نقابة الصحافة ما بين الأثر والفعل في تنظيم المهنة
جمال المحافظ
في بداية القرن التاسع عشر نشأت في إنجلترا أولى النقابات على شكل تنظيمات عمالية مناهضة للرأسمالين ورجال الأعمال بهدف إجبارهم على التفاوض الجماعي خاصة حول الأجور وتحسين ظروف العمل.
تعد النقابات ظاهرة اجتماعية، ومدرسة للتنشئة الاجتماعية والاقتصادية التي يتلقى الأعضاء بداخلها أساليب المشاركة وإدارة الاجتماعات وحل المنازعات بالطرق السلمية سواء تعلق الأمر بشؤونهم النقابية أو في علاقاتهم مع باقي الفرقاء الاجتماعيين.
فضلا عن ذلك فإن النقابات التي تعتبر فضاء لتعلم فن التفاوض، ساهمت في تكريس الحق النقابي، كأحد أهم الحقوق السياسية الاقتصادية والاجتماعية، التي أضحت تتضمنها الدساتير وتضمنها كافة القوانين، وذلك نتيجة النضالات التي خاضتها الطبقة العاملة عبر العالم.
وإذا كانت مصر أول بلد عربي أصدر تشريعات للعمل النقابي عام 1942، فإن الاتحاد المغربي للشغل كانت أول مركزية نقابية تأسست بالمغرب سنة 1955، وبعدها تأسست منذ 1960 العديد من المركزيات النقابية، وهو ما مكن من وضع حدا نهائي لمرحلة الأحادية النقابية، بعدما كانت الظاهرة النقابية من بين المؤسسات والتنظيمات الغربية التي حملها الأوربيون الى المملكة بعد فرض الحماية، وتشكيلهم لفروع تابعة لتنظيماتهم النقابية ببلدانهم. وهكذا فإن التنظيم النقابي، كما الصحافة جاء مع دخول الاستعمار، وأخذه المغاربة بعد استيعاب بعض تقنياته، وبذلك أسسوا صحافة محلية، تعبر عن الاتجاه الوطني في معظم القضايا.
وإذا كان الاتحاد المغربي للشغل، يعد أول مركزية نقابية، فإن نقابة الإذاعة الوطنية بالرباط بالمغرب، كانت أول تجربة نقابية في مجال الصحافة الاعلام والتي تأسست في أواخر سنة 1956، وذلك قبل ميلاد النقابة الوطنية الصحافة المغربية في يناير 1963 التي جاء ميلادها في غمرة كفاح وطني، كان يسعى الى مواجهة صحافة ” ماس ” الاستعمارية التي واصلت الصدور حتى بعد نيل الاستقلال. كما كانت تهدف نقابة الصحافة الى “تكريس حرية الصحافة والرأي، ومواجهة كل أنواع التضييق ضد الكلمة الصادقة، والعمل الصحفي المبني على احترام المهنة”، كما جاء في محضر تأسيسها.
وفي هذا السياق، لا يمكن لأي باحث في تاريخ الصحافة والاعلام بالمغرب، أن يتجاهل الدور الذي لعبته النقابة الوطنية للصحافة المغربية في هذا القطاع الحيوي، منذ أن تأسسها في بداية ستينات القرن الماضي، حيث ساهمت بشكل متميز في الحركية التي عرفها حقل الاعلام الذي يصنع الرأي العام.
كما كانت حاصرة بفعالية في مختلف التطورات التي شهدها حقل الصحافة والاعلام، مما حولها إلى فاعل أساسي في مختلف المحطات الرئيسة في تاريخ الصحافة الوطنية، ويعود كذلك لها الفضل في مواجهة التجاوزات التي كانت تطال حرية الصحافة والتعبير ، مع الدفاع عن الخدمة العمومية في الإعلام.
وباعتبار الارتباط الجدلي ما بين التجليات السياقات والتحولات التي وسَمت كل مرحلة من مراحل تطور النقابة الوطنية للصحافة المغربية والتي كان لها أثرٌ عميق على مسار النقابة التي كان ميلادها، إفرازا طبيعيا للتأثيرات التي عرفها بلد خرج لتوّه من مرحلة الحماية، وبدأ يحاول أن يشقّ طريق التحرر من تبعات الفترة الاستعمارية.
