“انتظرينا يا أمي لَلَّا”.. مُرافعة الحب أمَام صمْتِ الجدَّة
فاطنة البويه
“انتظريني جدتي”…
تتوسل إليكِ لينة، انتظريني حتى أسمع زغرودتك التي تخترق مسامعي، لتركن في سويداء القلب موسيقى تنهض بي نحو موروثنا في التعبير عن الفرح. كم تساءلت في صغري عن سر التباهي بين الذكور بمن “زغردت عليه أمه”، فكنت أقول أنا أيضا: “زغردت عليّ جدتي”! ولكنهم كانوا يتجاهلون الأمر، فالزغرودة في عُرفهم لا تكون إلا بمناسبة ميلاد الذكور.
انتظريني جدتي…
فما زال في طريقي مناسبات أدّخرها لكِ ومن أجلكِ، لكي أسمع هذه الزغرودة وأنتعش بالفرح الطفولي الذي تبعثه فيّ هذه الموسيقى. عبثا كنا، أختي نجوى وأنا، نتسابق لنيل التميز في محبتك والحظوة برضاكِ وتجنب مغاضبتكِ، فقد كنتِ دوما تساوين بيننا، ولم يحدث يوماً أن غضبتِ منا أو سئمتِ من أسئلتنا، فكل ما فيكِ يغري، وكل ما تحكينه يسلي.
انتظريني، فأنا متعطشة لتدوين ما سمعته “عنكِ” لا “منكِ”، لأني نادراً ما كنت أسمعكِ تتحدثين عن نفسكِ وعن كفاحكِ من أجل عائلتكِ الصغيرة والكبيرة.
يتوسل إليكِ أسامة لكي يُطلعكِ على آخر منجزاته في فن “السلام”، أسامة الذي دغدغ مسامعكِ بموسيقى وكلمات لم تكن كباقي الكلمات. كنتِ تكتفين بالتنويه بعمله، وترفعين أكفّ الضراعة داعيةً له بالنجاح.
تطلُّ عليكِ “نهى” بابتسامتها التي لا تفارق محياها، يشع نورها مضيئاً أثر الزمن على وجهكِ، فتسرع إلى حقيبة الزينة لتمحو بعض التجاعيد وتعيد لوجهكِ بعض الإشراق والبهاء.
انتظريني، تستعطفكِ حفيدتكِ “ليلي”، فهي لا تفهم صمتكِ، تتشابك أصابعكما شوقاً ومحبة، وتوارين دمعكِ خلف بسمتكِ الهادئة. تلعنين الزمن الذي سرق منكِ قوة احتضانها بين ذراعيكِ، وإطعامها بيديكِ الحانيتين، فاللقمة التي تصل فم الطفل باليد تبقى ألذّ من الفرشاة والملعقة. انتظريني جدتي لكي تمنحيني بعضاً من دروس حياتكِ.
دعينا نجد لديكِ ومعكِ سعةً من الحرية واللعب ومقاربة الممنوع. انتظريني “أمي للاَّ” لأقدم لكِ أختي “عالية”، ولكي تنعم هي الأخرى بدفئكِ وحنان يديكِ ومحبتكِ المتدفقة.
انتظريني، يتوسل إليكِ إسماعيل حفيدكِ الذي ما رآكِ إلا عن بُعد وعبر الشاشات. انتظريني، فقد حدثوني عن فيض عطائكِ وأنا في تعطش للنيل منه، لقد خفّت قدماي وأصبحت أمشي طوعاً لأعانقكِ وأجد في حضنكِ الملاذ من رقابة الوالدين و”لاءاتهما” المتعبة. ما أدفأ حضنكِ! وكم تصبح الشوكولاتة لذيذة حين تُقدم من يديكِ!
يذرف “ياسر” دمعه وهو يستحضر ذكرياته معكِ في الديار الاغتراب، فهو من نعم بقربكِ في الطفولة والمراهقة، وكنتِ له أما ثانية. أحفادكِ عمر، يحيى، سليمان وأختهم، كنتِ الظل الوارف لهم بدعمكِ المتواصل ومحبتكِ. وإبراهيم وعمر ومحمد وهالة، رغم بعدهم، ظل وصلكِ بهم متصلا منذ إقامتكِ معهم في الديار المقدسة. وهناك “عمر الثالث” الذي ظل يرتمي في حضنكِ في كل لقاء، ويحتمي بكِ من ملاحظات الكبار في كل زياراته. لا أحد من هؤلاء يفهم صمتكِ، أو يتقبل توقف عطائكِ.
