الوضع الفظيع والمرعب والخطير على مستقبل البلاد والعباد

الوضع الفظيع والمرعب والخطير على مستقبل البلاد والعباد

عبد الرحمان الغندور

حكم الأقلية للأغلبية

         بعيدا أو ابتعادا عن منطقة الألم والغضب، من نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، ومحاولة لفهم هول التردي السياسي المصنوع من طرف صناع القرار من وراء التمظهرات الفولكلورية، والتماسا لعملية فهم ما يجري على هذه الأرض، التي طالما حللنا ووضحنا أنها محكومة بدستور سري غير مكتوب، وتصنع سياساتها الكبرى داخل مطبخ بعيد عن الواجهات والمؤسسات التي تنظمها القوانين بدءا من الدستور الى التشريعات التنظيمية…لكل ذلك ومساهمة في هذا الفهم علينا قراءة نتائج هذه الانتخابات لا من حيث الفوز والصدارة وبناء التحالفات، ولكن للإجابة على السؤال الجوهري:

هل الانتخابات في المغرب آلية ديموقراطية حقا كما هو متعارف عليه، أم مجرد عملية موسمية لترسيخ ما هو كائن وعرقلة كل تغيير ديموقراطي ممكن؟

إذا كانت نسبة المشاركة المعلنة في الانتخابات التشريعية الأخيرة لم تتجاوز 38 في المائة، فإن هذه الرقم الوجيز يمثل إحصائية ل” ديموقراطيتنا الانتخابية” واكثر من خبر للتوثيق. فهو يشكل زلزالاً هادئاً يضرب في عمق الشرعية التمثيلية للنظام السياسي، ويكشف عن هوة سحيقة بين المؤسسات المنتخبة والمجتمع. ولتفكيك هذه الظاهرة بعيداً عن الشعارات الاستهلاكية، تقتضي الأمانة التحليلية الغوص في قراءة رقمية مقارنة تستنطق البنيات الديموغرافية والانتخابية، بدءاً من أعداد المسجلين في اللوائح الانتخابية وصولاً إلى الكتلة الناخبة الحقيقية داخل مجموع السكان.

فعندما نأخذ بعين الاعتبار أن نسبة 38 في المائة لا تحسب من مجموع المواطنين البالغين سن التصويت، بل تحسب فقط من الأقلية التي تجشمت عناء التسجيل في اللوائح، فإن المشهد يتجلى في أبعاده الحقيقية؛ إذ إن المشاركين لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة جداً من مجموع المغاربة الذين يحق لهم التصويت قانوناً، فضلاً عن ملايين المواطنين الآخرين الذين استقال وعيهم أو سدت في وجوههم أفق الثقة فلم يسجلوا أصلاً، فكيف إذن بمجموع السكان عموماً الذين يضمون القاصرين وغير المعنيين؟ إ

ن هذا التدرج التراجيدي في الأرقام، ابتداءً من الكتلة السكانية الإجمالية مروراً بالكتلة الناخبة غير المسجلة وصولاً إلى المقاطعين والعازفين، يضعنا أمام مفارقة سوسيولوجية وسياسية فادحة، تؤكد بالدليل الملموس أن الممارسة الديمقراطية في المغرب مقلوبة الرأس على قدميه، إذ عوض أن تعكس المؤسسات إرادة الأغلبية الساحقة من الشعب، فإنها تكرس بنية واضحة لحكم الأقلية للأغلبية الساحقة.

