نزعة ومقدرات الخلق والابتكار في مجموعة “أنقى ما لديك من فوضى”

نزعة ومقدرات الخلق والابتكار في مجموعة “أنقى ما لديك من فوضى”

عبد النبي بزاز

     يختلف النهج الشعري في مجموعة “أنقى ما لديك من فوضى” للشاعرة التونسية إيمان شعبان البناني في أسلوبه، وصوره، وموضوعاته عما هو مألوف من أنماط شعرية، وقبل ذكر ما تزخر به النصوص من سمات الاختلاف والتميز نبدأ بما اعتمدته الشاعرة  من عناصر الشعر المُتَّبعة من إيقاع في مستويَيْه الداخلي، التي تشكل حروفه المتكررة نبرة تكسر المد النثري، وتحد من هيمنته كما في نص “أوكسجين”: “تسللت إلى الظلمة / أسراب من النوارس” ص10، من خلال حرف السين، وحرف الدال: “كتبوا رسائل الموت جميعا / حتى نفد المداد.” ص94، وخارجي في روي التاء: “لا أريد ابتكارات / ولا أنوي التخفي وراء العبارات / لا أريد التلاعب بالكلمات / ولا تنقلا صبيانيا بين المفردات” ص27، وقافية مشكلة من النون والياء: “وهذا السجع الآن يزعجني / تماما كأي قافية تطلبني “ص27 . وعناصر بلاغية من جناس: ” أدنو وأدنو / حتى يخصبني الهواء ” ص15، وفي قولها : “عطيل دخل لتوه … / رأيتك ، رأيتك ” ص16، وهو جناس تام تكرر أيضا في : “رفيعا رفيعا كالمزن” ص 38، وقولها أيضا وفي نفس السياق: “على محياي غمزة غمزة … / إلى حيث أبني لي / ألف حب وحب” ص66، وتشبيه كما في نص ” خجل”: “مثل حزيران الخجول / تتراجع إلى الوراء” ص22، وفي: ” تمر الحبيبة غيمة ماطرة سخية الأسى” ص34، دون اعتما أداة التشبيه، أو الاعتماد عليها في مثل: “رفيعا رفيعا كالمزن” ص38، وكلها عناصر خلعت على نصوص المجموعة جمالية في التعبير والتصوير.