كلهم يراودهم الحنين إلى طفولتهم، يُمنّون النفس بالتمتع بوجودكِ، ويدسون وجوههم في حضنكِ في كل لقاء. قدسية هي هذه اللحظة التي تجمعنا بكِ: بناتكِ وأبناؤكِ وأحفادكِ، ثم أحفاد أولادكِ.
ما أكثر زواركِ والمترددين عليكِ من الأهل والأحباب، من عائلتكِ وعائلة زوجكِ والمعارف، فأنتِ حيثما مررتِ تتركين أثراً طيباً. لقد بنيتِ صرحا من العلاقات يلتف حولكِ، فهل تحوطه بناتكِ بالعناية والرعاية؟
أيتها السيدة المحبوبة «محجوبة»: كيف يكون الفراق وأنتِ عنوان اللقاء؟ كيف يكون الفراق وقد كنتِ أنسي في مساء حياتي وفي منفاي؟ أنا أولى بناتكِ، حظيت في طفولتي بريعان شبابكِ.
كنتِ وتظلين صبحي المبكر، فحين يثقل الليل وينشر كوابيسه على أيامي، تذكرتُ كيف علمتني إرادتكِ قهر ضعف الجسد. لقد رأيتكِ دوما تجددين قواه عبر السنين، تبصرين الأشياء من حولكِ لا بقوة البصر أو باستعمال النظارات التي غالباً ما كنتِ ترمينها جانبا، بل بقوة الخبرة والمعرفة والحدس الثاقب.
تبرد يداكِ، ويصمت لسانكِ، وتلمع عيناكِ لترسل رسائل، فكيف السبيل إلى فك طلاسمها؟ وقد كنا بالأمس نفهمها إشارات وإيماءات نجيب عليها نحن بناتكِ وأبناؤكِ في الحين. لم تكوني بحاجة إلى سلطة، فقد تعلمنا منكِ أن “اللبيب بالإشارة يفهم“.
اعتدتُ رؤيتكِ تمشين نحو الحياة تجرين أطراف رداءكِ فوق ثقل السنين، تقاتلين تعب الحياة برغبة الانتصار عليها، فكيف تغيب عنكِ الآن إرادة قهر ضعف الجسد؟ من أخرس لسانكِ؟ أنتِ التي علمتني قبل “ابن عامر” وقبل “فاطمة المرنيسي” أن يكون لساني قوسي والمعاني رميتي، وأن “الكلام الزين يمشي في الدهازات“.
أرفع اليوم فوق رأسي تاج محبتكِ ودروسكِ وتربيتكِ، وحذارِ أن أنسى خبرتكِ في الطبخ والنسيج. لا تعجلي بالرحيل، فكل أحلامي أنتِ صانعتها، وكل الدروع التي حصلتُ عليها هي لكِ، أنتِ التي علمتني الشجاعة حين كانت النساء يعلّمن البنات الخوف والحذر.
انتظري وأمهليني، فلا تزال لدينا مفاجآت ومواعيد لكِ، ولكي ينطق صمتكِ كلاما مدويا. أنا أدرك غضبكِ من الطبيعة، ومن فعل الزمن الذي سرق منكِ القوة، وأثقل الحركة، وأضعف السمع.
لكن نور روحكِ يظل يضيء الحنايا، ويظل نارا متقدة بين الضلوع تحييني وتقودني. أسابق الزمن الذي يسرق مني أحاديثنا، وحيويتكِ الدائمة، ومغالبتكِ للنوم. حتى حين تأخذكِ الغفوة، تستدركين وتجادلين غاضبة من سخريتنا: “لستُ نائمة، أنا فقط متكئة”. لم يكن سرير الراحة حلما لكِ، فأنتِ تفضلين القليل من النوم. اليوم يغالبكِ الزمن ويجبركِ على الراحة، واسترجاع أوقات النوم التي كان ينبغي أن توزعيها على مر السنين.
