شعلة أمبادوقليس
سعيد بوخليط
يؤ كّد باشلار بعد كلّ شيء تمسّكه بوظيفته كباحث في الصّور، أساسا تلك الصّور المُمَيَّزة التي تبعث تأمّلات شاردة مثلما يحدث حين الجلوس أمام شمعة وماتبعثه من تأمّلات تعود بصاحبها إلى ذكريات سحيقة. قد لانحتاج صحبة معينة أو رفقة خاصة، عندما نحلم أمام لهيب شمعة أو قنديل: هي تحترق وحيدة، وهو يحلم وحيدا.
تختلف تماما هذه النّار الضّئيلة /الهائلة، عن نار موقد تؤدّي قبل كلّ شيء دور التّسلية والتّرفيه بالنّسبة للشّخص الجالس أمامها وهو بصدد تحريك الجمر والتحكّم في كيمياء التهاب الحطب، بينما تحترق الشّمعة وتلتهب وحدها دونما حاجة إلى خادم:” إذن يلزمنا عبر ذكرى شمعة جيّدة العثور ثانية على رؤانا الحالمة خلال فترات العزلة. الشّعلة وحيدة، طبعا وحيدة، غير راغبة سوى في البقاء وحيدة ”(1).
وحدة الشّعلة، تعكس عبر إحدى ترميزاتها إن لم يكن أهمّها، انشغال كائن بصيرورته، وتتماهى بشكل لامتناه أبعاد جدليات حدّي الكائن/الصّيرورة ثم الصّيرورة/الكائن.هكذا، تتشكّل في صيغة حوار صامت لبنات علاقة غرامية بين كائنين منعزلين منقطعين عن العالم، اختزل مختلف حيثياتها مقطع للشّاعر الفرنسي تريستان تزارا : شعلة وحيدة، أنا وحيد:”تضطلع الشّمعة بحياة مشتركة، حياة مستلهمَة وملهِمة مع الشّاعر الملهَم. يكشف الشّاعر للشّمعة ولهيبها الملهِم من خلال مقاطعه الِشّعرية عن حياته الخاصة والمتحمِّسة. تغدو لكلّ أشياء طاولة جلوسه بريق هالتها ”.(2) تشدّ أثناءها جلّ معاني العالم، الرّحيل صوب لحظة عالم صغير عنوانه طاولة مضاءة في خضمِّ عزلة مثابر.
تشعرك هذه الشّمعة وهي تضيء عزلتك، المنسابة خلف تأمّلاتها الشّاردة، بآلام العالم والإنسانية، إنّها تئنّ وتكابد وتصرخ خلال احتراقها، شظايا وميض الأذن التي منحت نفسها كليّا إلى وعي الاصغاء: ”نصغي فعلا: الشّعلة تومض. ينبغي على الكلمات الأوّلية محاكاة مانسمعه قبل ترجمة مانراه. تتصادم المقاطع الصّوتية الثّلاث للهيب الشّمعة الذي يومض، كما تتصادم الواحدة مع الأخرى. يرفض كلّ مقطع (cli,gno,ter) الانصهار في الثّاني. يندرج انزعاج الشّعلة ضمن عداوة ثلاث مقاطع صوتية. لا يتوقّف حالم الكلمات عن إبداء تعاطفه نحو هذه المأساة الصّوتية. تعتبر كلمة وميض (clignoter) إحدى الكلمات الأكثر ارتجافا في اللّغة الفرنسية”(3).
أذنٌ صاغية مرهفة تلتقط مختلف أصداء الانفعالات الحميمة، تجعل حالم الشُّعلة مفكِّرا يتوخّى فهم السّبب الذي جعل فجأة كائن الشّعلة الصّامت يئنّ. كما ينطوي لهيب شمعة على الإيحاء ببشائر.
أورد باشلار أمثلة بخصوص ماسمّاه ب ”التوتّر البديع للضّوء النّاعم”:
أنين ونحيب مصباح أوغست ستريندبرغ الكاتب والرّوائي السويدي، عندما فكّر الأخير في المبادرة إلى فتح نافذة غرفته خلال سمر ليلي:
“سأفتح النّافذة. يهدِّد تيّار هوائي إطفاء المصباح.
