قضايا ثنائية شائكة وإكراهات مُؤرِقة فى العلاقات الاسبانيّة – المغربية

قضايا ثنائية شائكة وإكراهات مُؤرِقة فى العلاقات الاسبانيّة – المغربية

د. محمّد محمّد الخطّابي

           تجدر الإشارة إلى أنّه على الرّغم من الزّخم الهائل الذي يطبع العلاقات الثنائية بين البلدين، والبريق اللمّاع الذي يضيئها،ويوحي للعيان أنّها كانت دائماً على خير ما يُرام فى مختلف المرافق، والقطاعات، فإنه ينبغي لنا ألاّ نغفل، أو أن ندير ظهورَنا لقضايا أخرى ثنائية هامّة  شائكة وأمورعالقة، وإكراهات مُؤرقة ما زالت تثقل كواهلنا، وتقلق مضاجَعنا، وتشغل بالنا ممثّلة فى جملة من  المطالب التاريخية المشروعة  المتوارثة من العهود الاسبانية البائدة التي ما زالت تنتظر الحلول الناجعة لها، وهي  قضايا لا تخفى على أحد، ويعرفها القاصي والدّاني على حدٍّ سواء، هذه الأمور ما فتئت تواجهنا بإلحاح، ولا ينبغي أن  نسلك حيالها مسلك النّعامة فى إخفاء رأسها فى الرّمال، وعدم رؤية الواقع الحقيقي الذي نعيشه، ونلمسه ونواجهه، ويتجسّد نصب أعيننا، ويمكن حصر بعض هذه القضايا كما يلي  :

الصّحراء المغربية.. خطٌّ أحمر

ما فتئت اسبانيا تتعنّت  وتتحربأ في مواقفها حيال جارها الأهم في الشقّ الجنوبي على امتداد التاريخ  وهو المغرب، ففي الوقت الذي لا يتوقف ولا يتورّع كبار المسؤولين الاسبان في المدة التخيرة بدءاً برئيس الحكومة السيد بيدرو سانشيس ووزير الخارجية الاسبانية خوسّيه مانويل الباريس وسواهما من المسؤولين اللآخرين الرفيعي المستوى في الالحاح على ضرورة عودة العلاقات الثنائية بين البلدين الى حالها السابق والتأكيد في كلّ مناسبة على ان المغرب يُعتبر جاراً استراتيجياً هاما بالنسبة لاسبانيا مع ذلك  نجدهم يقومون – مقابل ذلك – بتصرّفات تنأى عن الصّواب منذ استقبال اسبانيا بشكل سرّي مشبوه لزعيم الانفصاليين تحت ذعيرة العلاج، وصولاً الى انفراد رئيس الحكومة الاسبانية باستقباله  للاتفصالي غالي خلال القمة الاوربية الافريقية ببروكسيل في حين ان هذا الأخير لم يُستقبل قطّ من طرف أي رئيس أوربي آخر حيث عاد الى مخيمات العار خاوي الوفاض، ومعروف ان الرئيس سانشيس فعل ذلك محاباة، ومداهنة، ومصانعة للجهة التي تمده بالغاز الطبيعي في هذه الظروف الصعبة التي يجتازها العالم بعد اندلاع الحرب الروسة الأوكرانية، ومروراً بالزيارة التي قام بها سانشيس مؤخراً الى الجزائر، ووصولاً الى تمرير قانون منح الصحراويين المحجوزين فى تندوف الجنسية الاسبانية، ناهيك عن أحداث سبتة ومليلية  الاخيرة التي زادت الطينة بلّة وعكّرت صفو العلاقات الثنائية الاسبانية المغربية التي كانت تنعم  حتى وقت قريب بانسجام تام، وتناغم كامل.

