الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية والتراث غير المادي

الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية والتراث غير المادي

مختبر السرديات : نيهاد القزوي

في إطار سعيها المستمر لتجاوز المألوف والشائع في مقاربة الثقافة الشعبية، تطالعنا مجلة “الموروث” الفصلية المحكمة، الصادرة عن معهد الشارقة للتراث، في عددها الثاني والأربعين (يونيو 2026) بإدارة الدكتور عبد العزيز المسلم رئيسا للتحرير والناقد الكبير الدكتور صالح هويدي مديرا للتحرير، بباقة غنية من الدراسات الميدانية والبحوث المحكمة، والتي استهلت بافتتاحية رئيس التحرير، وعززت مقالاتها بالصور التوثيقية الغنية والأشكال المتنوعة المصاحبة للمواد.. إذ يمتاز هذا العدد بتقديم نسيج معرفي متعدد الأبعاد، يمتد من رصد الأعراف الاجتماعية والجماليات البصرية والصوتية في البيئات العربية، وصولا إلى مساءلة النتاج الفلسفي التقليدي والتحديات الرقمية الحديثة، مما يوفر للقارئ قراءة عميقة في فضاءات التراث الإنساني في ديمومته المستمرة.

ومن هذا المنطلق، يغوص العدد في أعماق الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية والتراث غير المادي، مرتكزا بصفة رئيسة على ملف نوعي ومميز حظي باهتمام الباحثين، وهو “ملف الحمامات الشعبية والتقليدية في الوطن العربي وخارجه”، الذي يبرز أبعادها المعمارية والطقوسية.

ويفتتح هذا الملف الباحث د. مبروك محمد الذماري بدراسة أنثروبولوجية وأثرية متكاملة للحمام اليمني التقليدي، مبينا ارتباطه الوثيق بنشأة المدينة الإسلامية وتطورها، إذ كان يمثل مع المسجد والسوق النواة الأساسية لأي مدينة تاريخية، ليفصل البحث بعد ذلك في البنية الهندسية القائمة على التدرج الحراري من المنطقة الباردة أو “المخلع” مرورا بالمنطقة الدافئة وصولا إلى الساخنة، مع التطرق للنظام التشغيلي والوقفي وما يعرف بنظام “الدَّول” لتوزيع الأوقات بين الجنسين، عارضا الطقوس الاحتفالية المرتبطة بها وممارسات التعايش الاجتماعي من خلال استيعاب حمامات المسلمين لأهل الذمة من الطائفة اليهودية بوجود برك تطهيرية عبرية كـ “بركة الماكيفيا”، لينتهي بالتحذير من التحديات التي تهدد هذا الموروث كشح المياه وغياب الصيانة. وتنتقل بنا المجلة بعد ذلك إلى سياق حضاري مكمل في الهند عبر دراسة مترجمة لأشفاق أحمد وآخرين، لتسليط الضوء على التمازج والتثاقف الحضاري بين التقاليد الإسلامية والهندية والفارسية في هندسة حمام حديقة قطب شاهي الأثرية بحيدر آباد، مركزة على التوثيق المعماري وتصميم المكان الذي تحول فيه نظام التدفئة والإضاءة عبر منافذ البلور والزجاج إلى فلسفة معمارية وطبية متكاملة تعكس التبادل المعرفي العابر للقارات.

وفي سياق سوسيولوجي نقدي ، يقدم محمد رمصيص قراءة للحمام المغربي بوصفه الفضاء العمومي المغلق الوحيد الذي يتجرد فيه الإنسان من ملابسه وفوارقه الطبقية ليصبح الجميع سواسية أمام “العري الرمزي”، موجها اهتماما خاصا للحمام باعتباره مجالا نسويا بامتياز يمنح المرأة مساحة للحرية والتحرر من الرقابة الاجتماعية التقليدية، متتبعا حضوره في دورة حياة الفرد ومناسباته المتعددة كحمام العروس والنفساء والعاتق مع مقارنتها بأنماط الاستحمام العالمية. ويختتم ملف العدد الباحث يحيى لطف العبالي باستعراض مراجعة نقدية وافية لكتاب “حمامات صنعاء” الذي أنجزه فريق بحثي يمني فرنسي مشترك استمر لسنوات في العمل الميداني، حيث يضيء فصول الكتاب التسعة التي رصدت بدقة هندسة وعمارة الحمامات البخارية في صنعاء القديمة، والتراتبية الإدارية والاجتماعية للعاملين فيها كالقيم والموقد والمنظف، مستندا إلى وثائق ومخطوطات نادرة توثق الذاكرة العمرانية واليومية للمدينة وتاريخها العريق.

امتدادا لهذا التنوع المعرفي، شهد الشق الثاني من المجلة غزارة بحثية لافتة ناقشت قضايا الهوية والجماليات والتراث الشفهي والتحديات المعاصرة، حيث استهل هذا المحور الباحث عبد الحكيم خليل سيد أحمد بدراسة ميدانية أنثروبولوجية في عدة محافظات مصرية يعالج فيها قضية “العرف الشعبي كوسيط في زواج مجهولي النسب”، فيتتبع آلية تحول العرف إلى بنية رمزية بديلة تمنح شرعية ترضية مؤقتة وتواطؤا لتسهيل زواج هذه الفئة، مع التحذير في الوقت نفسه من أن هذه الوساطة تمارس إقصاء غير معلن يضع الظاهرة في قلق دائم بين القبول والوصم الخفي.