وتنطلق سمة الاختلاف الشعري من الصور التي تزخر بها المجموعة ، والتي تتميز بالغزارة ، والتي تطالعنا  منذ النصوص الأولى : ” على القرطاس آثار من أسف الذكريات … / سعت المخطوطات بحثا / عن أسف  مقدس / به من العبثية ما يكفي/ لإرباك الوقت . ” ص 9، ففي القرطاس  رسمت علامات من الأسف يختزلها  ماض حافل بذكريات راسخة، والمخطوطات تنخرط في بحث دائب عن كائن تحفه هالات قدسية عبر انزياح يقود إلى عبثية لا يسلم نظام الوقت فيما تصيبه به من اختلال وتشويش . وقولها : ” بابتسامة / سأمسح امتعاض المعاطف الثقيلة … ” ص13 ، في إبراز قدرة  الابتسامة على إزاحة   التأفف والانقباض عن معاطف  تشكل عبئا ثقيلا على الجسد  ، وفي : ” لا تقطبي جبين الشتاء ” ص14، بحيث يغدو للشتاء جبين يلتمس عدم تقطيبه تفاديا لأي إحساس بالإزعاج والضيق ، وتشبيه التفاصيل  بفئران تدأب على أكل الصبر : ” كفئران لئيمة / تقضم التفاصيل صبري … ” ص16، في تصوير غريب لأكل التفاصيل والتهامها للصبر! والجمل الذي يجرب الرقص باحثا عن جمهور يؤثث فضاء حفل يمارس فيه غواية الرقص : ” جمل يحاول الرقص / يبحث عن جمهور … ” ص17، وتصوير حالة نهر ينشد تحريره من سلطة وسيطرة الشذى ، وما يقتضيه واجب الحب من فسح  هامش حرية تفي بالتحرك في خضم الذهول : ” أحررنهرا من الشذى / و لأنني أحبك / أتركك تمضي / في حال ذهولك … ” ص22 ، وتتوالى في نسق من وصف بمجازية مختلفة عما هو سائد من تعبير ؛ حيث يضحك الشيب المنتشر في شعر الرأس  : ” في رأسها يضحك الشيب ملء فيه … ” ص 35،وتصدر عن الحاسوب قهقهة مدوية : ” أسمع قهقهة الحاسوب… ” ص47، وتزهر مدينة بابل، بثقلها الحضاري والتاريخي ، على ثغر الشاعرة ، وما يعكسه ذلك من دلالات ومعاني ، ويحني الليل رأسه ، وتزل قدما القمر بسبب عرقلة من الظروف : ” قد يطأطئ   الليل رأسه / تتعثر  قدما القمر في الظروف … ” ص66، ويستظل الصمت بظل قوامه كلاما مكون من نخل : ” إلى حيث يتظلل صمتي / بنخل الكلام ” ص70، وتشبيه البحر ، المجهش في البكاء ، بطفل صغير لا يملك زمام أمره ، ويفتقر لسلطة الفعل والقرار : ” ومثل صبي صغير مغلوب على أمره / كان البحر يبكي … ” ص95، في صيغة من تشبيه دال ومعبر ، ونهل اللبن من ثغر القمر : ” ذلك اللبن الذي ارتشفته / من فم القمر …” ص104، وهو تصوير مجازي يُشَكّل، إلى جانب ما سبقه من صور ذات تعابير حبلى بحمولاتها البلاغية ، وما توسلت به من استعارات ومجازات ، انزياحا عن السائد والمألوف بما فتحه من آفاق صادرة عن رؤية إبداعية تروم خلق أشكال شعرية غير مسبوقة ، وقد تجلى هذا الاختلاف في أسلوب المجموعة أيضا ، كما نقرأ في : “فغادر المكان يلوي على كل شيء ” ص56، وهو استعمال يشذ عن المألوف في صيغته الشائعة والمتداولة ( لا يلوي  على شيء ) ، وفي قولها كذلك : ” لَقِيتُني / وضَمَمْتُني / إليها طويلا . ” ص103، في استبدال الغائبة بالمتكلم عِوَض لَقِيَتْني  ، وضَمَّتْني . وانفتحت النصوص على الجنس القصصي في توظيف لعنصر الشخوص والوصف كما في ” ذاكرة مذياع بداخلي  ” بوصف ، وذكر شخصيات مثل نادية ، والأم ، والجدة التي انهمكت في غزل الصوف : ” نادية ساهمة مع ضفائرها / وأمي فراشة تنتقل من غرفة إلى أخرى … / فناء دار جدتي أغنية للخصب / المغزل بين يديها ينهمر من الصوف والصبر … ” ص72، فتنضاف إليهم شخصية الأب ، ورشيدة ووداد : ” وأبي بين غربتين / يُعَدِّل مزاج المذياع بين محطتين … / رشيدة تحضن العندليب … / وداد تطالب بماريا كاري … ” ص73، وماريَّا كاري هي مغنية وكاتبة أغاني أمريكية تهتم وداد بأغانيها ، واستعملت الشاعرة  عناصر ك التضاد في نص ” ناقصة شعر.. وفن ”  حيث تقول : ” لن تقدر  متبعثرة مثلي / على لم شتات الشعر الذي  يفيض منها …” ص5، وهو ما يتقابل فيه التشتت والتبعثر الذي لا يُلَمّ ولا تُضَمّ أطرافه مع