عبد الجبار العلمي: جزء من سيرة ـ روائية.. سينما “الْمَنْصُور” (2)
عبد الجبار العلمي
ثمة نموذج آخر كنتُ من المعجبين به هو المطرب الشاب عبد الحليم حافظ الذي كان في كل أفلامه يمثل ذلك الشابَّ المجتهد الطموح العزيز النفس ، النبيل الخلق. وكان دائماً يبدأ من الصفر لينتهي في آخر المطاف إلى المجد والشهرة. وقد شاهدت جميع أفلامه في سينما “المنصور” بباب العقلة الواقعة على مسافة جد قريبة من ببيتنا بمصلى العيدين. وكانتْ هذه القاعة السينمائية في عهدها الزاهر، مختصة بالأفلام العربية. فيها شاهدنا أفلام سينما الزمن الجميل. وقد عملت على بنائها إحدى العائلات التطوانية المستنيرة. كانت هذه السينما معلمةً من المعالم الحضارية بالمدينة، ومدرسة علَّمتِ الناس الذوقَ والفنّ، وفضاءً للتعرف على عالمِ السينما بما يقدمه من ثقافة ومتعة وترفيه. والحقيقة أن السينما، كانت مدرستي الثانية أتاحت لي التعرف على أعمال أدبية عربية وعالمية حولت إلى أفلام سينمائية، سواء منها العربية أو الأجنبية. شاهدت على سبيل المثال “نهر الحب” المأخوذ عن “أنا كارنينا ” لتولستوي ، و”لقيطة ” المقتبس من رواية لمحمد عبدالحليم عبدالله ، و”أوليس” ألمأخوذ عن ملحمة الأوديسة لهوميروس ، وغيرها مما سيأتي ذكره لدى حديث الفتى عن اقتباس العديد من الأفلام السينمائية من أعمال روائية عربية وأجنبية. ناهيك عن أفلام هيتشكوك وجيمس بوند، وأفلام رعاة البقر، وأفلام تمثل حقباً تاريخية مثل فيلم “كليوباترة” التي تقوم بدر البطولة فيه الممثلة الأمريكية إيليازابيث تايلور. والحقيقة أن الفتي الشغوف بالفن السابع لم يترك أية دار من دور السينما التي كان يمتلئ به الحي الأوروبي بمدينة تطوان، إلا وشاهد فيها ما كانت تأتي به من روائع السينما العالمية من مختلف الأنواع، ابتداءً من المسرح الوطني إلى اسبانيول و مونمنتال في شارع محمد الطريس، مرورا بأبينيدا في شارع محمد الخامس، وصولاً إلى أبعد دار للسينما هي “فيكتوريا” في باريو مالقة. إن الفن السابع، كما ذكرت، يدخل في إطار تكوين الفتى الثقافي والوجداني إلى جانب الكتاب.
عندما أذكرُ الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ (11 ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006)، الذي كنتُ شغوفاً بقراءة أعماله الروائية في كل مراحل تجربته الروائية: التاريخية ـ الواقعية النقدية ـ الفلسفية ـ الملحمية ـ التراثية ( مثل “ابن فطومة” و”ليالي ألف ليلة”)، ومشاهدة الأفلام المقتبسة منها، أذكر أيضاً ظاهرة الاقتباس بين الأدب والسينما، لأن جل أعماله الروائية، وحتى بعض قصصه القصيرة، حولت إلى أفلام. ويجرنا ذلك إلى الحديث عن موضوع الاقتباس من الأعمال السردية إلى الأفلام السينمائية، ومن الأفلام السينمائية إلى أعمال سينمائية أخرى. ولا يخفى أن علاقة الأدب بالفن السابع علاقة قديمةٌ عريقة، سواء على المستوى العالمي أو العربي وبالتحديد التجربة السينمائية المصرية التي كان لها قصب السبق عربياً. يذكر الصبي المبهور بهذا الفن الجديد الجذاب أشهر الأفلام التي تم اقتباسها من روايات أو مسرحيات عالمية ذائعة الصيت في الرواية الأجنبية، وبالأفلام التي اقتبست من روايات أو مسرحيات عربية معروفة لدى الجمهور العربي.