وعلى الرّغم من الدعايات المغرضة والاكاذيب المزيفة التي اطلقها الخصوم والبروباغاندا التي كانت تروجها جبهة البوليساريو الانفصالية بخصوص حصولها على اعتراف أوروبي لصالح ما تسميه “الجمهورية الصحراوية” إثر مشاركة إبراهيم غالي، في أشغال قمة الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي الآنفة الذكر، سرعان ما جاء الردّ الحاسم مفحماً من طرف الممثل السامي للسياسة الخارجية للاتحاد الاوربي  جوزيب بوريل الذي اكد في تصريح رسمي قطعي انّ الاتحاد الأوربي لا يعترف بما يسمّى “الجمهورية الصحراوية.”

ولقد اقتفت اسبانيا خطى الولايات المتحدة الامريكية والعديد من البلدان الاخرى واعترفت بسيادة المغرب على صحرائه المسترجعة، ذلك  إنّ اسبانيا باعتبارها طرفاً تاريخياً أساسياً ورئيسياً في هذا النزاع الاقليمي المفتعل الذي طال أمدُه بسبب تعنّت الأشقاء وراء التخوم الشرقية، مدعوّة بأن تفتح عيونها جيّداً، وأن تصحو من غفوتها، وأن تقوم بحسابات براجماتية جديدة ودقيقة لتقوم بمبادرة أو مبادرات تعود بها إلى رشدها، وتؤوب الى صوابها في هذه القضيّة الحاسمة التي تُعتبر من أولويّات قضايا المغرب الحاسمة والتي تدخل في صلب اهتماماته. ولقد اكدت واشنطن دعمها الكامل والمتواصل لمخطط الحكم الذاتي المغربي، حيث اعتبرت الولايات المتحدة الامريكية “خطة الحكم الذاتي المغربية على أنها جادة وذات مصداقية وواقعية”. وكانت السفيرة الممثلة الدائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، قد ابلغت  قبل ذلك رسمياً مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، بفحوى الإعلان الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يعترف بالسيادة الكاملة والشاملة للمغرب على صحرائه. ويجدر بنا التذكير أنّ اسبانيا – قبل ان تحذو حذو واشنطن  فى دعمها واعترافها بالحكم الذاتي  للمغرب على الصحراء – كانت تستغلّ هذا الجانب من قبل في كلّ مناسبة لتقايض به مصالحها مع المغرب في هذا النزاع المفتعل والمصطنع.

سبتة ومليلية والثغور المحتلّة دائماً في البال

عندما يثار الحديث عن سبتة ومليلية  في مختلف الأوساط الأدبية والتاريخية والشعرية يقفز إلى الذهن على الفور بيت قرأته ذات مرّة فى كتاب ” أزهار الريّاض فى أخبار القاضي عياض” للعالم الحافظ الجليل شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبو العباس المقرّي التلمساني فحفظته رأساً عن ظهر قلب ، يقول الشاعر فيه عند تحيته لمدينته سبتة السليبة: (ٌسلامٌ على سبتة المَغربِ / أخيّةَ مكّةَ ويثربِ).

 المدينتان المغربيتان المحتلتان سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية، وصخرة النكور، والجزيرتان الصغيرتان المحاذيتان لشاطئ “الصّفيحة” بأجدي(قرب مدينة الحسيمة)، وشبه جزيرة بادس، وجزيرة ليلى تورة كلها ما زالت تذكّرنا عند إنبلاج كل صباح بأنّه ما زالت هناك قضايا تاريخية جادّة عالقة وشائكة تمسّ السّيادة الوطنية فى الًّصّميم . كانت مداخل ومخارج المدينتين السّليبتين قبل انتشار وتفشي جائحة كورونا اللعين  تفصح عن الوجه الآخر المؤلم لهذا الموضوع، حيث كان المواطنون المغاربة يَعْبُرونُ هاذين المعبريْن الارضييْن ذهاباً أو إيّاباً على مضض لعناق بعضهم البعض، وإحياء صلة الرّحم فيما بينهم وراء الأسلاك الشائكة التي تفصل بينهما، فى زمنٍ تهاوت فيه كلّ الجُدران مهما كان علوّها وارتفاعها، وكانت جائحة كورونا ومتحوّراتها  آنذاك قد زادت  من معاناة هؤلاء المواطنين الذين كانوا يحصلون على قوت يومهم من  هاذيْن الثغريْن بعد أن تمّ إغلاقهما بصفة نهائية منذ بداية انتشار هذا الوباء المُفزع. وعلى الرّغم مما حدث فى المدة الاخيرة من احداث فى مشارف وداخل المدينتين السليبتين من اجتياحات جماهيرية واسعة  لم يكن للمغرب يد فيها إلا أنها تعبر بشكل او بآخر عن الارادة الشعبية المُصرة التي تحدو المغرب فى ايجاد حل نهائي لهذه الثغور التي امسى العالم اليوم ينظر اليها انها من مخلّفات المدّ الاستعماري البائد.