ويلاحظ في هذه المرحلة، سيطر الهاجس السياسي على فترة التأسيس حيث أبرز التحليل الزمني لأداء النقابة، أنه إذا كانت الحركة الوطنية قد أخفقت في بداية الاستقلال في المحافظة على وحدتها، فإن أحد نجاحات الأحزاب المكونة لها، تمكنها من أن تتجاوز خلافاتها وصراعاتها السياسية، وتختار التكتل، مما جعلها تهتدي إلى تأسيس نقابة للصحافة وليس للصحافيين. وتمثلت المهام المستعجلة للنقابة الوطنية للصحافة المغربية في هذه المرحلة، في الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير، لكن بالمقابل كان هناك شبه غياب تام للجانب المهني ووضعية المحررين (الصحفيين)، الذين كان ينظر إليهم في هذه الفترة كمناضلين.
وهكذا تلخصت انشغالات نقابة الصحافة في المطالبة بالإصلاح السياسي، وضمان الحقوق الجماعية، وهذا ما يمكن التوقف عنه في أدبيات ومواقف النقابة وفي بياناتها، وأنشطتها خلال هذه الفترة. بيد أن النقابة تمكنت نقابة الصحافة بالمقابل خلال هذه المرحلة من المحافظة على وحدتها التنظيمية، رغم تعددية الجسم الصحفي ومعه تحولات المشهد السياسي، وهذا ما ميزها عن بقية المركزيات النقابية التي تأسست في إطار الأحادية، وتحولت مع مرور الوقت إلى التعددية نتيجة الانشقاقات المتتالية للأحزاب السياسية.
لكن تطوّر الممارسة السياسية بالمغرب، من 1984 إلى 1993، أتاح الفرصة لنقابة الصحافة، لتطوير هياكلها، بانضمام إلى جانب الصحف المؤسسة صحفا أخرى، عادة ما كانت توصف ب” جرائد الأحزاب الإدارية”. وساهم هذا التنوع بشكل أو بآخر، في إغناء صفتها التعددية. لكنها حافظت إلى غاية سنة 1993على هيكلتها كتنظيم يضم الصحفيين المديرين فقط.
وإلى حدود جمعها العام الثاني في ماي 1993، ستعرف نقابة الصحافة، تحولا لافتا، وذلك نتيجة التعديلات المهمة التي طالت قانونها الأساسي الذي أصبح ينص على أن الصحافيات والصحافيين، يشكلون ثلثي الأجهزة المقررة، والثلث الآخر لممثلي المقاولات الصحافية. ووفِق ذلك، تم تشكيل غرفتين في حظيرتها، واحدة خاصة بالناشرين مديري الصحف، وأخرى للصحفيين المحررين.
غير أن التحول الكبير الذي عرفته النقابة الوطنية للصحافة المغربية، كان سنة 2000، عندما تخلت عن نظام الجمع العام الذي كان مفتوحا أمام الصحافيين من الحاملين على بطاقة الصحافة، وعوض بالمؤتمر الوطني الذي يشارك فيه ممثلون عن مختلف وسائل الإعلام العمومية والخاصة. وابتداء من هذا التاريخ تحولت النقابة الى تنظيم خاص بالصحافيين. كما عززت حضورها، كمخاطب مقبول في كافة قضايا الصحافة والإعلام.
وإذا كانت النقابة، بادرت إلى الاهتمام بأجيال جديدة في قضايا الصحافة والإعلام من قبيل أخلاقيات المهنة والدفاع عن دمقرطة وسائل الإعلام خاصة العمومية، والنوع الاجتماعي في الإعلام وتكوين الصحفيين، الا أن هذه المبادرات اتسمت بطابع مناسباتي ظرفي. وأدخلت النقابة تعديلات مهمة على قانونها الأساسي سعيا منها التحول الى تنظيم فيدرالي.