من بين الأفلام الغربية التي اقتُبست من أعمال أدبية عالمية ، يذكر: “الحرب والسلم” المأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتب الروسي ليو تولستوي؛ “دكتور زيفاجو” المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه لبوريس باسترناك؛ “ذهب مع الريح “المأخوذ من رائعة الكاتبة الأمريكية مرغريت ميتشل، فيلم “زوربا اليوناني” المقتبس من رواية بنفس الاسم للكاتب نيكوس كازانتزاكيس؛ فيلم “الملك لير” و”عطيل” المأخوذين عن مسرحيتي شكسبير؛ فيلم “سيدتي الجميلة” المأخوذ عن مسرحية “بيجماليون” لجورج برنارد شو.. أما الأفلام العربية، وعلى وجه التحديد (المصرية)، فمن الجدير بالإشارة إلى أن ظاهرة “الاقتباس” اتجهت فيها اتجاهين أساسيين هما:
1 ـ الاقتباس من الأفلام والروايات الغربية، وقد أفادت السينما المصرية من كمٍّ وفير من الأفلام السينمائية الأجنبية الناجحة، نذكر بعضها هنا على سبيل التمثيل لا الحصر: “أمير الانتقام” للممثل والمخرج أنور وجدي المأخوذ عن فيلم “الكونت دي مونتِ كْريستو” عن رواية للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما؛ ” نهر الحب ” المقتبس من رواية “أنا كارنينا” لليو تولستوي ، “يوم من عمري” لعبدالحليم حافظ، وهو مقتبس من فيلم “رحلة في روما” من بطولة “أودري هيبرن” و”غريغوري بيك”.. والحقيقة أن الفتى شاهد النسختين: الأصلية والمقتبسة من هذه الأفلام، لكنه لاحظ أن الفيلم المقتبَس لا يرقى إلى مستوى الفيلم الأصلي، سواء من حيث البناء الفني والجمالي، أو من حيث المضمون والمحتوى، حيث يتمُّ تغيير في أحداث القصة أو في مواقف بعض شخوصها من أجل أن تكون مناسبة لواقع المجتمع العربي وتقاليده المرعية.
2 ـ الاقتباس من الأعمال الأدبية، رواياتٍ ومسرحياتٍ وقصصاً ألفها كتاب مصريون ، والنادر منها من تأليف كتاب من بلاد عربية أخرى، فقد كانت السينما المصرية مكتفية بذاتها سواء فيما يتعلق بالنصوص الروائية والقصصية والمسرحية الغزيرة، أو فيما يتصل بكتاب القصة والسيناريو والحوار المختصين بهذه الأعمال في المجال السينمائي مباشرة. من الأفلام المشهورة التي شاهدها الفتي في سيما المنصور على ما يذكر، فيلم “رصاصة في القلب” تمثيل عبدالوهاب، المقتبس من مسرحية لتوفيق الحكيم بنفس العنوان ـ فيلم “دعاء الكروان” المأخوذ من رواية لطه حسين تحمل نفس الاسم ـ فيلم ” الحرام” المأخوذ عن رواية يوسف إدريس؛ فيلم “الوسادة الخالية” المقتبس من رواية لأحسان عبدالقدوس بنفس الاسم. ولا يمكن أن ينسى جيل السبعينيات الإقبال المنقطع النظير على فيلم “أبي فوق الشجرة” المقتبس من رواية لنفس المؤلف التي تحمل نفس العنوان. ومن النماذج السينمائية المخضرمة، شاهد في مرحلة الفيديو الفيلمين التاليين: “الكيت كات” المقتبس من رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان ـ “الطوق والإسورة” المأخوذ من الرواية القصيرة للقاص يحيى الطاهر عبدالله بنفس الاسم، ومن الأفلام المقتبسة عن كتاب من خارج مصر أعجب الفتى أيما إعجاب بفيلم “المخدوعون” من إخراج المصري توفيق صالح، وهو مقتبس من الرواية الشهيرة للروائي الفلسطيني غسان كنفاني بعنوان “رجال في الشمس”. أما المتن