زهرة القصيدة
احساين بنزبير
في الظاهر، إذا استسلم الشاعر لشغف الكتابة، يبدأ كأنه قد أهدى نفسه زهرة. وقد دُفِنَ في احتفال مهيب للغاية، ولكنْ أيضا كما تُدْفَنُ زهرةٌ، وهو يقرع ناقوس الموت، يقرع اسمه العَلَمَ، وأسماءَ الحق اللغوي العام، الحقيقةَ، المعنى، الأدبَ، البلاغة، وإنْ أمكن، ما فَضُلَ (الباقي أعني). هل تكون القصيدة زهرةً للبلاغة أو زهرة بلاغية. أو إنها زهرةٌ وَعْدٌ بمساءٍ يتعمد بماء الشعر الذي لا ينام. تربة الشاعر ضاربة في غرابة مقلقة لأنها كذلك. والشاعر يكتب موته بالوعي أو بدونه: وحدها زهرة البلاغة شاهدة على ذلك!
يقال إن الشعر ذاكرة اللغة. صراحة، الأمر غامض. كيف للشعر في مساء الكتابة أنْ يتحمل عبء الذاكرة اللغوية ووزنها اللامحدود؟ خصوصا وأنه يكتب موتا قادما من تخوم أطلال جاهلية أو من عتمة ضريح. وضعية الشاعر ليست مريحة في عالم غير مريح. تحت غيمة غريبة في ذاكرة غريبة ومتعددة. يكتب ويقف وجها لوجه أمام وجه الوجوه: زهرة البلاغة في حديقة لا اسم لها، ويوقِّع نصوصه الغريبة باسمه الشخصي والعائلي. ثم، فجأة، الشعر الذي صار زهرة في مساء القصيدة، بعيدا عن الحفاظ على فرادة الاسم الخاص (الذي يُوَقِّعُ)، إنما يمارس فيها تشتته أو تبعثره (بذار اللغة). الأمر ليس بسيطا. طيب. ولا تتحقق النجاة البلاغية إلا بشرط تضحية الشاعر بكلامه في القصيدة. الوعد أو المَجْد الشعري؟ مجرد خدعة، ليس إلا. زهرة الشعر حياته التي تدوم وتقيم في لا مكان: في طيات شيء لا اسم له! ثم، هل تكون هذه الزهرة البلاغية بئرا لسانيا للشعر؟
وفجأة، يطل علينا نص فِكِّيرٌ في ماهية الشعر: Che co’sè la poesia ?. إنه نص لجاك دريدا. وفيه يكون الشعر قنفذا. نعم، القصيدة تتكوَّر في الشعر ككرة. ثم الشعر هنا حيوان يفكر وكأنه قنفذ يتكور في حيز القصيدة. رعشة الفكر بامتياز. في هذا النص الصعب، دريدا يرسم صورة القصيدة وكارثتها حيث هي: ” كائن متحرر من الخارج والداخل … حيوان ملقى على الطريق، مطلق، منعزل، ملتف في كرة بجوار نفسه “. إن الشكل الغريب للقنفذ يتميز بالقدرة على الانسحاب والإغلاق وذلك يتناسب مع الخطر الذي يشكّله القنفذ بحماية نفسه منه. إنها فكرة الشعر مع دريدا (وفيها ذلك النثر الناشئ الذي يخرج من حضنها. الأمر ليس سهلا). ولن نطيل كثيرا في هذا الموضوع الشائك فكريا. ثم دريدا يحدد: ” سوف نسمي القصيدة من الآن فصاعدا … حيوانا متحولا، متدحرجا على شكل كرة، متوجها نحو الآخر ونحو الذات … “. ثم الشاعر، في كل هذا، يُشَعْرِنُ لسانَ ما يكتب ويتقدم متكورا ومتواضعا ومتحفظا أيضا. القنفذ هو الآخر يحضن زهرة البلاغة ويحمي نفسه من عالم فقد بوصلته. والشاعر يحاول فقط، وفقط لا غير …
علينا أن نكون مجانين لنكتب الشعر اليوم والآن. لكنه جنون فيه رغبة نادرة للدخول في غرابة اللسان حيث الكلمات تصير مغارات بجُلودٍ حيوانية كغطاء خارجِيٍّ. ثم بين الزهرة والقنفذ، القصيدة تصير هندسةَ فضاءٍ مبهمٍ. القصيدة، ربما تدعونا إلى ارتداء العالم، إلى إعادة التفكير في الفكر نفسه للعالم. والكل عبْر الشعر في القصيدة، في حقلها اللغوي حيث هناك زهرةٌ وقنفذ، جنبا إلى جنب.