على الرّغم من الجهود المبذولة فى هذا المجال، لمحاربة أو جعل حدٍّ للهجرة السريّة واللاّشرعية التي تفاقمت بشكل مهول فى المدّة الاخيرة ممّا أصبح الأمر يدعو للقلق، ما فتئت التساؤلات تطرح عن الإجراءات، التي إتّخذها المغرب لإيجاد الحلول المناسبة العاجلة والناجعة لمواجهة هذه المعضلة الإنسانية وصدّ هذا الزّحف العرمرم نحو المغرب وإسبانيا، ولقد أضيفت إليه  سبتة وومليلية وجزر الخالدات الشئ الذي أصبح ينذر بعواقب قد لا تُحمد عقباها فى مختلف الواجهات الأمنية، والإرهابية، والإجتماعية، والإنسانية، والصحّية وسواها.

الأسلحة الكيمياوية والغازات السامّة فى الرّيف

لا ريب ان موقف إسبانيا من إستعمالها للغازات السامّة، والأسلحة الكيمياية المحظورة فى حرب الرّيف التحرربة الماجدة اصبح  يُثار بإلحاح فى المدّة الأخيرة داخل المغرب وخارجه، بل إنّه أمسى يُثار حتى داخل إسبانيا نفسِها، فهل فى مقدور الجارة الشمالية اليوم الإقدام على إتّخاذ خطوة تاريخية جريئة للمصالحة النهائيّة مع ماضيها المعتم  والغاشم فى  هذه المنطقة من المغرب بتقديمها إعتذارٍشجاع للشّعب المغربي، بشكلٍ عام، ولأهل الرّيف على وجه الخصوص، من السكّان الآمنين، وتعويضهم إنسانيًّا، وحضاريّاً – حسب ما تمليه القوانين اللدّولية فى هذه الجرائم النكراء – وقد أصبح هذا الموضوع الحيوي الهامّ يستأثر بحدّة بإهتمام الرّأي العام المغربي والإسباني على حدٍّ سواء، المتعلق بالتظّلم المُجحف، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالعديد من الأسر والعائلات التي ما زالت تُعاني فى مختلف مناطق الرّيف من الآثار الوخيمة لـ (أوبئة السرطان اللعين) الناجمة عن إستعمال هذه الأسلحة الكيمياوية الفتّاكة  المحظورة من طرف إسبانيا بعد الهزائم المُنكرة التي تكبّدتها فى حرب الرّيف؟ .