لكن في الوقت الذي كان على النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أن تنخرط في الديناميات المجتمعية، التي ساهمت في إقرار دستور 2011 فإنها واصلت، التركيز على علاقتها مع الحكومة خاصة وزارة الاتصال، رغم مشاركتها في فعاليات الحوار الوطني حول الإعلام والمجتمع، مع الاكتفاء بردود الفعل عوض ابداع مبادرات، حول ما كان يعتمل في الساحة الإعلامية، خاصة ما يهم قوانين الصحافة والاعلام، تكون كفيلة بتعزيز قيم التضامن والتآزر بين الجسم الصحفي، والرفع من مستوى الأداء المهني وضمان استقلالية الصحافة والاعلام.
كما أن تجاوب النقابة الوطنية للصحافة المغربية مع التحول الدستوري سنة 2011، لم يرق على ما يبدو إلى الآمال العريضة التي كانت معقودة على تنظيم للصحافين، يشتغل في قطاع الصحافة والإعلام، مما يوفر لها تأثيرا أكبر في السياسات العمومية في مجالات الصحافة والإعلام والاتصال.
أما بخصوص الآليات المعتمدة من لدن نقابة الصحافة لتمرير مواقفها، والتعبير عن آراءها حول مختلف القضايا المرتبطة بالصحافة والإعلام، فإنه من الملاحظ بأن نقابة الصحافة، ظلت تركز في عملها على الوسائل التقليدية في مقدمتها، إصدار البلاغات والبيانات.
لكن على الرغم من ذلك فإن النقابة الوطنية للصحافة المغربية، مؤهلة بحكم تاريخها، والتراكم الذي تتوفر عليه بمقدورها، استعادة دورها وتطويره، وتجاوز المطبات التي تواجهها من خلال العمل على تدشين حوار صادق ومسؤول يجمع كافة الأطراف، لتصبح فاعلا في تنشيط الحياة الإعلامية والثقافية والسياسية، وكذلك فضاء مفتوحا لكافة نساء ورجال مهنة ميديا الاعلام، وتوسيع تمثيليتها الانكباب على اعداد مشاريع برامج تتلاءم مع التحولات الراهنة، وبحث السبل الكفيلة بتنفيذها حتى تكون مساهما فعالا في اصلاح المشهد الإعلامي الوطني.
وعلى المستوى التنظيمي، يتطلب الأمر اعادة النظر في القانون الأساسي لنقابة الصحافة في اتجاه التفعيل العملي لإطارها الفيدرالي من خلال احداث مكاتب نقابية بالمؤسسات الإعلامية، في أفق تشكيل المكتب التنفيذي من ممثلين لهذه المكاتب التي تمنح لها صلاحيات حتى يكون لها دور فعال، مع الانفتاح بشكل أكبر على الفروع الجهوية للنقابة الصحافة والقيام بمبادرات مشتركة مع الهيئات التي تتقاسم مع نقابة الصحافة نفس الرؤية، خاصة منها الهيئات الحقوقية والثقافية .
وإذا كان الجسم الصحافي المنظم، بمقدوره رغم تحديات الثورة الرقمية ورهانات الذكاء الاصطناعي، المساهمة الفعالة في التأثير الإيجابي، فإن ذلك يتطلب أن تصبح فاعلا أساسيا في تنظيم المهنة، حتى يتحول الصحافيون، مستقبلا إلى قاطرة لأي صناعة إعلامية، مع دفع المقاولات الإعلامية الى الامتثال لقواعد الديمقراطية الداخلية، والالتزام بشروط النزاهة والشفافية، في تدبيرها لقطاع مؤهل ليخوض غمار التحديات السياسية والمهنية والتكنولوجية، وحتى تتمكن النقابة الوطنية للصحافة المغربية من تواجد فعلي لمعالجة مختلف القضايا المطروحة في إطار وحدوي بين مجموع الصحافيين.
*ورقة في المؤتمر الوطني التشاوري الفكري للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، يومي ثالث ورابع يوليوز 2026 بسلا
