنها وحدها؟
السلافي والعربي أمام المرآة نفسها
من السهل على العربي أن يقف أمام جدارية ملاديتش في بلغراد ويسأل باستغراب: كيف يستطيع هؤلاء تمجيد رجل يثير كل هذا الجدل؟ لكن السؤال يصبح أكثر إزعاجاً عندما نعيد المرآة نحونا.
ألا نفعل الشيء نفسه؟ ألا تزال صور زعماء لبنانيين ماتوا منذ عقود حاضرة في البيوت والشوارع والمناسبات؟ ألا تزال صورة صدام حسين تظهر في فضاءات عربية رغم كل ما يحمله عهده من تاريخ ثقيل؟ ألم تتحول صور القذافي بعد موته، عند بعض الليبيين، من رمز لنظام سقط إلى رمز يقارنون به ليبيا الحاضر بليبيا الأمس؟ ألا يعود اسم علي عبدالله صالح كلما ازداد الحنين إلى الدولة اليمنية الموحدة؟
إذن، المشكلة ليست في أن «الصرب يمجدون». نحن نمجد أيضاً، لكننا نمنح تمجيدنا تفسيراً أخلاقياً وتاريخياً يبدو لنا طبيعياً، بينما نرى تمجيد الآخر شيئاً غريباً أو غير عقلاني. وهذه من أكثر مفارقات الذاكرة البشرية وضوحاً: كل جماعة تفهم أسباب تعلقها برمزها، لكنها تطلب من الجماعة الأخرى أن تتخلى عن رمزها باسم العقل.
نحن نفهم بطلنا ونستغرب بطل غيرنا
اللبناني الذي نشأ وفي بيته صورة زعيم لا يشعر غالباً أن في الأمر شيئاً يحتاج إلى تفسير. الصورة جزء من المنزل، ومن ذاكرة الأسرة، ومن اللغة السياسية التي تعلمها قبل أن يعرف تاريخ الحرب في الكتب. لكنها تتغير حين ينظر إلى صورة ملاديتش على جدار في مدينة بعيدة؛ هناك لا يرى الرجل من داخل الذاكرة، بل من خارجها.
هو لا يرى الأب الذي حكى لابنه القصة، ولا القرية التي دفنت أبناءها، ولا الجندي الذي عاد من الجبهة، ولا الخوف الذي بُنيت حوله رواية كاملة عن الحماية والنجاة. ولهذا يبدو تمجيد الآخر غير عقلاني، بينما يبدو تمجيدنا نحن طبيعياً ومفهوماً.
ولا يعني ذلك أن ذاكرتنا أصدق بالضرورة، بل يعني أن الإنسان يرى ذاكرته من الداخل، محاطة بالعاطفة والعائلة والمكان والخوف، بينما يرى ذاكرة خصمه من الخارج، مجرّدة من كل ذلك.
كل جماعة تمنح بطلاً وظيفة
هذه هي النقطة الأهم. فكمال جنبلاط يؤدي وظيفة في ذاكرة جمهوره، وموسى الصدر يؤدي وظيفة، وبشير الجميل يؤدي وظيفة، ورفيق الحريري يؤدي وظيفة، وحسن نصرالله يؤدي وظيفة. وصدام والقذافي وصالح كذلك، وملاديتش وميلوشيفيتش كذلك.
ولا يعني هذا أن الوظيفة واحدة أو أن التاريخ متشابه، بل إن الاسم يتحول، بعد فترة، إلى وعاء تُسكب فيه معانٍ كثيرة: الكرامة، والدولة، والمقاومة، والسيادة، والحماية، والشهادة، والهوية، والمظلومية. وفي اللحظة التي يمتلئ فيها الاسم بهذه المعاني، يصبح أكبر من صاحبه التاريخي.
فالناس لا يعودون يتعاملون مع الشخص بوصفه مجموعة قرارات ووقائع فقط، بل بوصفه اختصاراً لمرحلة كاملة. ومن هنا تأتي قوته بعد الموت: لم يعد المطلوب أن يبقى الإنسان حياً، لأن الرمز أصبح قادراً على العيش من دونه.
ولهذا لا تنفع المقارنات الأخلاقية السريعة
حين يقول أحدهم: كيف تقارن فلاناً بفلان؟ يكون قد فهم المقارنة على غير وجهها. فنحن لا نقارن المسؤوليات، ولا الدماء، ولا الأيديولوجيات، ولا الأحكام القانونية، ولا نقول إن الشخصيات متساوية في أفعالها أو نتائج أفعالها.
المقارنة هنا تتعلق بشيء مختلف تماماً: بالطريقة التي تصنع بها المجتمعات الرموز.
