بعد 50 عاما.. لقاء مُتجدد مع الصحفي حسن القاسمي العلوي
المصطفى اجْماهْري
بعد لقائنا الأول في الدار البيضاء خلال سبعينيات القرن الماضي، لم يكن بإمكاني ألا أقوم بزيارة الصحفي حسن القاسمي العلوي، الذي يرقد حالياً بالمستشفى الجامعي الدولي محمد السادس ببوسكورة. إنها صورة تلقيتها عبر صديقنا المشترك مصطفى أبو عباد الله، رئيس القسم الرياضي السابق بجريدة لومتان، هي التي أعادتني إلى وجدان ذكريات بعيدة. أتذكر حسن إنسانا وزميلا وأيضا قارئا نهما. حتى غرفته بالمستشفى الجامعي وجدتُ جوانبها غاصة بالكتب والمجلات إلى جانب حاسوبه المحمول حيث لا سبيل لديه للانقطاع عن العالم وصخبه.
زرته قبل يومين (الأربعاء 20 ماي 2026) واستعدنا نُتفا من خمسين سنة مضتْ، لم تعد سوى كلمات ودروس وحكايات .. وقبل مغادرتي، لم ينس أن يلح علي في الاستمرار بمشروعي التوثيقي “دفاتر الجديدة” كعمل يحفظ الذاكرة ويصون التاريخ.
***
تعرفتُ على الإعلامي حسن القاسمي العلوي بالدار البيضاء سنة 1975. كنتُ حينها أخطو خطواتي الأولى كصحفي شاب في المحطة الجهوية للإذاعة والتلفزة المغربية بعين الشق، تحت إشراف الإعلامي المخضرم محمد الماجدولي. من جانبه، كان حسن العلوي قد وصل للتو من فرنسا، يحمل دبلوما متخصصا من المدرسة العليا للصحافة بليل، ومحصناً بتجربة تكوينية هامة في صحيفة لوموند العريقة، حيث التحق مباشرة بهيئة تحرير جريدة لومتان الواقعة بشارع محمد الخامس.
ورغم أننا لم نتشارك المسارات نفسها ولا المقرات ذاتها، إلا أن الشغف المشترك بالعمل الميداني كان يجمعنا بانتظام. فبين تغطيات الميدان، والندوات، والزيارات الرسمية، كانت مساراتنا تتلاقى أحيانا، لتتحول لحظات الانتظار إلى مساحات غنية للنقاش والحوار. وكانت تلك التبادلات العفوية مع هذا الإعلامي الكبير، ذي الثقافة الواسعة، بمثابة دروس حقيقية في مهنة المتاعب بالنسبة لي.
وفي نهاية عام 1976، غادرتُ الدار البيضاء لأشتغل في مؤسسة أخرى بمدينة الجديدة. ورغم هذا الابتعاد عن الميدان البيضاوي، ظللتُ قارئاً وفياً ومتابعاً لمقالاته، أترصد بشغف تحليلاته التي كانت تحظى بمتابعة واسعة من لدن قراء يومية لومتان. ولاحقاً، كان من الطبيعي جداً أن ألتقي بأعماله مجدداً على صفحات ماروك ديبلوماتيك، حيث استمر في العطاء.
وخلال زيارة لي بفرنسا عام 2019، تردد صدى اسم حسن القاسمي العلوي مُجدداً في مساري، وجاء هذه المرة على لسان عالم الاجتماع المغربي محمد بنهلال، الذي خطّ مقدمة كتابي “لقاءات فرنسية مغربية” الصادر عن دار لارمتان، وكان هذا الباحث مُؤلف الكتاب المرجعي حول “ثانوية آزرو” – والتي ليستْ سوى مسقط رأس حسن العلوي -، هو من حدثني عن كفاءة حسن الصحفية ورشاقة قلمه الفريد. فمن المدرسة العليا للصحافة بليل التي تخرج منها عام 1975، خط خطواته الأولى داخل صحيفة لوموند الفرنسية، أولاً كمتدرب ثم كصحفي. وقد مكنته هذه التجربة الدولية ومطالعاته الكثيرة من اكتساب ثقافة عامة واسعة وأسلوب تحريري متميز، طبعا مسيرته المهنية في المغرب بشكل دائم.
***
وفور عودته إلى أرض الوطن، فرض نفسه في المشهد الإعلامي المغربي كصحفي في يومية لومتان، قبل أن يتولى رئاسة تحرير يومية ماروك سوار بين عامي 1976 و1979. وقاده مساره بعد ذلك للإشراف، لسنوات طويلة، على إدارة تحرير هذين العنوانين المعروفين، حيث عمل فيهما أيضاً ككاتب افتتاحيات بارز. وفي عام 2008، بينما كان يشغل منصب المدير المفوض لنشر جريدة لومتان، كان رصيده المهني قد تجاوز 33 عاماً من مسيرة غنية كُرست بالكامل لخدمة الإعلام الوطني.
وقد حظي حسن العلوي القاسمي بلقب “الأستاذ” من لدن زملائه، واشتُهر بحسه الفطري في صياغة الكلمة. ويستحضر زملاؤه القدامى، وعلى رأسهم مصطفى أبو عباد الله، صورته كرجل أدب متمكن، قادراً على معالجة أكثر المواضيع تعقيداً بسلاسة تامة. وبفضل دماثة أخلاقه، ترك بصمة لا تُمحى كمرشد في كل قاعات التحرير التي مرّ بها.
ألف حسن كتاب “الحرب السرية في الصحراء الغربية” (باريس، 2010)، ووضع خبرته في خدمة تحليل المستجدات السياسية الوطنية والإقليمية والدولية. وفي عام 2015، أسس بالدار البيضاء مجلة ماروك ديبلوماتيك الشهرية التي يشغل حالياً منصب مدير نشرها، إلى جانب تعاونه كمساهم، من حين لآخر، مع مركز التفكير Policy Center for the New South..، ومن خلال كتاباته المختلفة، يظل صوتاً محترماً في الدفاع عن القضية الوطنية وتفكيك الرهانات العالمية الكبرى.
