أحداث سبتة.. “في انتظار موجة عبور جديدة”!

أحداث سبتة.. “في انتظار موجة عبور جديدة”!

 حـسـن زهـيـر

        سوسيولوجياً، لا يمكن أن نطرح أسئلة من قبيل: من يقف وراء أحداث سبتة؟ من يُحرّكها؟ من المستفيد؟ من المتضرر؟ إلخ. بل إن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا وجدَ المحرّك أو المستفيد، مهما كان نوعه أو خلفياته، كل هذا الاستعداد وكل تلك القابلية عند “المهاجرين العابرين إلى سبتة”؟

      بمجرّد أن تختفي الصور ويذهب الإعلام إلى حال سبيله، سيبدأ الناس في التساؤل: لماذا عبَروا؟ وكيف عبَروا؟ وكيف عادوا؟ ولماذا عاد من عاد وبقي من بقي؟ وكيف غامروا؟ وماهي قصص مغامراتهم؟ وما إلى ذلك من الأسئلة التي أثارها الحدث وسيثيرها، بدون شك، في المستقبل، والتي ستظل متداولة في الفضاءات الرقمية، خاصة بين الشباب، بحثاً عن وصفة جديدة “في انتظار الموجة التالية!”، أي موجة عبور جديدة للمهاجرين.

 لنطرح السؤال، إذن، هل نحن بصدد استيعاب ما حدَث، فعلاً، بكل أبعاده السوسيولوجية وبشكل يجعلنا قادرين على توقّع ما سيحدث؟

      لحد الآن، لا يبدو الأمر كذلك، لأن السياسة، عندنا، لا زالت في حاجة إلى السوسيولوجيا، أي إلى ذلك المجتمع العلمي، المفترض أن تحتضنه الجامعات، والمؤهل لكي يشرح لنا، مُدعّماً بالأرقام، أسباب ما جرى، سابقاً، ويَتوقّع، مُدعّماً بالقوانين السوسيولوجية، ما سيجري، لاحقاً، من وقائع وأحداث ولو بشكل نسبي. وذلك لكي لا يُؤخَذ الجميع على حين غرّة كما وقع لنا في أحداث سبتة الأخيرة.

      لا نضيف جديداً إذا قلنا إنّ الفاعل السياسي عندما يكون واعياً بالحركية الاجتماعية التي تجري أمامه، يُصبح لنشاطه السياسي مردوديّة أكثر وفعّالية أكبر؛ وإذا عَزل فكره وممارساته عن واقعه السوسيولوجي وما يطرأ عليه من تطوّرات وميول واتجاهات، فإنه سيقع، دون شك، ضحية الانطباعية على مستوى تفكيره والعشوائية على صعيد ممارساته. وما يزيد من أهمية هذا الموضوع هو ما نلاحظه، عندنا، من تراجع حاد للحس السوسيولوجي، المفترض أن يرافق العمل السياسي، ويظهر ذلك، جليّاً، في المفاجئات السياسية الدورية، والناتجة عن غياب الإنصات الجيّد المؤدي إلى الفهم العميق للتعبيرات المجتمعية المختلفة. هذه الأخيرة، وخاصة الشبابية منها، تحتاج من كل الفاعلين السياسيين إلى مجهودات إضافية من أجل إيجاد صيغ وآليات تُمكّنهم من  الاستيعاب المتأني والقراءة الرصينة لما يمور داخل المجتمع من تحولات، وذلك بهدف إبداع أساليب وأشكال التحرّك السياسي المناسب للإيقاع السوسيولوجي.

     وعندما يغيب الوعي بأهمية هذه الجدليّة بين السياسة والسوسيولوجيا عند الفاعلين السياسيين، تُصبح الممارسة السياسية فاقدة للرؤية الناجعة وللرأي السديد، وضحية سهلة للمزايدات الشعبوية الفجّة، وقائمة على رمال متحركة تتّجه حسب الرياح الجيوسياسية للدول الإقليمية والكبرى. هذه الأخيرة يعلَم الجميع، جيداً، كيف تَبني كل استراتيجياتها الدولتية على ضوء الارتباط الوثيق بين توجهاتها السياسية الكبرى والمعرفة العلمية الدقيقة بسوسيولوجيتها وسيكولوجية مجتمعاتها وتحولات تاريخها، بالإضافة إلى الحرص على امتلاك نفس المعرفة العلمية بخصوص الخصوم الإقليميين أو الجيوسياسيين.

     أحداث سبتة، إذن، وتداعياتها المختلفة على جميع الأصعدة، في حاجة إلى السوسيولوجيا كمعرفة علمية دقيقة، حتى لا نجد أنفسنا في انتظار “موجة عبور جديدة” ومفاجئة، ونظل، بالتالي، نكرّر الانطباعات ذاتها.

شارك هذا الموضوع

حسن زهير

باحث وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!