الروائي المحفوظي الغني بالروايات، فنجد أن معظمها قد حُول إلى أفلام سينمائية يذكر الفتى بكل إعجاب: “بين القصرين” من ثلاثيته الشهيرة التي أخرجها حسن الإمام؛ “القاهرة 30” لصلاح أبي سيف؛ “اللص والكلاب” و”ميرامار” من إخراج كمال الشيخ؛ “الطريق” للمخرج حسام الدين مصطفى؛ “الكرنك” لعلي بدر خان. بعضُ هذه الأفلام المقتبسة من أعمال نجيب محفوظ، كان مخرجوها أمناء في نقلها واقتباسها، بناء ودلالة، وبعضها الآخر تعرض لتصرف المخرجين، وأُخْضِع لرؤاهم الخاصة. وقد “اتفقت أغلب الدراسات والمقالات والأبحاث، بل والرسائل العِلمية على منح كاتب السيناريو مساحة كبيرة من الحرية للتدخل في النص بما يتوافق مع طبيعة فن السينما وطريقة بناء النص السينمائي.. وقد يرى البعض أن من حق كاتب السيناريو والمخرج أن يفعلا ما يشاءان بالعمل الأدبي ، ذلك أنه لم يعد عملاً أدبياً ، بل تحول إلى نوع آخر من الإبداع..” . والمعروف عن نجيب محفوظ أنه كان يتخذ موقف الحياد حين “يلتزم المخرجون بروح النص الأصلي لأعماله” على اعتبار أن المعالجة السينمائية لها خصوصيتها كما يعلم من تجربته في مجال السينما، إلا أنه كان يعتبر أن رواية “ميرامر ” هي الرواية الوحيدة التي تعرضت لتغييرات وجه إليها الناقد السينمائي علي أبو شادي نقداً لاذعاً في كتابه “كلاسيكيات السينما المصرية”، واعتبر ما قام به السيناريست ممدوح الليثي تشويها لرؤية الكاتب وقلباً للحقائق، بل والتعدي على شخصياته الروائية.. “، إلا أن نجيب محفوظ عالج الأمر بهدوء بقوله: “ربما تكون رواية “ميرامار” هي الوحيدة من بين أعمالي التي تعرضت لبعض التغييرات عند تحويلها إلى فيلم سينمائي، حيث ركز الفيلم على شخصية “طلبة مرزوق” التي شخَّصَها الممثل القدير يوسف وهبي، وهي شخصية خفيفة الظل وقريبة من المزاج الشعبي. هذا التركيز قدم الشخصية في صورة تقلب الهدف الذي قصدتُه منها رأساً على عقب، ففي الرواية حاولتُ تقديم هذه الشخصية في صورة رجعية مكروهة. أما في الفيلم فقد حولها إلى شخصية محبوبة.. وساعد على ذلك الأداء البارع للفنان الكبير يوسف وهبي”. وقد لاحظ الفتى الذي شاهد جلَّ أعماله، أن معظم روايات نجيب محفوظ التي حُوِّلتْ إلى أفلام سينمائية قد تم فيها المحافظة على روح النص الأصلي فيها باعتراف الكاتب نفسه، إلا أنه كان يرى أن المخرج صلاح أبو سيف كان في تعامله مع نصوص صديقه أميناً في اقتباسه لرواياته: “القاهرة الجديدة” و”بداية ونهاية”، ويليه في ذلك غيرُهُ من المخرجين المعروفين بتجويد أعمالهم أمثال كمال الشيخ وحسين كمال وعاطف سالم وحسام الدين مصطفى وعلي بد ر خان. ويرى الفتى أن هذا الروائي، أغنى ريبرتوار السينما المصرية بأعماله التي تم اقتباسها من رواياته وبعض قصصه، وقدم للمشاهد العربي فنه الروائي الرفيع في كل الأقطار العربية سواء من خلال السينما، أو عبر التليفزيون الذي يدخل كل بيت. وبذلك يكون هذا النجيب، قد أوصل فنه الهادفَ إلى قطاع واسع من الجماهير العربية. وسيزداد ولعُ الفتى بأعماله الروائية، وسيختار لبحثه في دبلوم الدراسات المعمقة، روايته “ميرامار” التي قرأها له زمن صدورها أثناء دراسته الجامعية بكلية الآداب بظهر المهراز بفاس المحروسة.
