على مسؤوليتي.. انتهت الحملة ليبدأ الطوفان
عبد الرحمان الغندور
كمتتبع غير محايد، تابعت زحف ظلام صامت بصخبه، وصاخب بصمته، طيلة أيام الحملة الانتخابية الأخيرة. كان يُفترض أن تكون عرساً ديمقراطياً، لو أُريد لها ذلك، لكنها كانت اهتزازا للأرض تحت أقدامنا. اهتزاز يبكي ويضحك، تهتز معه قناعات المواطن البسيط، وتتصدع فيه صورة المشهد السياسي حتى نصل إلى لحظة الفجيعة الصامتة وهي الانهيار الكامل للمصداقية والثقة في الأغلبية الساحقة جدا من الذين ملأوا الازقة والشوارع والحارات، موزعين “الكاغيط” بسخاء.
يتجلى هذا الانهيار في الشعور بالغثيان الخفي الذي يحسه الناس، وهم يشاهدون الوجوه ذاتها تتناسل على الشاشات واللوحات الإعلانية، ويسمعون الخطابات المعلبة والوعود الزائفة التي تتبخر مع إغلاق مكاتب التصويت وصناديق الاقتراع.
الأمر لا يحتاج إلى دليل مادي؛ فحدس المواطن المكتوي بنار الغلاء والبطالة وانعدام ابسط الحقوق، يخبرنا أن الكلمات فقدت معانيها، وأن الابتسامات المفتعلة تخفي فراغاً مدقعاً، وأن المصافحات الموسمية تحولت إلى طقوس جوفاء، حيث يتحول السياسي بين عشية وضحاها إلى نقيض خطابه، مبرراً تلوّنه ببرودة أعصاب تثير الاشمئزاز، متصرفاً وكأن ذاكرة الناخب ضعيفة وأن الشعب سيبتلع الأكاذيب ببساطة وكأن كرامته سلعة رخيصة.
وتتسع دائرة انعدام الثقة لتشمل كل من أساء أمانة التدبير، بدءاً من المسؤول الحكومي الذي يجعل معاناة المواطن روتيناً يومياً، وصولاً إلى مدبّري الشأن العام الذين نزلوا إلى الميدان في فترة الحملة فقط ليمارسوا أصناف الاستعطاف، متصرفين وكأنهم أسياد في مملكة منفصلة عن واقع الناس. لقد شهدت هذه الحملة الانتخابية أسوأ وجوه تبخيس الإنسان؛ حيث تحول المواطن في خطابات البعض إلى مجرد ورقة اقتراع تُشترى بالمال وبالوعود الفارغة، أو رقم في معادلة انتخابية مطبوخة سلفا. فتموت الثقة عند عتبات المؤسسات، وعند وعود التنمية التي تُقطع ولا تُنفذ، وعند الإحساس المهين بأن الإنسان المغربي أصبح مجرد عقبة في طريق مصالحهم الضيقة، لا يُذكر إلا حين تُطلب أصواته.
ثم تأتي الضربة القاضية من أولئك الذين من المفترض أن يكونوا ضمير المجتمع ومناراته، فبعض المنصات ووسائل الإعلام تتحول في مواسم التنافس الانتخابي إلى أسواق للبضائع الفكرية، حيث تُختزل الحقائق وتُحرّف وتُقتل لتخدم رواية من يملك المال أو النفوذ الحزبي. ويذوب الخط الفاصل بين الرأي الحر وتسويق الدعاية، ويصبح النقد سلعة للابتزاز، والمجاملة عملة للتزلف، ويفقد الناس القدرة على تمييز الصدق من الكذب بعد أن أغرقت الحملات الفضاء الرقمي والعمومي بجيوش الذباب الإلكتروني والمحللين المأجورين، ليصبح السؤال الأكثر إيلاماً: كيف يمكن بناء وطن على أساس من الرمال المتحركة والأكاذيب التسويقية؟
هذا هو واقع الحال، وهم يظنون أن جبال اليأس وتبخيس العمل السياسي التي يلقونها على صدورنا ستثقلنا حتى نتوقف عن الحلم والمطالبة بالتغيير، ويظنون أن إغراق المشهد بالتفاهة والكذب سيقتل بذور الكرامة في أعماقنا. لكنهم جهلوا أن أعظم الأزهار تنبت من بين شقوق الصخور، وأن الشعب المغربي الأبيّ يعي جيداً سر الحياة والصمود. إنهم يريدون اغتيال إرادتنا عبر جرعات مكثفة من التيئيس، وأن نعتاد على رؤية استباحة القيم السياسية النبيلة حتى تصبح مكونا طبيعيا وجزء من عمليات التطبيع مع الرداءة والتفاهة وانعدام الحياء. لكننا سنقاوم تسويقهم للكذب وتيئيسهم بالسلاح الوحيد الذي لا يستطيعون مصادرته، وهو الأمل المتين.
الأمل ليس هروباً من الواقع، بل هو رفض قاطع للاستسلام، وقرار يومي بالاستيقاظ ومواجهة العبث بالوعي، بالرفض، وبالمطالبة المستمرة بالكرامة والعدالة الاجتماعية. سنجعل من الأمل درعاً لا تخترقه قذائف اليأس الانتخابي، وبوصلة تقود خطانا نحو مغرب أعدل وأنزه، ولتخفق آلة التزييف والتبخيس كما تشاء، فالتاريخ يُسجّل لمن يملكون الشجاعة على الحلم والنضال، لا لمن يملكون المال وقوة الخداع.
ستزول جبال اليأس المفتعل، وتبقى حبات القمح الصغيرة التي نزرعها كل يوم بإصرارنا على الحياة والكرامة، فلييئسوا هم من استعباد العقول، فنحن أبناء الحياة، ولدنا لنكون أحراراً.