ويمكن دراسة كيف صنعت جماعتان صورتين لقائدين مختلفين من دون أن يعني ذلك مساواة القائدين. فكما يستطيع عالم الاجتماع أن يدرس طقوس جنازتين مختلفتين من دون أن يساوي بين الميتين، يستطيع المؤرخ أن يقارن آليات التمجيد من دون أن يلغي الفوارق الأخلاقية والتاريخية.
في التمجيد ثلاث مراحل
تمر عملية التمجيد، في كثير من الأحيان، بثلاث مراحل واضحة. في البداية يوجد رجل حقيقي، له قرارات وأخطاء وانتصارات وهزائم، وله تناقضات قد تكون حادة. ثم تأتي الجماعة فتختار من سيرته صورة معينة، وتقدم بعض اللحظات على غيرها، وتضع بعض الصفات في الواجهة، وتدفع غيرها إلى الخلف. وبعد ذلك يأتي الجيل التالي فلا يرث الرجل نفسه، بل يرث الصورة التي اختيرت له.
وهنا يصبح الرمز أقوى من السيرة. جيل صربي ولد بعد حرب البوسنة قد يرث ملاديتش بوصفه «الحامي». وجيل لبناني ولد بعد 1982 قد يرث بشير الجميل بوصفه «الحلم الذي لم يكتمل». وجيل ولد بعد اختفاء موسى الصدر يرث «الإمام المغيب». وجيل عربي ولد بعد إعدام صدام يعرف «الرئيس الذي لم ينحنِ».
وفي هذه اللحظة تنتقل الشخصية من التاريخ، حيث التفاصيل والتناقضات، إلى الأسطورة السياسية، حيث الصورة أكثر اختصاراً وأشد قدرة على البقاء.
التمجيد يحتاج إلى الاختصار
كل أسطورة تبدأ بشيء من حذف التفاصيل. الرجل الذي أمضى أربعين سنة في السياسة، واتخذ مئات القرارات، ودخل في تحالفات وصراعات، يمكن أن يتحول بعد موته إلى جملة واحدة: «هو الذي حرر». أو «هو الذي قاوم». أو «هو الذي بنى». أو «هو الذي حمى». أو «هو الذي تحدى الغرب». أو «هو الذي حفظ الدولة».
لكن التاريخ لا يعيش في جملة. ولهذا يبدأ الصدام بين المؤرخ والذاكرة. المؤرخ يفتح الملفات، ويبحث في التناقض، وفي ما قبل الشعار وما بعده. أما الذاكرة فتبحث عن عبارة قابلة للحفظ، وتغلق داخلها ما لا تستطيع الصورة حمله.
ومع ذلك لا يستطيع المؤرخ احتقار الشعار
لا يستطيع المؤرخ الذي يريد أن يفهم المجتمع أن يكتفي بالقول إن الشعار تبسيط، ثم يتركه جانباً. عليه أن يسأل لماذا نجح هذا التبسيط بالذات، ولماذا التصقت هذه الكلمة بالرجل دون غيرها.
لماذا قال بعض الصرب عن مل عن ملاديتش «بطل»؟ ولماذا يقول بعض اللبنانيين عن زعيمهم «شهيد» أو «معلم» أو «سيد»؟ ولماذا يقول عربي عن صدام «زعيم» بعد سنوات من موته؟
هذه الكلمات ليست بريئة، ولا هي مجرد أوصاف لغوية. إنها مفاتيح للذاكرة، لأنها تكشف الوظيفة التي يؤديها الرجل داخل جماعته.
الذهنية ليست قومية، بل جماعية
هنا يمكن صياغة الفكرة بصورة أدق: ليست هناك «ذهنية صربية» واحدة، كما ليست هناك «ذهنية عربية» واحدة. ما يوجد، في كثير من هذه الحالات، هو ذهنية جماعة جريحة أو خائفة أو منقسمة.
حين تدخل الجماعة هذا الوضع، تبدأ في إنتاج الرموز بطريقة متشابهة. تبحث عن رجل يمثلها، ثم تحمله من المعاني ما يتجاوز سيرته الفردية، ثم تدافع عنه لأنها لا تشعر، في الحقيقة، أنها تدافع عنه وحده.
عندها يصبح نقد الرجل نقداً للجماعة، وتصبح محاكمته، في نظر أنصاره، محاكمةً لهم، وتصبح إهانته إهانة لذاكرتهم هم. وهنا نفهم لماذا يتحول النقاش حول شخصية تاريخية إلى نزاع حاد لا يبدو متناسباً مع رجل مات منذ سنوات.
