في الاختلاف الذي لا يلغي الحقيقة

في الاختلاف الذي لا يلغي الحقيقة

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

           يقول الاحتفالي: “ليس سهلاً أبداً أن تكون مختلفاً ومخالفاً في الأزمان وفي الأمكنة المتخلفة، وأن ترى وحدك، وأن تعرف وحدك، وأن تكون مبصراً في مدن العميان وحدك، وأن تكون هو (زرقاء اليمامة)، وأن تحدث الناس بأن الأشجار تتحرك ولن يصدقك أي أحد. وليس سهلاً أبداً أن تسبق الزمان، وأن تحدث كل الناس بالذي سوف يأتي”.

عندما قال (غاليليو غاليلي) في القرن السابع عشر بمركزية الشمس، وبأن كوكب الأرض يدور حول الشمس، وبأن هذه الأرض ليست هي مركز الكون، فقد كان مجرد عالم سلطته المعرفة وحدها، وكان هدفه هو الحقيقة وحدها؛ وذلك في مواجهة الظلام والظلامية، وفي مواجهة سلطة الكنيسة الكاثوليكية التي ادعت بأنها تمثل السماء في الأرض، وأن من حقها احتكار المعرفة. ولقد أُدخل هذا العالم السجن، وأُرغم من طرف الكنيسة من أجل أن يخالف العلم، وأن يقول بأن الأرض لا تدور، ولقد قالها وهو مؤمن بأن الأرض فعلاً تدور حول الشمس. وقد يظهر بأن غاليليو العالم قد انهزم، ولكن العلم لم ينهزم، والحقيقة لم تنهزم، تماماً كما أن الفكر الحر لا يمكن أن ينهزم؛ وبعد قرون اضطرت الكنيسة لأن تعتذر له رسمياً، وأن ترد له اعتباره.

ولقد أثبت التاريخ ما أثبته غاليليو، وظلت هذه الأرض تدور وتدور، وسوف تظل تدور إلى ما لا نهاية.

ولعل هذا هو ما يعكسه د. عبد الفتاح أبطاني، والذي علق على اعتراض حركية الأيام، وعلى حركية التاريخ، وعلى حيوية الحياة، وعلى عيدية الوجود، وعلى احتفالية الكائنات الإنسانية الحية في التاريخ الحي؛ لقد قال:

“نحن سائرون وإن تعددت السدود والحدود، وهل وضعت السدود والحدود في وجه السائرين إلا من أجل القفز عليها؟”

ويضيف:

“فاحتفالنا دائم، هو أفراح وأتراح.. تحياتي لمن غيبوا، وشكراً لمن عمل على تغييبهم..”

من أحرق الكتب قديماً لم يحرق العلم، ولم يحرق الفكر، ولم يحرق الفن، ولكنه أحرق الأوراق وحدها؛ قد احترقت لأنها تقبل الاحتراق، وبقي العلم في الصدور وليس في السطور، وبقي الفكر في العقول، وبقي الفن في الأرواح.

أما د. محمد أبو العلا فقد أكد في كلمته على أن الاحتفالية هي إيمان مؤمنين، وهي عشق عاشقين، وهي طريق سائرين، وهي عيد محتفلين، وهي فعل فاعلين في التاريخ:

“أقدر فيكم سي عبد الكريم احتفاليتكم حتى النخاع؛ احتفالية لم تكن لتترسخ لولا الإيمان بجدواها وبما حققته من انتظارات مغرباً ومشرقاً، بغض النظر عمن ركب مركبك العتيد، أو من نزل، أو من نزل ثم ركب. وتحية للأمهات الاحتفاليات بمراكش على هذا الحفل العفوي.”

نعم، نحن سائرون، ولكن ما نفكر فيه وما نكتبه وما نبدعه سوف يبقى بعدنا، وهذا هو الأهم. نحن قلنا (كلمتنا) وأكدنا على أن هذه الكلمة ليست كلمتنا، ولكنها كلمة الوجود، وكلمة الحياة، وكلمة الواقع، وكلمة التاريخ، وكلمة الحفل والاحتفال، وكلمة العيد والتعييد.

أما د. نور الدين الخديري، فقد أكد على الحضور الاحتفالي في مجتمع كل ما فيه ومن فيه غائب أو مغيب:

“وهو حضور وازن أستاذي وأخي العزيز الدكتور عبد الكريم؛ طقوس الاحتفالية في كل الأفضية والأمكنة التي تنبض بالمعرفة، والجمال، والحياة المتجددة.”