الجالية المغربية المقيمة فى إسبانيا

غيرُ خافٍ على أيّ متتبّع للشأن الاسباني – المغربي ما تعانيه الجالية المغربية المقيمة فى إسبانيا التي أصبحت تقارب المليون ونصف المليون نسمة من ضائقة خانقة فى خضمّ الأزمات العويصة التي تعيشها إسبانيا فى الوقت الراهن التي لم تخرج منها إلاّ بعد  انحسار الجائحة التي  كانت قد ضربت الاقتصاد الاسباني فى مقتل، وزادتها صعوبة الحرب الروسية الأوكرانية، وتنعكس هذه الأزمة سلباً  بشكل أو بآخر على هذه الجالية ذلك أنّ معظمَهم كانوا يشتغلون في قطاعيْ الفلاحة والبناء، وأصبحوا عرضة للتسريح المجحف، والإرتماء فى أحضان البطالة. وحسب الخبراء فإنّ الحلول لا تبدو فى الأفق القريب، نظراً لإنعدام تواصل جاليتنا مع النّخبة السياسية الإسبانيةوعدم توفّر وسائل الدفاع عنها وعن حقوقها مع  اطّراد صعود اليمين المتطرف (فوكس) واذبانه فى حلبة السياسة الاسبانية والتي تكنّ العداء وتضمر الكراهية ليس  لجاليتنا وحسب بل لجميع المهاجرين الاجانب الذين يوجدون فى اسبانيا فى الوقت الراهن ،وينبغي التذكير ان الحكومة الإسبانة السابقة كانت قد صادقت على قانون للهجرة غيرِ منصفٍ بالنسبة للمغاربة، مقابل السياسة التفضيلية والتمييزية التي يحظى بها مواطنو بلدان أمريكا اللاتينية. والحالة هذه ينبغي على بلادنا مضاعفة جهودها لتقديم مختلف وسائل الدّعم لهم فى هذه الظروف على مختلف الاصعدة والمستويات .

طرد وإبعاد المُوريسكييّن من ديارهم

ما فتئ الاسبان يتمنّعون ويتعنّتون حتى اليوم فى تقديم إعتذار علني عن إشكالية طردهم، وإبعادهم “للموريسكيّين” الأندلسيّين “المُهَجَّرين” قهراً، وقسراً، وعنوةً من ديارهم، والذين إستقرّ معظمُهم فى المغرب، وفى الجزائر وتونس، وفى بلدان مشرقية اخرى، ومن المعروف ان العاهل الإسباني السّابق خوان كارلوس الأوّل سبق له أن قدّم إعتذاراً لليهود (السيفارديم) الذين أُبْعِدُوا من إسبانيا هم الآخرون، ولم يقم هو ولا خلفُه الحالي ابنه الملك فليبّي السادس بنفس البادرة حتى الآن مع الموريسكيين المسلمين. وبهذه المناسبة نهنّئ  صفوة من المثقفين الإسبان المتسامحين  الذين تربطنا واياهم علاقات صداقة وأواصر مودّة منذ سنوات خلت الذين شاركوا فى  غير قليل من اللقاءات الدّولية  معنا نذكر منها على سبيل المثال (الملتقى العالمي حول عقب الموريسكيّين والسفارديم بين التشريع الإسباني والقانون الدّولي) الذي نظمته “مؤسّسة ذاكرة الأندلسييّن” بالرباط والذي شاركتُ في أشغاله، وتُعتبرهذه البادرة خطوة تاريخية لهؤلاء الموريسكيين الذين تعرّضوا للطرد الجماعي، والإقصاء القسري، من وطنهم وأراضيهم بعد أن عاش أجدادُهم فيها زهاء ثمانية قرون ونيّف، وما إنفكّ العديد من مثقفي العالم الحرّ بمن فيهم الاسبان أنفسهم وسواهم  يثيرون هذا الموضوع  بلا هوادة  بين الفينة والاخرى.

وعلى الرّغم ممّا قيل ويقال، وعلى الرغم من هذا وذاك، ومن العقبات التي تعترض العلاقات المغربية الاسبانية بين الفينة والأخرى، فإنّ عزيمة البلدين، وتأكيدهما الراسخ على زيادة تقوية وتوثيق وتمتين العلاقات بينهما أمر حتميّ لا مناص منه، فإسبانيا والمغرب كما أشيع ويشاع دائما، وكما كان يؤكّد الكاتب الاسباني الكبير الرّاحل – صديق المغرب – خوان غويتيسولو وسواه هما: “بلدان محكومٌ عليهما بالتفاهم”.

شارك هذا الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!