لذلك يصبح تمجيد الزعيم دفاعاً عن الذات
الصربي الذي يدافع عن ملاديتش قد يشعر أنه لا يدافع عن شخص واحد، بل عن جيش، وعن جمهورية صربسكا، وعن عائلة قاتلت، وعن رواية كاملة للحرب. واللبناني الذي يدافع عن زعيمه قد يشعر أنه يدافع عن طائفته، أو منطقته، أو شهدائها، أو تاريخها السياسي. والعربي الذي يدافع عن صدام قد يشعر أنه يدافع عن فكرة السيادة العربية في مواجهة الهيمنة الخارجية.
وإذا لم نفهم هذه الطبقة، سنبقى ننظر إلى التمجيد بوصفه مجرد حب غير عقلاني لشخص. بينما هو، في حالات كثيرة، دفاع عن معنى أوسع بكثير من الشخص نفسه.
العدو يساعد في صناعة البطل
لا يُصنع البطل دائماً داخل الجماعة وحدها، لأن الخصم يشارك أحياناً في صناعته. فكل جماعة تحتاج إلى «آخر» تبني في مواجهته رمزها، وكلما بدا هذا الآخر أقوى، استطاع البطل أن يظهر أكبر.
وحين يشعر الأنصار بأن الخارج كله يعادي رجلهم، يصبح بإمكانهم أن يقولوا: لو لم يكن خطيراً عليهم، لما حاربوه بهذه الطريقة. ظهرت هذه الفكرة عند مؤيدي صدام، وعند مؤيدي القذافي، وعند قطاعات من أنصار ميلوشيفيتش وملاديتش، كما تظهر في بيئات لبنانية وعربية مختلفة.
ولهذا يمكن للحصار أن يصنع بطولة، وللمحاكمة أن تصنع بطولة، وللاغتيال أن يصنع بطولة، بل يمكن حتى لما يُنظر إليه بوصفه تشويهاً إعلامياً، سواء كان حقيقياً أو متخيلاً، أن يتحول إلى وقود للأسطورة.
لهذا لا ينبغي الاستهزاء بجمهور الخصم
السخرية تمنع الفهم قبل أن تمنع الحوار. قد يكون موقف الجمهور خاطئاً، وقد تكون ذاكرته شديدة الانتقائية، وقد يبني بطله على نصف حقيقة. لكن السؤال العلمي لا يتوقف هنا.
السؤال هو: لماذا احتاج إلى ذلك النصف تحديداً؟ لماذا اختاره من بين بقية الوقائع؟ وما الحاجة التي يشبعها هذا الاختيار؟
هنا يبدأ التاريخ الاجتماعي للذاكرة، لا عند الحكم على الناس، بل عند محاولة فهم الطريقة التي صنعوا بها روايتهم.
العرب ليسوا أقل تعلقاً بالزعيم
ثقافتنا السياسية الحديثة مليئة بأمثلة تجعل من الصعب النظر إلى البلقان بوصفه فضاءً غريباً عنا: صور جمال عبد الناصر بعد عقود من موته، وصدام حسين، والقذافي، والزعماء اللبنانيون، والقادة الفلسطينيون، وزعماء أحزاب وحركات ماتوا وبقيت صورهم حاضرة.
يختلف السياق، وتختلف الدرجة، وتختلف طبيعة العلاقة بين الرمز والجمهور، لكن الظاهرة موجودة. ولهذا فإن النظر إلى البلقان بوصفه مكاناً غريباً يمجد الناس فيه قادتهم، بينما نتعامل نحن مع صورنا بوصفها أمراً طبيعياً، ليس سوى نوع من العمى عن الذات.
والسلاف ليسوا استثناء أوروبياً
والسلاف، بدورهم، ليسوا استثناء أوروبياً خارج التاريخ العام للقارة. فأوروبا نفسها بنت دولها الحديثة حول تماثيل وقادة وشهداء ومعارك، وصاغت هوياتها الوطنية من خلال أسماء رجال ارتبطوا بالحروب والتوحيد والثورات وحركات الاستقلال.
الفرق أن بعض هذه الرموز استقر داخل سرديات وطنية شرعية، بينما بقي بعضها الآخر محل نزاع وانقسام. ولهذا فالمسألة ليست شرقاً في مواجهة غرب، ولا عرباً في مواجهة سلاف، بل هي جزء من تاريخ الإنسان السياسي نفسه.
الإنسان يريد وجهاً للتاريخ
المؤسسات مجردة، وكذلك الأفكار. أما الوجه فأسهل في الحفظ وأقوى في التأثير. ولهذا يحتاج الناس إلى صورة تختصر لهم ما يصعب اختصاره بالكلمات.
الدولة تصبح رجلاً. والحرب تصبح جنرالاً. والمقاومة تصبح قائداً. والاغتيال يصبح شهيداً.