يشرع المصباح في الشّدو، الأنين، والنّحيب”.
أيضا حينما تندفع ذبابة قصدا نحو لهيب شمعة أو قنديل، تكون التّضحية هنا عظيمة ومفارقة للغاية، ترتعش النّار في خضمّ طقطقة الأجنحة.
أمّا احتراق حشرة العثة، فقد بدا أكثر نعومة وأقلّ ضوضاء، لأنّها تحلّق دون ضجيج وتلتهب بمجرد لمسها النّار: ”هكذا كتب كارل غوستاف يونغ مبحثا كاملا كي يتطرّق إلى هذه المأساة تحت عنوان: ”غناء العثة”.استشهد بقصيدة لشاعرة اسمها ”ميس فرانك ميلر”، مصابة بانفصام الشَّخصية، دراسة شكّلت نقطة بداية الطّبعة الأولى من عمله: تحوّلات النّفس ورموزها”(4). يقف يونغ كي يقارب تطلّع الكائن الصّغير صوب الشّمس، شعلة الشّعل. إنّها ترمز لكائن حالم توخّى الموت بين أحضان الشّمس، وقد أحال بهذا الصّدد على فاوست بطل غوته الذي حلم بالتّواري بين طيّات نور الشّمس.
تناول غوته في مجموعته الشعرية ”الديوان”(ترجمة أندري ليشتنبيرجر)، تضحية الفراشة واحتراقها في الشّعلة، كموضوعة حنين طوباويّ، من خلال دلالات مقولة كبرى عنوانها ”الموت والصّيرورة”:
بما أنّكَ لم تستوعب هذا: الموت والصّيرورة!
فلا زلتَ مجرّد زائر ملتبس
فوق أرض مظلمة.
انكبّ غوته على قراءة نصوص أفلاطون وأفلوطين:” فأدرك بوضوح القرابة التي تصل بين الرّمزية الإغريقية والشّرقية. هكذا اكتشف هويّة موضوع صوفية الفراشة التي ترتمي في لهيب شعلة ثم الأسطورة الإغريقية عن فراشة شكّلت رمزا للنّفس، وقدّمت لنا النّفسية في شكل فتاة شابّة أو فراشة، أمسك بها إيروس واعتقلها، ثم احترقت بنار شعلة”(5).
هل يوجد شيء يفوق رمزية كائن أقدم على حرق جناحيه، مثلما تأتّى للفراشة القيام به؟
يعتبر باشلار نفسه حالما منعزلا بصدد تأمّل موضوع كبير تمثّله عزلة الموت، ويستعيد سؤال” كيف يسير أمر عزلتك؟”، الذي تخيّله دائما جان كاسو حين سعيه إلى تناول الشّاعر الكبير أوسكار فلاديسلاس ميلوز. سؤال يحتمل ألف جواب حسب تغيّر حيثيات الأشياء وينبغي على كل انطباع في خضمّ ذلك بلورة صورته المناسبة. يتصوّر كل واحد منّا عزلته ولايمكن لأيّ رجل منعزل في غمرة مجد عزلته سوى أن يعرض أمامنا صفحات معيّنة عن ألبوم صور المضيء-المعتّم المرتبط بالعزلة ثم يخلص باشلار بناء على ماسبق إلى الاعتراف التّالي:” فيما يخصّني، نتيجة علاقتي بالصّور التي بلورها الشّعراء وكذا تناول عزلة الآخرين، أجدني وحيدا ضمن سياق عزلة الآخرين. وحيدا، بعمق وحيدا حيال عزلة شخص آخر”(6). لاتمتلك العزلة تاريخا.
هوامش :
(1) Gaston Bachelard ;La flamme D’une chandelle(1961).p : 54
(2)p :61
(3)p :64
(4)p :70
(5)p :74
(6)p :79
