فوزي لقجع على رأس “حكومة المونديال”.. بطاقة حمراء ضد الغضب الشعبي
عبد الرحيم التوراني
تضج العوالم الافتراضية هذه الأيام بسجال عارم، تتداخل فيه التخمينات وتتكاثر معها التأويلات والغمزات، والسبب أنباء متواترة عن الالتحاق الوشيك للسيد فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بحزب الأصالة والمعاصرة “البام”، تمهيدا لخوض الانتخابات التشريعية القادمة باسمه في دائرة بركان، مسقط رأسه ومعقل فريقه الأثير النهضة البركانية. ترشيح يقرأ في كواليس المشهد السياسي كتمهيد لسلوك الطريق نحو رئاسة الحكومة القادمة.
قبل التبريك لهذا الاقتران الكروي- الحزبي، يفرض الواقع سؤالا جوهريا.. بأي صفة ساند حزب “البام” الوزير المكلف بالميزانية في حكومة أخنوش منذ 2021؟
الجواب واضح: لقد تمتع لقجع بغطاء الضلع الثالث للأغلبية دون حاجة لالتزام تنظيمي معلن. لم يكن اختيار “البام” محض مصادفة، بل هو عودة لاستكمال مشروع الحزب الأول كما أرساه فؤاد علي الهمة قبل أن تعيقه متغيرات الربيع العربي وانتفاضات حركة 20 فبراير…
تستحضر الذاكرة السياسية هنا الامتدادات التاريخية للرجل، بدءا من علاقة الفتُوّة التي جمعته بإلياس العماري، وصولا إلى علاقاته ببعض قيادات الحزب البارزة المتواجدة حاليا بسجن عكاشة في قضية “إسكوبار الصحراء”، وهي القضية التي جرت معها قراءات إعلامية طالت اسم لقجع شخصيا.
ويرتفع منسوب الفضول.. إذا كان لقجع قد قاد تكتيك الكرة بنجاح ملحوظ وحصد بعض الألقاب، فهل ينجح في إدارة تكتيك الدولة ورئاسة الحكومة؟
نعم.. وبكل تأكيد.. بشرط واحد بسيط: أن نتعامل مع الوطن باعتباره مجرد منتخب كروي، الشعب فيه جمهور في المدرجات، والأزمات الاقتصادية مجرد تسلل يمكن إلغاؤه بتقنية حكم الفيديو المساعد، أي “الفار” La VAR، والتنمية مجرد مشاركة ناجحة في كأس أفريقيا والمونديال!
آه، عفوا.. كيف نسيت؟ أليست الحكومة القادمة هي التي يطلق عليها الإعلام من باب التفاؤل المفرط وصف “حكومة المونديال”؟ والسيد لقجع تبارك الله راكم من الخبرة والتجربة بين جامعة الكرة والكاف والفيفا ما يجعله الأقدر على تسديد ضربات الترجيح ضد الغلاء والبطالة.. على الأقل من نقطة الجزاء!
***
لكن دعونا من الميزانيات والوزارات، ونقف عند السؤال الأكثر حرارة: كيف سيتعامل رئيس الحكومة المقبلة السيد فوزي لقجع مع أمواج الألتراسات الغاضبة في مدرجات الملاعب؟
تلك الجماهير الهادرة التي لم تعد تكتفي بالهتاف للفريق، بل أصبحت ترسل سكودات كلامية وشعارات راديكالية ضد الغلاء والسياسات الحكومية، شعارات تتجاوز بسقوفها وبلاغتها كل السقف المستكين لأحزاب المعارضة الكسولة تحت قبة البرلمان… جماهير تزلزل المدرجات بالهتاف لفلسطين والمطالبة الصريحة بإسقاط التطبيع.. فهل سيملك رئيس الحكومة/ رئيس جامعة الكرة الجرأة لإشهار البطاقة الحمراء في وجه مدرج كامل، أم أنه سيطلب من حكم المباراة إعلان هدنة سياسية؟
ثم كيف سيفعلها الرجل ليرتقي بترتيب المغرب المتدني في مؤشرات التنمية والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، ليلحقها برتبة منتخب “أسود الأطلس” في تصنيف الفيفا؟
هل سيعتمد تقنية “الفار” لإلغاء مآسي المستشفيات؟ أم سيعتبر طوابير الانتظار أمام القطاعات الخدمية مجرد خطة دفاع منطقة محكمة؟
طبعا لا أحد يتخيل أن لقجع قد يضحي بكرسي الجامعة الملكية للكرة ليتفرغ لدوخة الحكومة ووجع رأسها… بل الأرجح أنه سينعش ذاكرتنا الوطنية بنوستالجيا الثمانينيات.. يوم كان الوزير الأول الراحل المعطي بوعبيد ينسى مقعده في الرئاسة، ليقف عند خط التماس في الملعب، يصيح بحماس وجنون ناديا لاعبي فريقه الأثير نادي الرجاء البيضاوي: “تقدّم يا عبد الرحيم (الحمراوي).. مرّر الكرة للحداوي المنفرد.. سدّد في الشباك…”.