وهذا الاختصار ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو أحد أسرار قوة الزعيم بعد موته. فحين يتحول التاريخ إلى وجه، يصبح من السهل نقله من جيل إلى آخر.
وربما هنا نفهم لماذا يخاف السياسيون من صور الموتى
السياسي الحي يستطيع أن يخطئ، وأن يخسر انتخابات، وأن يتراجع، وأن يوقع تسوية، وأن يخذل مناصريه. أما الميت فلا يفعل شيئاً جديداً، ويمكن تنقيح صورته بعد موته إلى ما لا نهاية.
ولهذا تصبح المنافسة معه صعبة. كيف ينافس سياسي حي زعيماً ميتاً لا يدفع ضرائب، ولا يخسر انتخابات، ولا يوقع تسوية؟ الميت يبقى محبوساً في أفضل لحظاته التي اختارتها له الجماعة. وهذه قوة هائلة.
الذهنية اللبنانية والعربية والسلافية تلتقي هنا
تلتقي هذه الذهنيات في ثلاث حاجات أساسية: الحاجة إلى الحماية، والحاجة إلى المعنى، والحاجة إلى ألا تشعر الجماعة بأن موت أبنائها كان بلا معنى.
إذا مات الأب في الحرب، يريد الابن أن يصدق أنه مات من أجل شيء. وإذا خسرت الجماعة أرضاً، تبحث عن تفسير يمنح الخسارة معنى. وإذا انهارت الدولة، تفتش عن شخص كان يجسدها حين كانت قائمة.
وهنا يظهر البطل، لا دائماً لأنه كان أفضل الناس، بل لأنه يمنح الألم قصة قابلة للفهم.
لا بطولة بلا ذاكرة ولا ذاكرة بلا انتقاء
هذه هي خلاصة الحلقة: نحن لا نخلد الرجل كما كان، بل كما نحتاج أن يكون. والآخر يفعل الشيء نفسه.
الصربي يختار زعيمه، واللبناني يختار زعيمه، والعراقي يختار صدامه، والليبي يختار قذافيه، والخصم يختار للرجل نفسه صورة مضادة. وهكذا يستطيع قائد واحد أن يعيش بعد موته في أكثر من سيرة، لأن كل جماعة تنتقي منه ما يخدم معناها الخاص.
لكن هنا تبدأ مسؤولية المؤرخ
مسؤولية المؤرخ ليست أن يعبد الصورة، ولا أن يكسرها لمجرد كسرها. مهمته أن يضعها إلى جانب الوثيقة، ثم يسأل: ما الذي حفظته هذه الصورة؟ وما الذي أخفته؟ ولماذا حفظت هذا وأخفت ذاك؟
هذه الأسئلة أهم من الشتيمة والمديح، لأن التاريخ لا يصبح ناضجاً عندما نتوقف عن امتلاك أبطال، بل عندما نصبح قادرين على النظر إلى أبطالنا من دون خوف من الحقيقة.
من بلغراد إلى بيروت وبغداد وطرابلس وصنعاء
يمكن الآن أن نرى الخيط الذي يربط هذه الرحلة كلها. ملاديتش ليس حالة منفصلة، وميلوشيفيتش ليس حالة منفصلة، ولا جنبلاط، ولا بشير، ولا الصدر، ولا الحريري، ولا نصرالله، ولا صدام، ولا القذافي، ولا صالح.
كل واحد منهم يعيش داخل تاريخ مختلف، ويحمل مسؤوليات وتجارب وسياقات مختلفة، لكنهم جميعاً يكشفون شيئاً واحداً:
حين تدخل الشخصية السياسية إلى ذاكرة الجماعة، لا تعود ملكاً لسيرتها وحدها.
إنها تتحول إلى رمز للهوية، والرمز لا يخضع لقوانين الموت العادية.
لهذا قد لا يموت البطل أبداً
ليس لأن جسده باقٍ، بل لأن الجماعة تستمر في الحاجة إليه. وما دامت هذه الحاجة موجودة، ستبقى الصورة: على الجدار، وفي البيت، وفي الذكرى، وفي الأغنية، وفي الخطاب، وفي ذاكرة الأسرة.
وستبقى أيضاً في الطفل الذي ينظر إلى صورة قديمة ويسأل أباه: من هذا؟
وعندما يأتي الجواب، تبدأ حياة جديدة للميت.
هناك تحديداً تتشابه بلغراد وبيروت وبغداد وطرابلس وصنعاء؛ لا في الأشخاص أنفسهم، ولا في المسؤوليات، ولا في التاريخ، بل في الإنسان الذي يقف أمام صورهم ويحاول أن يعرف من هو من خلالها (انتهى).