نعم، هذا هو ما تنشده الاحتفالية، والذي هو المعرفة والجمال والحياة المتجددة. أما الأستاذ رحاوي من مدينة بني ملال فقد قال:

“ومن بهاء هذه اللحظة المعرفية أن توشحت القراءات بفيض غامر ومبارك من قمة نتطلع إليها بإكبار، دكتورنا الأعز عبد الكريم برشيد.. لا زالت بني ملال تتطلع لدفئك الخاص، إن شاء الله لقاءات تؤثر كما أثرت لقاءات سابقة في حلولك الشاهق معنا وبيننا، دائماً بالطبع.”

وفي (مهرجان ركح الوطني للمسرح الاحترافي) والذي انعقد في مدينة مراكش تحت شعار “من الركح تبدأ الحكاية”، كان “الاحتفالي” و”الاحتفالية” حاضرين. ولقد اختار هذا المهرجان أن تكون مسرحية الافتتاح لدورته الجديدة يوم 22 أبريل بالمسرحية الاحتفالية (المتمردة)، عن مسرحية (عيشة قنديشة أو الجنية التي أرادت أن تصبح إنسية)، والتي كانت بإخراج المخرج المسرحي رضوان الإبراهيمي. ولقد قدم العرض مساء يوم الأربعاء بالمركب الثقافي الداوديات بمراكش، ومرة أخرى تتألق الممثلة نجوى أحمد الفايد، والتي أطلقتُ عليها اسم “الممثلة الجنية”.

الفن يخالف الواقع ولا يخالف الحقيقة

وفي مجتمع المبدعين المخالفين والمختلفين، هناك من اتُهم بأجمل تهمة، والتي هي تهمة الجنون؛ ولقد قيل عن كل فنان غريب ومدهش ومستفز، بأنه فنان مريض بالعظمة. وهل العظمة مرض؟ أم إنها درجة عليا في الرفعة وفي السمو وفي العطاء وفي الإبداع المقنع والممتع؟

وهناك من قال بأن هذا المختلف والمخالف لا يختلف إلا من أجل أن يعرفه الناس، وبأن (أفكاره) هي مجرد خيالات وأوهام، وأن كل حياته هي مجرد تمثيل في تمثيل، وأن كل شطحاته الفكرية والجمالية ما هي إلا “سينما”.

ونعرف أن خطورة توقيت ظهور كثير من الأفكار لا تقل خطورة عن معنى هذه الأفكار، والتي قد تأتي في غير مكانها وفي غير زمانها ولدى غير أهلها؛ وبذلك تكون أفكاراً غريبة، ويكون من أتى بها وفكر فيها غريباً هو أيضاً.

وميكيافيلي تعرفونه بلا شك؟ إنه ذلك الذي كتب كتاب (الأمير) والذي ركز فيه على الواقعية السياسية، والتي فصل فيها بين السياسة والأخلاق. وحول هذا الكتاب طُرح السؤال التالي: هل فُهم كما كان ينبغي أن يُفهم؟ وهل فُهمت أفكاره الواقعية في ذلك السياق التاريخي والثقافي الذي كتبت فيه؟ إن فعل الفهم الحقيقي، أو لما قد يقترب من الفهم الحقيقي، لم يتم إلا في القرن العشرين، مما يدل على أن السير العقلي لا يتم في المجتمعات دائماً بنفس السرعة.

وعندما تكون مجنوناً، وتكون مختلفاً في جنونك، ويكون لهذا الجنون اسم آخر يقفز عليه كل الناس وهو (العبقرية)، فأنت لا يمكن أن يكون اسمك الحقيقي إلا “نبيل لحلو”؛ الكاتب والمترجم والممثل والمخرج المسرحي والمخرج السينمائي، والذي فاجأنا برحيله يوم الخميس الماضي.

وأول مقالة كتبتها عن نبيل لحلو كانت سنة 1973، وكانت عن مسرحيته (مذكرات أحمق) لغوغول، والتي كان فيها الممثل، وكان فيها المقتبس الذي أعاد كتابة هذا النص كتابة أخرى، وكان المخرج الذي أبدع وأمتع لحد الإدهاش. هذا الفنان عالمه المسرح، وهو يحيا المسرح؛ داخل المسرح وخارج المسرح، وليس في حياته إلا المسرح. ورغم تجربته التجريبية في السينما، فإن عالمه الحقيقي يبقى هو عالم المسرح. ولقد علمنا هذا المسرح أن الممثل يمكن أن يختفي في الكواليس من أجل أن يعود في دور جديد، وفي زي جديد، وفي عمر جديد؛ مما يعني أن الممثل “العنقاوي” ـ نسبة إلى العنقاء ـ لا يمكن أن يموت. وكما كتبت مسرحية عن سقراط وسميتها (سقراط.. قالوا مات)، فإنني أكتب اليوم عن نبيل الحكيم وأقول: (نبيل لحلو.. قالوا مات).