يومها كان الصحفيون الرياضيون المطبلون والموالون لمعاليه يخرجون في التغطيات ليبرروا تلك المشاهد السوريالية بقولهم الشهير: “من حق السيد الوزير الأول أن يتمتع بلياقته ويقضي يوم عطلته الأسبوعية كما يحلو له“.
يبدو أن التاريخ لا يكتفي بإعادة نفسه كمهزلة، بل يستعد لكتابة شوط إضافي.. سنرى فيه رئيس الحكومة يوجه ميزانية الدولة بـصفارة، ويدير مشاوير الحكومة من دكة الاحتياط، فيما ينادي الأطباء والمعلمين من خط التماس: “سجلوا هدفا في التنمية بسرعة.. المباراة ستنتهي“…
إنه رئيس اتحاد الكرة الأكثر شهرة على كوكب الكرة الأرضية.. السيد فوزي لقجع.. الفائز الوحيد الذي يزاحم اللاعبين في التداريب، وينزل إلى منتصف الملعب ليرفعوه فوق الأكتاف عقب كل انتصار.. يحق لنا طبعا أن نفخر بعبقريته، وأن نسلمه مفاتيح الحكومة ونمنحه أصواتنا بأعين مغمضة.. بل كيف تأخرنا كل هذه السنين عن هذا التكتيك الحكيم؟
***
من دون شك لن يكون التحاق لقجع بـ “البام” مجرد انضمام عادي لعابر سبيل سياسي، بل هو كما لخصته بدقة ونباهة الأستاذة الجامعية والحقوقية لطيفة البوحسيني على صفحتها بالفيسبوك قائلة: “حزب الأصالة والمعاصرة هو من يلتحق بفوزي لقجع!”.. وهي تدوينة تصيب كبد الحقيقة، فالجرار الذي عانى منذ نشأته من عقم الكاريزما وغياب القائد المحرك، سيجد أخيرا مُحركه الكروي الجاهز…
هكذا ستضاف إلى كاهل السيد لقجع مهمة جديدة.. قيادة “البام”، إلى جانب رئاسة الحكومة، ورئاسة جامعة الكرة… وحينها لا تستغربوا إذا تأجلت اجتماعات المجلس الحكومي أو ألغيت في آخر لحظة لأن فريق نهضة بركان يخوض مباراة حاسمة في البطولة… ولا تستغربوا إذا خرج اجتماع الحكومة فاشلا ومحتقنا لمجرد أن رئيسها غاضب من نقطة أهدرها فريقه، أو من قرار اتخذه حكم غبي لا يفهم في التوازنات السياسية ولا يراعي الهيبة الحكومية…
النتيجة الحتمية لهذه المعادلة: البطولة ستصبح بركانية بالضرورة، فيما الشوارع خارج الملاعب تغلي كالبراكين.. وبلا أي إطفائيٍ يملك الشجاعة أو الوسيلة لإخمادها…
***
بالموازاة مع الشائعات التي تروج حول تعيين لقجع رئيسا لـ “حكومة المونديال”، تفاجأ الرأي العام بفتح تحقيقات مع عدد من المدونين، الذين دفعهم الغضب عقب مباراة المغرب وفرنسا إلى إطلاق اتهامات عشوائية وصلت حد التخوين في حق عناصر المنتخب.
وهنا يطرح السؤال نفسه: من تقدم بالشكوى؟ هل هو أشرف حكيمي؟ أم ياسين بونو وإبراهيم دياز؟ أم عز الدين أوناحي ونائل العيناوي وعيسى ديوب؟ أم أن الفريق مع المدرب وطاقمه الفني، اجتمعوا جميعا وأودعوا شكايتهم لدى النيابة العامة لإعادة الاعتبار لوطنيتهم المطعون فيها؟؟
الحقيقة الساطعة هي أن اللاعبين لم يلتفتوا أصلا لتلك التدوينات الغاضبة، واستمر كل منهم في طريقه نحو ناديه استعدادا للموسم الكروي الجديد… من خلق هذه الضجة إذن ليس سوى الجامعة ورئيسها لقجع…
هذه فقط مجرد بداية وما خفي أعظم، “هذي البداية.. وما زال ما زال”…
***
هَزُلَت!.. وحقّ لها أن تَهزل، وألا تجد من يزرع فيها حبة عقل.. بعدما صار الوطن يدار بصفارة، والتنميةُ تُقاس بحجم ميدالية.. في بلد يُتقن زراعة الأوهام الكروية، ويترك الشوارع تحترق ببُركان الغلاء!
لننتظر إذن من رئيس الحكومة القادم أن ينتصر على الغضب الشعبي في المحاكم وخارج القضاء، وأن “يُقَجِّعَ” الجميع.. فالواقع أن “البام” حين اختار التراكتور شعارا له، لم يجد قائدا بمواصفات تلك الآلة الجبارة، ويبدو أن لقجع هو التراكتور المنتظر الذي سيتكفل أخيرا بحرث الأخضر واليابس.. ويا ربي السلامة… والله يلطف بنا…