شتات لا تملك الغارقة في التبعثر على جمع نبض وفيض شعر  يستعصي على الالتئام والتجميع . والموقف المُحدَّد من الشعر والنثر ، والمتمثل في الكره والنفور : ” أكره الشعر والنثر … ” ص29، وقد ورد في المجموعة ذكر العديد من أسماء لأعلام أسهمت في إغناء المتن الشعري ، وتشريعه على آفاق حبلى بحمولاتها الرمزية والدلالية كشخصية عطيل التي تكررت في مقاطع عدة من الديوان : ” عطيل يقول هذا بيتي ” ص 17، وهي شخصية من مسرحية لشكسبير تحمل نفس الاسم الذي يرمز للخير ، مقابل ياغو الذي يجسد الشر . وساندريلا ، وما يحيط بها من أحداث مرتبطة بعالم السحر والشعوذة : ” كأنها ساندريلا الصفاء ؟ ” ص26، وهي قصة ل شارل بيرو عن فتاة عانت من سوء معاملة زوجة أبيها وأخواتها غير الشقيقات ، فتتحول حياتها إلى ما هو أفضل بمساعدة جنية من عالم الغيب . وأحدب نوتردام إحدى شخصيات رواية فيكتور هوغو  :Notre Damme de Paris والذي وقع في حب امرأة تمثل جمالها في صورة إنسانية أفاضت عليه مشاعر الاحترام والتقدير مما أكسبه ثقة في نفسه ، ونبذت ما كان يستشعره من نقص وغبن بسبب عاهته التي كانت محط سخرية واحتقار فغدت لا تشكل أي عائق أمام ما حققه من تفوق ونجاح بعد معاناة مع الفقر ، وغياب ما يكفي من الأكل والشراب : ” مثل أحدب نوتردام / مكبل بالفقر / أرهقه الجوع والقر والعطش … ”  ص50، فصار في حالة أفضل . ومن الميتولوجيا  اليونانية القديمة ميدوزا التي تعني الحارسة الحامية ، وما أحاط بها من روايات خارقة بقدرتها على تحويل المرء إلى حجر من خلال نظرة واحدة منها : ” وتطل علي ميدوزا بأصابعها الألف … ” ص59، وفينوس إلهة الجمال في الأساطير الرومانية : ” حتى تغطي فينوس عينيها … ” ص91، وكثير من الأعلام ، والأسماء المستوحاة من تاريخ الحضارات والميتولوجيا القديمة ، وما تزخر به من دلالات رمزية ،وأنطولوجية ذات طابع أسطوري أسهمت في تنويع زوايا الإبداع ، وإثراء أبعاده داخل نصوص المجموعة ، والتي لم تخل  كذلك من ذكر أسماء لأماكن مختلفة من بقاع الكون في أوروبا كباريس ، وإفريقيا مثل الكونغو ، والبرازيل من أمريكا  : ” ستغريك نظّارات غريبة لفتى / يتبختر في شوارع باريس… / ستركضين في مرح حقول القطن / طفلا من الكونغو / تُصَفّرين مع ذلك الصبي البرازيلي/ الما ريخوانا في جيب بنطاله … ” ص108، برسم مشهديات تتضمن بعض خصوصيات هذه المناطق الثقافية والحضارية والزراعية . و قد مس التنويع الذي طبع نوع  الكتابة  ، وميزات ا ختلافها  شكل بعض النصوص مثل ” صيف وغيرة ” التي صيغت بنظام أقرب إلى كتابة نثرية سردية ، وإن متحت من معجم  بمفردات رومانسية مثل ( السوسن ، الورد ، الشذى ، الندى … ) ، ورسمت صورا بأسلوب مجازي ذي صبغة جمالية ، وأبعاد دلالية كما نقرأ في : ” أريد سماء تبدأ في الزرقة وتنتهي فيها أريد محيطا لا زورديا لا حدود له ولا نهاية وأريد أمواجا من البنفسج لترقص معي كل مساء… وأريد نسيما به طعم الثلج … ” ص72.

فمجموعة ” أنقى ما لديك من فوضى ” نهجت مسلكا إبداعيا مغايرا ، أبانت فيه الشاعرة عن امتلاكها لأدوات  الشعر وعناصره الأساسية ، وإن عبرت عن توقها للتخلص من ثوابته المعروفة والمُتَّبعة : ” أرنو تحررا من وزن التفاعيل … / أريد على البلاغة أن أتمرد ” ص28، فهو تمرد وانزياح تمثل في خلق أشكال تعبيرية جديدة لم تقطع ، رغم ذلك ، مع عناصر الشعر الإيقاعية والبلاغية وإن صدرت عن حس يتوخى الإضافة، ويتميز بالفرادة عبر ما رسمه من أشكال ، وما سلكه من طرائق مغايرة في الخلق والتعبير والابتكار. 

_____________________________________

ـــ أنقى ما لديك من فــــوضى (شعر ) – إيمان شعبان البناني- الناشر: الأمينة للنشر والتوزيع ــ تونس القيروان 2024.

شارك هذا الموضوع

عبد النبي البزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!