إن هذا الوضع يصطدم اصطداماً صارخاً بالجوهر الفلسفي والعملي للديمقراطية الحقة التي بنيت تاريخياً على قاعدة كونها حكم الأغلبية مع ضمان احترام وانضباط الأقلية، في حين يتحول المشهد المغربي إلى العكس تماماً، حيث تقرر أقلية محدودة، لأسباب متباينة بين الولاءات الزبونية والوعي المغترب أو المصلحي، مصير أغلبية صامتة ومغيبة، مما يحول العملية الانتخابية من أداة للإدماج والتمثيل الحقيقي إلى مجرد آلية تقنية لإضفاء شرعية شكلية على نخب لا تفرزها سوى قطاعات طفيلية من الخريطة الديموغرافية والاجتماعية للبلاد، وهو ما يعمق أزمة الثقة ويدفع المجتمع نحو المزيد من الانكفاء والتوتر الصامت بين الشرعية الدستورية والشرعية المجتمعية المفقودة.

ولنتأمل بقليل من الوعي الأرقام الرسمية للبرهنة على هذه المعادلة المقلوبة،

فعدد سكان المغرب يترواح بين 37 و38.8 مليون نسمة (حسب الإحصاءات الرسمية وتدقيق المؤسسات الدولية والمحلية).

أما البالغون سن التصويت (حق التصويت القانوني – 18 سنة فما فوق) فيُقدر عددهم بحوالي 27 مليون مواطن. في حين أن وزارة الداخلية حصرت عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية في 15,801,162 ناخباً (نحو 15.8 مليون). أما غير المسجلين (المستقيلون تقنياً أو الممتنعون عن التسجيل) أي المواطنين الذين استوفوا سن التصويت لكنهم غير مسجلين في اللوائح فيبلغ ما يقارب 11.2 مليون مواطن (أي ما يعادل أكثر من 41% من مجموع من يحق لهم التصويت قانوناً).

وحين نعاين نسبة المشاركة فعلياً في يوم الاقتراع، فإنها لم تتجاوز 38% من أصل المسجلين، أي إن عدد من صوتوا فعلياً لا يتجاوز نحو 6 ملايين مقترع (بالتحديد حوالي 6 ملايين وألفين ناخب).

وهنا يتضح للأعمى قبل البصير، أن الـ 6 ملايين مشارك الذين صنعوا الخريطة البرلمانية وحسموا توزيع المقاعد لا يمثلون سوى حوالي 16% فقط من مجموع الشعب المغربي (سكان البلاد ككل). بعبارة أبسط: برلمان بأكمله تشكل بأصوات أقل من سدس المغاربة.

وعند مقارنة عدد المشاركين الفعليين (حوالي 6 ملايين) بالكتلة الإجمالية لمن يملكون حق التصويت قانوناً (27 مليون)، تتدنى النسبة إلى حوالي 22% فقط. وهذا يعني أن 78% من المواطنين البالغين لم يشاركوا، إما عزوفاً عن التسجيل أو مقاطعة لصناديق الاقتراع.

وحين نختزل المعادلة في أصل العملية الانتخابية الرسمية، نجد أن الحكومة والبرلمان أفرزتهما أصوات أقل من نصف المسجلين (38% من 15.8 مليون)، مما يثبت رياضياً وسوسيولوجياً أن المؤسسات المنتخبة لا تترجم “إرادة الأغلبية”، بل تجسد بدقة ميكانيزم “حكم الأقلية المنظمة” (أقل من 6 ملايين) على مجتمع واسع تزيد كتلته السكانية عن 38 مليوناً، وتتجاوز كتلته الناخبة 27 مليوناً.

هذه الأرقام المتقاطعة هي الترجمة الرقمية الملموسة لعمق الأزمة الديمقراطية التمثيلية؛ إذ تتحول الأغلبية الصامتة والمقاطعة إلى “أغلبية سياسية مغيبة”، بينما تحكم الأقلية المسجلة والمشاركة بالنيابة عن مجتمع بأكمله.

وهنا تبرز الهوة العميقة بين أغنية الانتقال الديموقراطي وترسيخ قيم المواطنة ورقصة النخب الأوليغارشية التي تعيد توزيع الأدوار فيما بينها حسب ما يمليه المربع المتحكم في صنع القرارات الاستراتيجية والخرائط السياسية وتوزيع الثروات.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!