للقصيدة حياة. حياة فيها الكثير من الأشياء وأشياء أخرى أيضا. الشعر حياة القصيدة. أرأيتم، نكتب ونتلعثم ونُتَأْتِئُ لأن الشعر صعب والكلام فيه وعليه أصعب. ورغم ذلك، الشعر يتنفّس. يتحرك. ويتغذى من ليل العالم ومساء الكتابة ليمتلك وجوده الخاص والخصوصي. إنه كائن صغير متوحش. ينمو رغم أزماته العنيفة ثم ناتقي به. ويُسْمَحُ لنا بقراءته. نقرأ الشعر لنزور ورشته الاستثنائية. وللدخول علينا أن نتعمّد بشجاعة القراء والتأويل والفحص والتأمل. القصيدة زهرة أو قنفذ فيها الكلماتُ تنساب، الأبيات، المقاطع في جدلٍ بين الخفي والمستمِرِّ، وتخيط إيقاعا في صدى مفتوح. قد نغامر ونقول إن النثر يحتاج إلى بركان حِمَمِه كي يتقدم، أمّا القصيدة فهي رنين أجراس. إنها حياة القصيدة المعقدة في عالم غامض وحقبة تاريخية عنيفة كثيرا.
لو كانت بلاغة القصيدة زهرةً، فهي عندنا زهرة لا تثبت على شكل واحد، تتفتح باستمرار، لكن لا يمكن الإمساك بجوهرها النهائي. وهي أيضا ما يجعا المعنى ممكنا أصلا. آه، المعنى الذي يتدحرج هو الآخر كما لو قنفذ. نعم، زهرة البلاغة كما لو السطح الجميل للنص الشعري هنا، وفي الحقيقة إنه يخفي شبكة من الاختلافات التي لا تنتهي. بمعنى، الزهرة ليست قشرة خارجية، إنها بنية القصيدة نفسها ومع نفسها. ويا لها من زهرة صعبة المنال تنتشر مثل حبوب اللقاح في حقل الكلام الشعري. وماذا لو فكرنا قليلا في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة للجرجاني. أجل، هذا الأخير يرى أن زهرته البلاغية ليست مجرد زخرفة. ومعناها لا يوجد في الكلمات منفردة، بل في علاقاتها داخل القصيدة حيث زهرة عند الجرجاني هي لحظة انسجام التداخلات داخل الجملة الشعرية، حيث يفتح المعنى من النص نفسه. أرأيتم ما الذي تفعله زهرة القصيدة بنا؟ تجعلنا نتيه في جينيالوجيا القصيدة. تيهٌ ضروري في جغرافية القصيدة المائية، أحيانا. إنه سفر في مغارة الشعر وأخاديده.
نكتب هذا النص ونحن مأخوذون ببِدْعة القصيدة وزهرتها. مأخوذون في شيء لا “لوغوس” له لأنه يحمل لوغوسه الخاص.ثم نستحضر الشاعر فيليبْ بيك الذي يخبرنا (وبشكل غريب) بأنّ الشعر مسألة مضخة، ومسبك، وآلة بخار، ومنشِّف غسّالةٍ وأدوات أخرى. إننا هنا أمام غرابة القصيدة المقلقة. كلمات بيكْ حمل سخرية عارفة وعالمة بالشعر وتاريخه. الزهرة تتفتح في وجه القارئ اليقظ ليفكر بشكل ذكي. الشعر ذكاء، ربما؟ والقصيدة رجفة ورعشة ترسم خطوط الطول والعرض في شيء ما نسميه الشعر، نسميه القصيدة أيضا. وحتى نتكور كالقنفذ لنتفتّح كزهرة، نستحضر الشاعر ماندلشتام من أجل توسيع كلامنا وجُملِنا في الزهرة الشعرية: ” القصيدة نسيجُ سجادة متعددة الخيوط، لا تتميز خيوطها بعضها عن بعض إلا بدرجتها اللونية، وتتبدل بِنْيتها باستمرار كما لو كانت انتقالا بين مقاماتٍ مختلفة في التدوين الموسيقي الآليِّ “. إننا نسقط في البُعد البصري الجمالي التشكيلي للقصيدة: حرارة الجملة أو البيت الشعري في آلة الكلام الشعري. الموسيقى في القصيدة كما لو هندسة الزربية مثلا. ثم الزهرة تأخذ هيئة تدوين موسيقيٍّ آليٍّ.
يا له من سفر في طيات وجه القصيدة الغامض!
ثم مساء القصيدة هنا. مساء القصيدة وقتُ كشفٍ. مساء القصيدة وقت حِدَادٍ. مساء القصيدة وقت كآبةٍ. مساء القصيدة وقت انفصال. مساء القصيدة وقتُ تحوُّلٍ. القصيدة هي كلُّ هذا: كشفٌ وحِدادٌ وكآبةٌ وانفصالٌ وتحولٌ.
ننهي هذه المداخلة، بقصيدة لها شكل زهرة في مسار شعريٍّ مقذوف:
” كنتُ أمشي بلا قصدٍ،
وأحْمِلُ في جيبي
حصاةً وجملة ناقصةً،
ثم أفكر:
هل يكفي أن يحدث الشيء مرة واحدة
لكي يبقى؟
كان الطريق يمد يده لي،
وكل خطوة
كانت تكتب ظلالها على الهواء،
كأنّ العالَم يريد أن يذكرني
بأنّ ما نراه ليس هو ما نلمسه،
وبأنَّ القلب
هو العضو الوحيد
الذي لا يتعلم شيئا
إلا بعد أن ينكسر.”
عفوا، نسينا أن نخبركم بأنّ زهرة القصيدة موجة لا شاطئ لها، دائما على حركة …