نعم، وليس كل ما نقوله ونكتبه من كلام هو قول صادق وحقيقي بالضرورة، ومن كان في حياته فكراً وفناً وإبداعاً فإنه لا يمكن أن يموت أبداً. ويبقى أن نتساءل: من يكون هذا الذي له في عمره اسم واحد، وله في عالمه المسرحي والسينمائي مجموعة أسماء؟ وفي الجواب نقول: هو رجل أنطقه الصدق فقال كلاماً صادقاً، وكتب كتابة صادقة، وقدم مسرحاً صادقاً، وعاش عيشاً صادقاً، وكانت كل مواقفه مواقف صادقة، وكانت كل حالاته حالات صادقة.

ونبيل لحلو، في حياته وفي حياة فنه، فإنه لا يشبه إلا نبيل لحلو. وكل الناس يعرفون أن “أوفيليا” شكسبير قد ماتت، ولكن هذه الـ (أوفيليا) عند نبيل لحلو لم تمت، لأنها فقط جسد رمزي، ولأنها فكرة حية في عالم الأفكار؛ وهل يمكن للأفكار الرمزية أن تموت كما تموت الأجساد المادية؟ هو فنان مختلف في كل شيء، حتى في الأسماء والأدوار التي أعطاها لنفسه في إبداعاته الفنية، وذلك من مثل “القنفودي” و”الحاكم العام لجريدة الشكربكربن”..

ويقول الاحتفالي بخصوص وجود الفنان الخلاق في الأزمان الرصاصية والرمادية ما يلي: إن تكون إنساناً عادياً، وأن تعيش حياة عادية، وأن تكون لك أفكار عادية، وأن تكتب كتابات عادية، فإنه لا بد أن تكون مباركاً في الزمن العادي، وأن يرضى عنك الرأي العام العادي. وهل كان نبيل لحلو فناناً عادياً، حتى يمكن أن يرضى عنه الواقع العادي، وحتى تبارك فتوحاته السياقات الفكرية والجمالية العادية؟

وعندما قال د. مصطفى رمضاني بأن حياة الاحتفالي الإبداعية هي أكبر وأخطر من حياته البيولوجية، لم يستسغ البعض هذا (الحكم)، ولم يميزوا بين من يعرف كيف يدبر زمنه بـ (عقلانية) ومن يبذر زمنه بحمق وجاهلية؛ وقد دبر نبيل لحلو وقته وحياته من أجل القيم الإنسانية الجميلة والنبيلة، وكانت حياته مسرحية سوريالية تنبض بالغريب وبالعجيب وبالجمال المدهش.

الأحلام الكبيرة تولد في النفوس الكبيرة

ونبقى في إطار الاختلاف، وفي إطار ما يفعله المختلفون والمخالفون في العلوم وفي الفكر وفي الفنون وفي الصناعات، ونقف وقفة قصيرة عند حوار أجراه معي الكاتب والفنان السعودي عباس الحايك، وفي هذا الحوار يتم التركيز على معنى الاختلاف في التيار الاحتفالي، ولقد كان هذا الحوار تحت عنوان: (عبد الكريم برشيد على فنجان قهوة المولى عبد الكريم برشيد في حضرة سماورد.. رائد الاحتفالية في المسرح العربي).

وفي أحد الأسئلة يقول الأستاذ عباس الحايك ما يلي:

“أردت أن تخلق نمطاً مسرحياً مختلفاً ذا صبغة عربية، وأعني المسرح الاحتفالي. هل تحقق حلمك في خلق مسرح عربي أصيل خلال ثلاثة عقود من بيانك الأول؟”

وفي الجواب يقول الاحتفالي ما يلي:

“الأحلام الكبيرة لا تتحقق بين عشية وضحاها، خاصة إذا كان حلم أمة وليس حلم فرد. أمتنا العربية والإسلامية تبحث أن يكون لها هويتها، ويكون لها دور في الحركة الثقافية العالمية والمشهد المسرحي على الخصوص؛ وأقول أني خطوت الخطوة الأولى في سبيل المسرح الاحتفالي، وجاء آخرون وخطوا الخطوات الثانية والثالثة. ولا زالت التجربة بمرور (ثلث قرن) تحاول أن تثير أكبر عدد من الأسئلة. تحاول الاحتفالية أن تمسرح قضايانا، وأن تحفر في تراثنا ومورثاتنا الإبداعية. ما بناه اليونان في 2500 سنة لا يمكن أن يبنيه شخص في ثلاثين سنة. هذا المسرح له الآن تمثلات وتصورات في كثير من الدول العربية، فهو موجود بالسودان مع علي مهدي، وفي الأردن مع غنام غنام، وكان موجوداً بالعراق مع حميد صابر، وفي تونس مع عبد الغني بن طارة، وفي المغرب مع الطيب الصديقي. ولنا أن نعرف أن المسرح الاحتفالي يُدرس في المغرب في الجامعة والثانوية كنظرية ونصوص، كما قدمت له العديد من البحوث والدراسات. أنا مطمئن على مستقبل هذا المسرح لأن مستقبله مرهون بمستقبل الأمة العربية، فنحن نسعى أن تكون لنا بصمتنا الخاصة وهويتنا الإبداعية، ونضيف لما كتبه كتاب المسرح العالميون، ولا بد أن يكون مسرحنا يشبهنا، ولا نكون مجرد تابعين ومقلدين.”

وفي سؤال آخر يقول عباس الحايك:

“الاحتفالية كان لها تأثير كبير على المسرح العربي، لكن يرى البعض أنها لم تنشأ من المسرح نفسه بل من الظرف السياسي، خاصة بعد النكسة، إذ يبدو أن المثقف العربي هرب إلى الاحتفالية بالتمسك بتراثه هرباً من الواقع. ألا يشكك هذا من جدوى الاحتفالية وطول أمدها؟”

وفي الجواب يقول الاحتفالي ما يلي:

“ينبغي الفصل بين تيارين يتشابهان لكن لا يمكن أن يكونا تياراً واحداً؛ أولهما التيار التأصيلي الذي جاء به يوسف إدريس وجيل الستينات: سعد الله ونوس، سعد الدين وهبة، وألفريد فرج. هؤلاء مسرحهم جاء استجابة فورية للنكسة، بينما المسرح الاحتفالي خرج استجابة للثورات العالمية التي في أواسط الستينات، مثل ثورة الطلاب في فرنسا حينما استولى الطلاب على المسرح وأرادوا تأسيس مسرح جديد، والثورة الصينية الثقافية، وقضية فيتنام، وقضايا التحرر في العالم. وبالتالي الاحتفالية أوسع أفقاً وأكثر مراهنة على ما هو عام وعلى ما هو مشترك، لذلك لا تجد في المسرح الاحتفالي مسرحيات تأخذ فقط من التراث العربي، فخذ مثلاً (امرؤ القيس في باريس) ومسرحية (فاوست والأميرة الصلعاء). المسرح التأصيلي أكثر تعلقاً بالذات وبانغلاقها، بينما الاحتفالي أكثر تعلقاً بالذات الإنسانية وشموليتها الكونية. والاحتفالية لا تقول بالتأصيل لأنه رجوع إلى الخلف وبحث عن الأصل؛ نحن نبحث عن تأسيس مسرح جديد انطلاقاً من أساس يحفر في الأرض ليصعد إلى الأعلى ويمتد أفقياً إلى الأمام.”

وفعل التأصيل في المسرح العربي انتهى وفشل بينما الاحتفالية لم تنتهِ، لأنها عبرت عن كل مرحلة، كونها ظلت تنادي بالأقانيم الثلاثة: إنسانية الإنسان، وحيوية الحياة، ومدنية المدينة. ولن تجد أحداً في المستقبل يعارض هذه الأقانيم. الاحتفالية اهتمت بالعام وتنازلت عن الخاص، وإن كانت تحاول تعميم الخاص. وتجد الاحتفالية أن أكثر ما أخر القضية الفلسطينية اعتبارها قضية عربية وليست قضية إنسانية عامة. الاحتفالية استطاعت أن تثير الجدل حتى هذا الوقت، وهو دليل على أنها تتكلم لغة كل زمن.

رحم الله المختلف الكبير، والصادق الأمين، الفنان الأصيل والإنسان الجميل والنبيل، نبيل لحلو. في مقابل هذا الاختلاف الذي لا يلغي الحقيقة، هناك اختلاف آخر يمكن أن يلغي الواقع والحقيقة، ويلغي التاريخ، ويلغي كل الفاعلين الكبار في التاريخ. 

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!