ومن الزاوية المجتمعية إلى الأبعاد البيئية، يقارب الباحث علوي أحمد الملجمي العلاقة الجدلية بين الإنسان ومحيطه الحيوي عبر مقالته “المعنى والبيئة والتراث الشعبي”، إذ يرى أن الموروث المادي وغير المادي يختزن معرفة شعبية وثيقة بالثروتين الحيوانية والنباتية، وهذه المعرفة تشكل أداة الإدراك الأساسية التي تنظم لغة التواصل بين البشر والطبيعة، وينبه الباحث إلى أن اندثار هذا التراث المعرفي التقليدي وتراجع الاهتمام به يقود مباشرة إلى موت المعنى وتدمير الروابط الفطرية، مما ينتج علاقات استهلاك سلبية ومشاكل بيئية واغترابية حادة تعمق الفجوة بين الإنسان المعاصر ومنظومته الإيكولوجية، مستنتجا أن إحياء هذا الرصيد المعرفي هو السبيل الأوحد لتحقيق تصالح حقيقي ومستدام مع الطبيعة وحمايتها من التدمير.

ويتطرق محمد الجزيراوي، ضمن هذا السياق، التفاعلي مع الطبيعة إلى “العمارة العامية في حوض المتوسط” متخذا من واحات الجنوب التونسي بنفزاوة نموذجا، ليوثق من خلال المنهج الإثنوغرافي عفوية العمارة السكنية التي يشيدها السكان بأنفسهم باستخدام الطين وجذوع النخيل، كأحد نماذج الذكاء البيئي الفذ في التكيف مع الظروف المناخية القاسية.

​وفي منحى يجمع بين جماليات الصوت واللغة، يحلل عبد العالي احمامو “نداءات الباعة في الأسواق الشعبية بالمغرب” من منظور لساني وسيكولوجي واقتصادي متقاطع، عبر تفكيك البلاغة اللفظية والتقابل الإيقاعي النغمي المستعمل لاستمالة الزبائن، ليغدو هذا النداء بمثابة علامة صوتية تمنح السوق الشعبي هوية وديناميكية ثقافية.

​ولم تغب القراءات النقدية التاريخية عن هذا العدد، إذ يقدم محمد صلاح بوشتلة مقاربة مغايرة للتناص الفلسفي وسيرة الولي الشعبي في قصة “حي بن يقظان”، مفادها أن ابن طفيل لم يكن مدفوعا بالفلسفة المشائية أو السينوية بقدر تأثره بسيرة ومرويات الشيخ الصوفي المغربي أبي يعزى يلنور، رغبة في توظيف الموروث الشفهي والكرامات الصوفية لتقريب نموذج الزهد. من جهة أخرى، يفتح عصام الجودر باب المساءلة الأخلاقية والفنية في الموسيقى حول “التناص الموسيقي الاصطناعي والإبداع الرقمي”، مثيرا قضية طمس الحدود بين المبدع البشري ومخرجات الآلة الخوارزمية، عبر طرح تساؤلات حاسمة تحيط بالملكية الفكرية والجماليات الفنية في عصر الرقمنة.

​وفيما يتعلق بأنثروبولوجيا التاريخ، يبحث عبد الحفيظ قدوري في طبيعة العلاقة الجدلية بين منطقة الريف المغربي والسلطة المركزية (المخزن) في الفترة الممتدة بين سنوات ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين وألف وتسعمائة وستة وعشرين، في قراءة لأثر الاستعمار الأوروبي وكيفية إسهام تلك التحولات في إعادة صياغة التوازنات السياسية والقبلية في المنطقة.

​ويختتم العدد بجهد ترجمي متميز قدمه بوخال لخضر لفصلين من كتاب المفكر والناقد بول زيمتور المعنون بـ “مقدمة للشعر الشفهي”، والذي يعد من المراجع الغربية القليلة التي تتبعت الشعر الشفهي منذ أشكاله البدائية والملاحم المغناة وصولا إلى مظاهره المعاصرة كالبلوز والفلكلور الإفريقي والأمريكي، ليصل في محصلة دراسته إلى القيمة الرمزية والنفسية الكامنة في الجسد والصوت الإنساني الحي أثناء الأداء.

​وتأسيسا على هذا الإبحار المعرفي الشامل، يستحق هذا العدد من مجلة “الموروث” إشادة لما قدمه من مادة أنثروبولوجية ونقدية رفيعة المستوى، تمتاز بجرأة الطرح ورصانة المنهج، وتبين بجلاء قدرة الفكر التراثي على التجسير بين عمق الأصالة وآفاق المعاصرة حيث تجاوز العمل حدود الرصد التقليدي للهياكل المعمارية والطقوسية للحمامات الشعبية كفضاءات تاريخية واجتماعية ضامنة للتعايش، لينطلق بقوة نحو إبراز حيوية الثقافة الشعبية وسيرورتها في مواجهة تحديات الراهن وهوما يجعل من هذا الإصدار وثيقة مرجعية استثنائية تثبت أن حماية الذاكرة الشعبية ليست ارتدادا نحو الماضي، بل هي بمثابة البوصلة الأكثر أمانا لاستشراف معالم المستقبل الإنساني وفهم تحولاته.

شارك هذا الموضوع

نيهاد القزوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!